إيقاف استئناف تصوير الأعمال الرمضانية في تونس: جائحة كورونا تغيّر رمضان التونسيين


2020-04-17    |   

إيقاف استئناف تصوير الأعمال الرمضانية في تونس: جائحة كورونا تغيّر رمضان التونسيين

يعتبر شهر رمضان الفرصة الموسمية بالنسبة لمختلف القنوات التلفزية ومختلف القطاعات المرتبطة بالإنتاج السمعي البصري نظرا لحجم الإعلانات التي يتم بثها والتي تمثل الرافد الأبرز للمداخيل المالية للمؤسسات المنتجة والتي تمكن بدورها القنوات التلفزية من ضمان استمراريتها وتطوير إنتاجاتها. إلا أن تفشي جائحة الكورونا في تونس ألقى بظلاله على الموسم المنتظر، حيث تسبب إجراء الحجر الصحي الشامل وتوصيات التباعد الاجتماعي في تعليق تصوير المسلسلات الرمضانية تطبيقا لتعليمات الحكومة، حيث قررت وزارة التربية الشؤون الثقافية تعليق مفعول رخص التصوير إبتداء من يوم 16 مارس 2020.

وإذا بدا هذا القرار في ظاهره منسجما مع جل قرارات الدولة الأخرى على غرار إغلاق المقاهي والشركات غير الحيوية، إلا أن اقتراب شهر رمضان، والاستقرار النسبي للوضعية الوبائية في تونس، أعادا الجدل حول مدى وجاهة استمرار قرار تعليق رخص التصوير خصوصا مع تزايد ضغط المنتجين. وقد دفع هذا الجدل وزارة الشؤون الثقافية لأن تعلن في بلاغ لها يوم 8 أفريل الجاري أنه بإمكان شركات الإنتاج السمعي البصري والقنوات التلفزية التي تحصلت سابقا على تراخيص تصوير وتم تعليق مفعولها أن تستأنف إنجاز المسلسلات ومختلف المواد الإعلامية الرمضانية التي شرعت فيها في صورة الاستجابة لجملة من الشروط الصحية. قرار فتح باب الانتقادات من جديد من قبل الرافضين لمنح مثل هذا الاستثناء والمتمسكين بضرورة الإلتزام التام في كل القطاعات بالحجر العام. وقد جاء قرار المحكمة الإدارية في 13 أفريل 2020 بتأجيل تنفيذ قرار وزيرة الثقافة المذكور ليحسم هذا الجدل.

 

شبح الإفلاس يخيم على شركات الإنتاج

إلى جانب ما توفره الإنتاجات الدرامية الرمضانية من مادة فرجوية بغض النظر عن مقاصدها وأبعادها الاجتماعية فهي في نهاية الأمر مشروع تجاري للشركات المنتجة ومورد رزق فئة واسعة من المحترفين في القطاع السمعي البصري (من مصورين ومهندسي صوت وممثلين وغيرهم…) لهذا السبب فإن جل الشركات المنتجة تسخّر كل مواردها المالية والبشرية واللوجستية لإنجاح هذا الموسم الذي يشهد ذروة الإنتاج في القطاع السمعي البصري في تونس. بمعنى أن نجاحه يؤسس لنجاح موسم تلفزي كامل وأن فشله يكبد بالمقابل المنتجين خسائر من شأنها أن تصل إلى حد الإفلاس. فمداخيل شهر رمضان وحدها تمثل حوالي 70% من رقم معاملات القنوات التلفزية، مما يجعل الدخول في مغامرة الإنتاج رغم هذه الظروف الصعبة شرّا لا بد ّمنه.

في هذا السياق، اعتبرت الممثلة القانونية لقناة الحوار التونسي سنية الدهماني في تصريحها للمفكرة القانونية أن تمويل شركات الإنتاج مُتأتٍ في أغلبه من القروض البنكية ويخضع لرقابة الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي البصري كما أن لديها التزامات مالية كبيرة لا يمكنها تغطيتها وتسديد ديونها إلا عبر عائدات الإشهار، ناهيك أن القنوات التلفزية تقتات اليوم من مشاريع فرجوية وهي إما الإنتاجات الرمضانية أو البرامج الترفيهية، (التي تمثل 70% من أرقام معاملات الشركة) وبذلك تتمكن من تحقيق التوازن المالي الذي يمكنها من إنتاج برامج سياسية واجتماعية ذات محتوى أكثر رصانة، ووفق نفس التمشي فإن قناة الحوار التونسي مثلا تشغل حوالي 250 شخصا من صحفيين وتقنيين ومنشطين. وغياب الإنتاجات الرمضانية قد يؤدي إلى تهديد مداخيل هؤلاء.

 

رغم الاحتياطات الصحية؛ المخاوف قائمة

من الجهة المقابلة، عارض عدد لا بأس به من الأطباء والإعلاميين وحتى من نواب الشعب سماح وزارة الشؤون الثقافية للقنوات التلفزية وشركات الإنتاج بالعودة إلى إكمال تصوير المسلسلات الرمضانية على اعتبار أنها مخالفة صريحة وواضحة لإجراء الحجر الصحي الشامل إضافة إلى أنها قد تفتح الباب أمام الشركات الأخرى حتى التي تعمل في قطاعات غير حيوية لتتمرد على إجراء الحجر الصحي الشامل. وقد اعتبر كاتب عام الجامعة العامة للإعلام محمد السعيدي في تصريح للمفكرة أن فتح باب الاستثناءات بالنسبة لشركات الإنتاج والقنوات التلفزية قد يؤدي إلى استثناءات أخرى وبذلك تصبح الخطة التي وضعتها وزارة الصحة لإلزام الجميع بالبقاء في بيوتهم من دون أي فاعلية تذكر. خطة احتواء الوباء فُرضت على الجميع حتى شركات التصدير التي تقوم بتوفير العملة الصعبة للبلاد التوقف عن العمل بما يعنيه ذلك من خسائر مالية كبيرة. وعودة الإنتاجات التلفزية قد يفتح سلسلة من التمرد قد لا تنتهي ونعود بذلك إلى نقطة الصفر.

وكان قرار وزارة الشؤون الثقافية المثير للجدل، تضمن عددا من الشروط التي يجب الاستجابة لها للعودة إلى التصوير بعد التنسيق مع وزارة الصحة. حيث جاء في بيانها الصادر يوم 8 أفريل أنه لا بد من ضرورة عزل كامل الفريق الفني والتقني وكافة المتدخلين خلال كامل فترة التصوير وإخضاعهم للتحليل المخبري قبل انطلاق التصوير ومن بعده، إضافة إلى تحديد عدد أفراد فريق التصوير في الأماكن المغلقة بـ 10 أشخاص وفي الفضاءات المفتوحة بـ 20 شخصا إضافة إلى التقيد برزنامة التصوير وإعلام الوزارة بكل تغيير يطرأ عليها.

واعتبرت الممثلة القانونية لقناة الحوار التونسي خلال حديثها مع المفكرة أن أماكن التصوير خاضعة لرقابة وزارة الصحة، وهناك دراسة مدققة للملفات التي تقدمنا بها ناهيك أننا ملتزمون بالحجر الصحي لكامل فريق التصوير. أما بالنسبة للتحاليل التي يتم إجراؤها على الفريق العامل فإن الشركة هي من تتكفل بمصاريفها وليست مجانية، لذلك فإن الإجراءات المتخذة صارمة جدا ولا مجال للتلاعب بصحة فريقنا العامل.

وبالرغم من كل هذه الإجراءات الوقائية إلا أن المخاوف لا تزال قائمة خاصة أن الضرورة النصية أو الضرورة الدرامية في بعض مشاهد التصوير تفرض تجميع عدد كبير من الأشخاص في مكان واحد des Figurants ولا يخلو مسلسل درامي أو حتى سلسلة هزلية من هذه المشاهد الضرورية.

حول هذا الجدل، اعتبر رئيس العمادة الوطنية للأطباء الدكتور سليم بن صالح في تصريح للمفكرة أن هذه المخاوف ضرورية في جزء منها ولكن لا يجب إهمال الجهد المبذول من قبل وزارة الصحة على مستوى الرقابة المستمرة والتعقيم المتواصل لبلاتوهات التصوير، كما أن الاحتياطات المتخذة على غرار إجراء تحاليل طبية قبل التصوير وبعده لكامل الفريق العامل مع الإبقاء عليه في الحجر الصحي طيلة فترة التصوير تبدو مطمئنة إلى حد ما. عموما لا أخفي بعض مخاوفي من إمكانية حدوث اكتظاظ مبالغ فيه ولكن بناء على الإجراءات الوقائية الصارمة التي اتخذتها وزارتا الصحة والثقافة تقل هذه المخاوف. في المقابل ما يثير حفيظتي هو عدم الالتزام الشعبي بإجراء الحجر الصحي الشامل الذي يعتبر أكثر خطورة.

 

رمضان منقوص

إلى جانب الهدف التجاري الذي تؤمنه الانتاجات الدرامية الرمضانية، فهي توفر أيضا مادة فرجوية اعتاد المشاهد التونسي على انتظارها كل شهر رمضان، حتى أن وزارة الثقافة عوّلت على هذه الإنتاجات لتعزيز جهود الدولة في إحتواء تفشي فيروس كورونا، وإيجاد وسائل ترفيه لحث المواطنين على البقاء في منازلهم، إذ عمدت القناة الوطنية خلال فترة الحجر الصحي العام إلى إعادة بث الأعمال الدرامية التي بثتها في السنوات السابقة والتي رغم تكرارها ظلت محافظة خلال هذه الأزمة على نسب مشاهدة عالية.

في هذا الإطار، اعتبر الباحث في علم الاجتماع زهير بن جنات في تصريحه للمفكرة أن الأعمال الدرامية في نهاية المطاف هي صناعات ثقافية، وقد استطاعت طيلة السنوات المتعاقبة جلب اهتمام فئة هامة من المشاهدين خصوصا الفئات الاجتماعية الضعيفة والمتوسطة التي لا زالت تتعامل مع التلفزيون على أنه وسيلة الترفيه الرئيسية. إذن شهر رمضان وإن كانت مناسبة دينية بالأساس إلا أنه يعتبر فرصة موسمية للمنتجين والمشاهدين من الفئات الاجتماعية التي تحدثنا عنها والتي تمنعها إمكانياتها المادية المحدودة من الخروج يوميا خلال ليالي رمضان والتي لا متنفس لها سوى جهاز التلفاز بحثا عن مواد ترفيهية. وبذلك، ومن الناحية السوسيو-ثقافية، تحولت الإنتاجات الدرامية إلى أحد أهم مكونات منظومة الروتين الرمضاني التي اعتاد عليها المواطن التونسي على غرار الحركية التجارية والشعائر الدينية. أما من الجانب الثقافي، فالإنتاجات الدرامية تعتبر صناعات ثقافية تقوم على تصوّر معين للمجتمع وتعكس خلفية فكرية واجتماعية تختلف من طرح إلى آخر، والتجديد فيها، بمعنى تواصل الإنتاج الدرامي، يلبي حاجة المشاهد في البحث عن مرآة لواقعه أو لسلوكيات المجتمع أو فئات منه.

حالة الجدل التي رافقت قرار الوزارة باستئناف تصوير الأعمال التلفزيونية لم تنته بعد قرار المحكمة الإدارية الذي أوقف تنفيذ قرار الوزارة، بل فتح بابا آخر للنقاش حول الآثار الاقتصادية والاجتماعية "لفقر" تلفزيوني منتظر شهر رمضان المقبل. كما سلط الضوء من ناحية أخرى على الوضعية الهشة لمؤسسات الإنتاج في القطاع السمعي والبصري التي تظل رهينة عمل موسمي يلقي بظلاله على تطور القطاع ككل وحركية الإنتاج الثقافي والدرامي التونسي.

 

انشر المقال

متوفر خلال:

تونس ، حريات عامة والوصول الى المعلومات ، مقالات



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *