إيطاليا وتونس: جيرة أكثر تعقيدا من خيوط السباغيتي..


2023-07-18    |   

إيطاليا وتونس: جيرة أكثر تعقيدا من خيوط السباغيتي..

قد تكون رئيسة الحكومة الإيطالية جيورجيا ميلوني td صدد تحقيق رقم قياسي يصعب كسره: ثلاث زيارات رسمية لبلد أجنبي (تونس) في غضون 40 يوما فقط (6 جوان، و11 جوان و16 جويلية 2023). الثالثة ثابتة، إذ استطاعت ميلوني بعد هذه الزيارات المكوكية، التي رافقها في بعضها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين ورئيس الوزراء الهولندي مارك روته، إقناع الرئيس التونسي قيس سعيّد بالتوقيع على مذكرة تفاهم مع الاتحاد الأوروبي. شملت المذكرة عدة محاور (الاستقرار الاقتصادي والتجارة والانتقال الطاقي الأخضر والتقارب بين الشعوب والهجرة والتنقل) لكن عمادها الأساسي معادلة بسيطة: إنعاش مالي/اقتصادي لتونس (حزمة مساعدات مالية تقدر بحوالي 1،1 مليار يورو) مقابل تعهّد هذه الأخيرة بالتصدّي لمواطنيها الساعين إلى الهجرة غير النظامية نحو أوروبا وتسهيل ترحيل من استطاع الوصول، وبذل جهود كبيرة في تحويل البلاد إلى منطقة عازلة بين أفريقيا جنوب الصحراء والسواحل الإيطالية/الأوروبية.

بغضّ النظر عن محتوى مذكرة التفاهم الذي استأثر الرئيس سعيّد وفريقه بالنقاش حولها في تونس، وكون الجزء الأكبر من “مردودها” المالي (900 مليون يورو) مشروطا بتوصل تونس إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي بخصوص قرض “تسهيل الصندوق الممدد” الذي تبلغ قيمته حوالي 1،9 مليار دولار وتمّ إقراره على مستوى الخبراء في أكتوبر الماضي قبل أن يعلن الرئيس سعيّد رفضه لأبرز شروطه، فإن إيطاليا -ممثلة في ميلوني- كرست نفسها فاعلا أساسيا في الشأن التونسي. ربما الأصح أن نقول ان هذا الدور صار أكثر علنية ووضوحا، فلطالما سعى الجار الإيطالي إلى ضمان موقع جيّد تحت الشمس التونسية على الرغم من الظل الفرنسي، فالرهانات والمصالح كبيرة ومتعددة.

الثقل الاقتصادي

لطالما مثلت إيطاليا أحد أبرز الشركاء الاقتصاديين لتونس في الخمسين عاما الماضية، حتى انها أصبحت الشريك التجاري الأول سنة 2022 قبل الصين التي حلت في المرتبة الثانية وفرنسا التي تراجعت إلى المرتبة الثالثة. بلغ حجم المبادلات التجارية بين البلدين 7085 مليون يورو، صدرت تونس سلعا بقيمة 3121 مليون يورو واستوردت سلعا إيطالية بقيمة 3964 مليون يورو أي أنّ هناك عجزا بنسبة 20% تقريبا. وإذا ما استثنينا قطاع الطاقة سنجد أنّ الاستثمار الإيطالي حاضر بقوة في تونس، فهناك ما يقارب 800 شركة ضخت فيها رساميل إيطالية إمّا بشكل كامل أو بالشراكة مع تونسيين وأجانب آخرين، وتشغل قرابة 70000 تونسي. وبذلك يكون الإيطاليون الأكثر استثمارا في تونس بعد الفرنسيين.

هناك أيضا المساهمة الإيطالية في السياحة التونسية من حيث عدد الوافدين. صحيح أنّ عددهم لم يتجاوز 80 ألفًا سنة 2022 أي أقلّ ب37 ألف سائحا مقارنة بسنة 2019 لكن الايطاليين كانوا تاريخيا من أكثر الجنسيات التي تزور تونس، إذ بلغ عددهم 400 ألف سائحا سنة 2009 (المرتبة الثالثة) ثم تراجع بشكل قويّ بعد ثورة 2011 وتدهور الظروف الأمنية ما بين 2012 و2015.

كما لا يجب أن ننسى أنّ إيطاليا تحتل المرتبة الثالثة في قائمة البلدان التي تأتي منها تحويلات المهاجرين المالية إلى تونس بمبلغ قيمته 1168,4 مليون دينارا تونسيا سنة 2021.

ملف الهجرة: “الدنيا دوارة”

طبعا لا يسمح المجال هنا لاستعراض آلاف السنوات من الحركة البشرية السلمية والعنيفة بين رُقعتين جغرافيتين تقل المسافة بين سواحلهما عن 150 كيلومترا. فلننتقل سريعا إلى العصر الحديث، تحديدا أواسط القرن التاسع عشر. في ذلك الوقت لم تكن إيطاليا قد توحّدت بعد وكان البؤس طاغيا في أرياف المناطق الجنوبية مما دفع بأعداد كبيرة من سكان شبه الجزيرة إلى الهجرة نحو الأمريكيتين أو إلى الوجهات القريبة مثل فرنسا والجزائر المستعمرة وتونس. موجات من الإيطاليين (خاصة القادمين من صقلية) تعاقبت على تونس حتى قبل أن تصبح مستعمرة فرنسية ليشكلوا مجتمعا فريدا أطلقت عليه تسمية “التونسيون الايطاليون” وبلغت أعدادهم 81 ألفا سنة 1906 أي أكثر من ضعف الفرنسيين الذين لم يكن عددهم يتجاوز 34 ألفا آنذاك.

حتى على مستوى انتشار اللغة وعدد المدارس والكنائس والمشاركة في الحياة الاقتصادية في تونس، فإن الإيطاليين كانوا متفوقين على الفرنسيين طيلة القرن التاسع عشر. بعد رحيل المستعمر الفرنسي بقي قرابة 50 ألف إيطاليّا في تونس منتشرين في عدة مدن تونسية ساحلية، حتى أنّهم كانوا يمثلون جزءًا هامّا من سكان مناطق معينة مثل “حلق الوادي” (العاصمة تونس). لكن منذ الستينيات بدأوا في حركة عكسية نحو الوطن الأم ولم يبقَ منهم إلا بضعة آلاف ثم مئات. على نفس الطريق، سينضم اليهم تونسيون فقراء ضاقتْ بهم بلادهم المستقلة حديثا. لم تتوقّف هجرة التونسيين إلى إيطاليا منذ أواخر الستينيات ومرّت بعدة موجات ومتغيّرات.

إلى حدود أواسط تسعينيات القرن الفائت، لم تكنْ هناك مشاكل تقريبا في وصول التونسيين إلى إيطاليا. على العكس، كانت الأيدي العاملة التونسية مطلوبة في عدة قطاعات كالزراعة والصيد البحري والبناء والتعمير. فالازدهار الاقتصادي الإيطالي جاء متأخرا بعشريّتين مقارنة بدول مثل فرنسا وألمانيا. وفي الوقت التي كانت فيه فرنسا تسعى إلى التخلص من المهاجرين منذ نهاية السنوات السبعين، كانت إيطاليا بحاجة إليهم واستمرّ الأمر إلى التسعينيات مع مخططات تنمية الجنوب الإيطالي وتطوير حركيّته الاقتصادية. واستفاد المهاجرون التونسيون هناك من قوانين “التجميع العائلي” وكذلك التسوية الشاملة لوضعية المهاجرين المقيمين بطريقة غير قانونية في 1990 و1998. ما الذي تغير اذًا؟ من جهة بدأت الحاجة إلى اليد العاملة التونسية تتراجع ومن جهة أخرى تعاظم تأثير الأحزاب اليمينية المناهضة للمهاجرين والمدافعة عن الهوية الإيطالية “المسيحية البيضاء”. بداية العمل بـ “تأشيرة شنغن” سنة 1995 أغلقت الباب عمليا أمام اغلب مواطني دول الجنوب الراغبين في الهجرة إلى أوروبا. ومع التعقيد المستمر لشروط الهجرة النظامية لم يبقَ أمام الكثيرين إلاّ ركوب البحر واختراق الأسوار الأوروبية، فوجدت إيطاليا نفسها منذ سنة 1995 البوابة الرئيسية نحو أوروبا وبدأت قوارب “الحراقة” تتوافد بأعداد متزايدة مما يعني أنها يجب أن تتعامل مع دفق هجري نحو بلادها ونحو بلدان أخرى. منذ البداية ركزت إيطاليا -ومعها الاتحاد الأوروبي بالطبع- على الحلول الأمنية ليس فقط عبر “حماية” حدودها بل بالذهاب مباشرة إلى دول الانطلاق. نتحدث هنا عما كان القوميون الإيطاليون في بداية القرن العشرين يعتبرونه “الشاطئ الرابع” لشبه الجزيرة الإيطالية أي الساحل الليبي و”الشاطئ” المجاور أي تونس. وبما أنّ شخصية العقيد القذافي وثروة بلاده كانت عوامل غير مساعدة لنجاح سياسات الضغط والترغيب، اتجهت أنظار وجهود الإيطاليين نحو الجار التونسي باعتباره أكثر “مرونة” وأقلّ ثراء.

كللت المساعي الإيطالية/ الأوروبية بالنجاح النسبي في عهد بن علي، إذ تمّ في أوت 1998 توقيع أول اتفاقية بين تونس وإيطاليا تهدف إلى التنسيق بين الدولتين للتصدي للهجرة غير النظامية، وقبول تونس بإعادة استقبال مواطنيها الذين وصلوا إيطاليا أو يقيمون فيها بطرق غير قانونية. كما أصدرت تونس القانون عدد 6 لسنة 2004 المنقح للقانون عدد 40 لسنة 1975 (المتعلق بجوازات السفر ووثائق السفر) والذي استهدف الهجرة غير النظامية من دون أن يسميها صراحة. سقوط بن علي إثر ثورة جانفي 2011 شكل صدمة و”كارثة” للإيطاليين، فخلال شتاء 2011 وصل عشرات آلاف التونسيين إلى السواحل الإيطالية مستغلين تراخي القبضة الأمنية واضطراب المؤسسات السياسية في تونس. تحركت إيطاليا بسرعة مرة أخرى واستطاعت التوصل في أفريل 2011 إلى توقيع ثلاث اتفاقيات إضافية مع رئيس الحكومة التونسية آنذاك الباجي قايد السبسي لدعم “التعاون” بين البلدين في التصدي للهجرة غير النظامية. منذ ذاك الحين، أصبحت إيطاليا “تتحسس مسدسها” كلما تأزم الوضع السياسي و/أو الاقتصادي في تونس، خصوصًا وأنّ الأخيرة أصبحتْ منصة عبور هامة للمهاجرين القادمين من إفريقيا جنوب الصحراء والساعين إلى مواصلة الطريق نحو أوروبا، حتى أصبح من المستحيل تقريبا أن يجمع لقاء بين مسؤولين بين البلدين ولا تحضر فيه قضية الهجرة. ولم يكن من المستغرب أن تسارع الحكومة الإيطالية منذ الأسابيع الأولى التي تلت “الإجراءات الاستثنائية” التي اتخذها قيس سعيّد في 25 جويلية 2021 إلى التنسيق مع “الرجل القوي” الجديد، وربما اعتبرت إنه الرجل المناسب للمرحلة القادمة فكثّفت الزيارات الودية والوعود الاقتصادية وخطابات “المساندة” لتونس التي تمرّ في مرحلة صعبة. توقيع مذكرة 16 جويلية 2023 يؤكد أنّ قراءة إيطاليا للوضع السياسي في تونس كانت موفقة في خدمة مصالحها.

نذكر هنا أنّ عدد المهاجرين التونسيين المقيمين بشكل قانوني في إيطاليا لا يتجاوز 120 ألفًا، وأنّ عدد التونسيين الذين وصلوا إلى سواحل إيطاليا لا يتجاوز 200 ألف شخص في أقصى تقدير، أغلبهم لا يبقى في إيطاليا ويواصل طريقه نحو فرنسا وبلدان أوروبية أخرى. بكل تأكيد هذه الأرقام لا تبرر الضغوط الإيطالية والأوروبية الرهيبة على تونس. يبدو أنّ الرهان أكبر: فلقد سبق أن طرحت إيطاليا، مسألة ترحيل المهاجرين غير النظاميين إلى البلدان التي انطلقوا منها وليس بلدانهم الأصلية، وبما أنّ تونس منصة رئيسية في حركة الهجرة غير النظامية فهي معنية بقوة بهذه الأماني الإيطالية التي قد تكون اليوم مؤجلة لكن من الوارد أن تطرح مجددا عندما يكون السياق ملائما.

الملف الطاقي

عندما نتحدث عن الدول والشركات الأجنبية المؤثرة في مجال المحروقات والطاقة عموما في تونس، فإنّ أول ما يتبادر إلى الذهن الشركات الفرنسية والبريطانية (التي أصبحت في واقع الأمر شركات متعددة الجنسيات) العملاقة مثل “توتال” و”بريتيش بتروليوم” و”بريتيش غاز” وغيرها. لكن هناك عملاق إيطالي منسي اسمه “إني” (ENI) كان إلى حدود سنة 2008 ضمن أكبر خمس شركات طاقية في العالم، ولا يزال، على الرغم من تراجع مكانته نسبيا في السنوات الأخيرة، من بين كبار القطاع برقم معاملات بلغ 132115 مليون يورو سنة 2022، وكذلك من خلال تواجده في أكثر من 60 دولة. بدأ عمل الشركة الاستكشافي والاستخراجي في تونس منذ 1961، وشرعت في تصدير البترول التونسي من “حقل البرمة” (ولاية تطاوين) إلى إيطاليا منذ سنة 1966 ثم تطور نشاطها في الخمسين عاما التالية ليشمل استكشاف واستغلال قرابة عشرة حقول بترولية وغازية برية وبحرية: وادي زار، آدم، المعمورة، البراكة، لعريش، دبش، مخروقة، الخ. ما بين سنتي 1977 و1983 أنجزت الشركة الإيطالية خط أنابيب الغاز العابر للمتوسط “ترانسماد Transmed” المخصص لنقل الغاز من جنوب الجزائر إلى صقلية الإيطالية مرورا بتونس (التي تحصل 5،25% من كمية الغاز المنقولة كإتاوة). تمت توسعة شبكة الأنابيب هذه مرتين، الأولى في 1994 والثانية في 2010 (لتصل طاقته القصوى إلى 7 مليار متر مكعب سنويا)، ومدد عقد الاستغلال في سنة 2019 لمدة عشر سنوات. يكتسي خط “ترانسماد ” أهمية حيوية لتونس، إذ توفر الجزائر حوالي ثلثي احتياجات البلاد من الغاز الطبيعي (إتاوة وشراءات)، وكذلك لإيطاليا إذ يجنّبها الاعتماد الكلي على الغاز الروسي، وهذا أمر في غاية الأهمية كما أظهرت ذلك الحرب الروسية-الأوكرانية. تسعى إيطاليا والجزائر إلى إقامة خط أناييب إضافي “غالسي” (Gazoduc Algérie – Sardaigne – Italie) يربط البلدين من دون المرور بتونس وينقل 8 مليار متر مكعب من الغاز سنويا، لكن المشروع لقي عدة عراقيل ولم يتم الشروع فيه بعد. في انتظار إنجاز الخطّ الجديد، تسعى إيطاليا إلى الاستفادة القصوى من خط “ترانسماد” إذ وقعت مع الجزائر اتفاقا في أفريل 2022 يقضي بضخ 9 مليار متر مكعب إضافية من الغاز على امتداد ثلاث سنوات، وطبعا ستستفيد تونس من هذا الضخ الإضافي. تعطش الإيطاليين للغاز ليس الهدف منه إشباع حاجيات السوق الإيطالية فقط، بل الهدف الأكبر هو أن تتحول إيطاليا إلى “ميناء” طاقي يزود أوروبا. حتى أنّ الأمر لم يعد يقتصر على الغاز الطبيعي. فمنذ سنة 2015 بدأت شركة “إني” في تونس تتوجه أكثر فأكثر نحو الطاقات المتجددة. وفي 2017 فازت رفقة “المؤسسة التونسية للأنشطة البترولية” بعقد إنجاز محطة توليد الكهرباء بالطاقة الشمسية (القرضاب، ولاية تطاوين) دخلت طور الإنتاج في ديسمبر 2022. يبدو أن القصة لن تنتهي قريبا.

التنسيق الأمني/ العسكري

قليلا ما يتمّ التطرق إلى هذا البعد في العلاقات التونسية- الإيطالية في الإعلام وفي الخطاب الرسمي للبلدين. وحتى عندما يتم الحديث عنه يقتصر الأمر على مسألة الهجرة غير النظامية. لكن من المؤكد أنّ هناك “تعاونا” و”تنسيقا” تختلف درجة أهميته بين سلطات البلدين في ثلاث قضايا على الأقل: الملف الليبي والإرهاب وشبكات الجريمة المنظمة (المافيا الإيطالية). في 3 ديسمبر 1991 تم توقيع “اتفاقية تعاون في الميدان العسكري بين الجمهورية التونسية والجمهورية الإيطالية”، وصادق عليها البرلمان التونسي بتاريخ 7 أفريل 1992 (القانون عدد 30 لسنة 1992) لكن تفاصيل الاتفاقية لم تنشر في الرائد الرسمي الذي اكتفى بالإشارة إلى المصادقة. بعدها بسنوات قليلة (1998)، تمّ إنشاء اللجنة العسكرية المشتركة التونسية الإيطالية التي تجتمع سنويا ويستضيفها البلدان بالتناوب، وهي المشرفة على التعاون بين البلديْن في المجال العسكري ودراسة المخاطر الأمنية المشتركة التي تهدّدهما. نشطت هذه اللجنة بشكل كبير بعد الثورة: تدريبات ونقل خبرات، مساعدات مالية، تنسيق في مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة. ولوحظ في السنوات الأخيرة القبض في مناسبات منفصلة على عدة عناصر من المافيا الإيطالية وعصابات الجريمة المنظمة عموما في تونس. كما حضر الملف الليبي في لقاءات كثيرة بين كبار المسؤولين الإيطاليين والتونسيين في فترة حكم الرئيس السابق الباجي قايد السبسي وحتى مع الرئيس الحالي قيس سعيّد. وكانت تونس من بين البلدان التي استدعيت للمشاركة في “مؤتمر بالرمو حول ليبيا” الذي نظمته الحكومة الإيطالية في نوفمبر 2018، في حين همّشتها الحكومة الألمانية ولم تقدم لها استدعاء رسميا لحضور “مؤتمر برلين الدولي حول ليبيا” الذي انعقد في جانفي 2020. والملاحظ أنّ الملف الليبي كان حاضرا في جلّ اجتماعات اللجنة العسكرية المشتركة خلال السنوات الأخيرة.

“المجال الحيوي”

عندما زار “ماتيو سالفيني” وزير الداخلية الإيطالي السابق تونس في سبتمبر 2018 استقبله وزير الداخلية التونسي آنذاك وعقد معه ندوة صحفية. في الخلفية كانت تظهر لوحة جدارية تخلد ذكرى عبور القائد القرطاجي حنبعل جبال الألب زاحفا نحو روما. كانت “فركة أذن” صغيرة من التونسيين للوزير الإيطالي المعروف بمعاداته للمهاجرين وعنصريته ضد العرب والأفارقة وتذكيرا له بتاريخ قرطاج/ تونس. العلاقة بين الطرفين قديمة جدا وتخلّلتها غزوات وحروب دينية وقرصنة بحرية وتحالفات وأدفاق هجرية من الجهتين، وإذا ما كانت العلاقة إلى حدود القرن الثامن عشر متوازنة بين لحظات الغلبة والهزيمة، فإن تونس أصبحت منذ أواسط القرن التاسع عشر دولة خاضعة للهيمنة الأوروبية تحت أشكال ومسميات عدة. في تلك الفترة، توحّدت إيطاليا وتزايدت قوتها حتى أصبحت في القرن العشرين إحدى أغنى دول العالم وأكثرها نفوذا. منذ ستينيات القرن 19 سعى الإيطاليون إلى لعب أدوار متقدمة في تونس وكانوا يعتبرون أنّ تحويلها إلى مستعمرة إيطالية مسألة وقت فقط، إلى أن “غدر” بهم الفرنسيون واحتلوا تونس سنة 1881 بعد أن فقدت سيادتها فعليا سنة 1869 إثر تنصيب “كوميسيون مالي” أوروبي (فرنسا وإيطاليا وإنجلترا) يتحكم في السياسة المالية للمملكة التونسيّة حتى تستطيع سداد ديونها تجاه الأوروبيين. وعلى الرغم من استعمار فرنسا لتونس، شكّل الإيطاليون الجنسية الأوروبية الأكثر حضورا في البلاد طيلة فترة الاستعمار (1881 – 1956). وبعد استقلال تونس عن فرنسا، سعت إيطاليا إلى تثبيت أقدامها في الدولة الجديدة وبنت فيها ومعها شبكة مصالح لا تريد أن تخسرها. وهذا ما يفسر مثلا تنسيق الحكومة الإيطالية في عهد “بتينو كراكسي” مع دول مغاربية وغربية للتدخل في تونس في فترة 1986 – 1987 والإشراف على تغيير النظام بعدما تأزمت أوضاع البلاد بشكل خطير خلال السنوات الأخيرة من حكم الحبيب بورقيبة. التعامل مع تونس كجزء من المجال الحيوي والأمن القومي الإيطاليين هو أيضا الدافع الذي جعل جيورجيا ميلوني تتجول بالملف التونسي بين عدة دول عربية (الجزائر، الإمارات) وغربية داعية إلى “إنقاذ تونس من الانهيار” ودعمها اقتصاديا.

لئن كان التواجد الإيطالي في تونس أكثر نعومة وأقلّ صخبا من قوى أخرى مثل فرنسا على سبيل المثال، فإنّه يبقى ناجعًا بشكل كبير في ضمان مصالح شبه الجزيرة، ومرشّحا للتطور بشكل كبير خلال السنوات القادمة. قد تنفتح شهية الايطاليين أكثر من اللازم. فهل ستكون شراكة ندية بين البلدين أم علاقة سامة أخرى تقوم على الهيمنة والخضوع؟ هل ستستغلّ سلطة “25 جويلية” ملف الهجرة و”التنسيق” الأمني كورقة تفاوض مع الأوروبيين فيما يخص أوضاع الحريات والحقوق المدنية والسياسية في تونس؟ وماذا عن الفرنسيين، هل سيبقون مكتوفي الأيدي خاصّة مع تآكل النفوذ الفرنسي في عدة مناطق من أفريقيا؟ في كل الأحوال، تبقى إيطاليا الضلع الثالث في مثلث أجوار تونس (رفقة ليبيا والجزائر) الذين لا يمكن أبدا تجاهلهم.

انشر المقال

متوفر من خلال:

مقالات ، تونس ، اقتصاد وصناعة وزراعة ، أوروبا ، أجهزة أمنية ، لجوء وهجرة واتجار بالبشر



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية