إنهاء إلحاق القضاة بالحكومة ورئاسة الجمهورية في تونس


2021-06-10    |   

إنهاء إلحاق القضاة بالحكومة ورئاسة الجمهورية في تونس

مساء يوم 08-06-2021، أعلن مجلس القضاء العدلي أنه “أصدر قرارات فردية بإنهاء إلحاق السادة القضاة العدليين الشاغلين لمناصب برئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة والوزارات والهيئات التي لا يفرض القانون وجوبية وجود قاض عدلي ضمن تركيبتها”، انسجاما مع دوره في ضمان حسن سير القضاء واحترام استقلاله. وقد برّر المجلس قراراته هذه بضرورة المحافظة “على سمعة القضاء والقضاة وكرامتهم والنأي بهم عن حملات التّشكيك والتّشويه ومحاولة الزجّ بهم في الصّراعات السياسيّة”. 

يرِدُ هذا القرار في مناخٍ عامّ تميّز بحضور مكثّف لقضاة يتقلَّدون مسؤوليّات سياسيّة في حديث الأزمة التي تعرفها تونس وفي محطات الصّراع فيها بين الحكومة والسلطة التشريعية من جهة ورئيس الجمهورية من جهة أخرى. وعليه، جاء هذا التوجّه للمجلس بمثابة ردّ على ما ظهر من أثر لظاهرة إلحاق القضاة في المناصب السياسية على تصوّر الرأي العام للقضاة والقضاء عموما. ورغم أهمية هذا التوجّه، من المؤكّد أنّ المعنيين به سيطعنون فيما ترتب عليه من قرارات فردية بُنيت عليه وتخصّهم أمام القضاء الإداري والذي ينتظر أن ينزع عن انتفاضة المجلس كل أثر عملي لها.

مجلس القضاء العدلي: هذا ردّي على استعمال القضاة في صراع رأسيْ السلطة

بتاريخ 07-06-2021، قرّر رئيس الحكومة التونسية هشام المشيشي إنهاء تكليف القاضي عماد بو خريص برئاسة الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد وتعيين القاضي عماد الطالب علي خلفا له. مساء ذات اليوم، استقبل رئيس الجمهورية قيس سعيد بو خريص ليتحدّث في محضره عن الأسباب الحقيقية لقرار الإقالة تمثلت في بحثه في ملفات فساد تتعلق بشخصيات نافذة وليقدح تلميحا فيمن يراد له أن يكون خلفا له. 

في ذات السياق، وفيما بدا تتمّة للمشهد الرسمي الذي كان وسط صورته قاضيان يُستعملان في حرب رأسيْ السلطة التنفيذية، تتالتْ التسريبات والمواقف التي يدّعي كل منها كشفه لحقيقة قراريْ الإقالة والتعيين من خلال الحديث عن القاضييْن ونسبة أدوار لكل منهما في خدمة الشق الذي يحسب سياسيا عليه.

يبدو هنا أن قرار مجلس القضاء العدلي بغلْق باب إلحاق القضاة العدليين في المناصب السياسية جاء جواباً على الاستخدام السلبي لصورة القضاة وأشخاصهم في الصراعات السياسية والذي أدى للمسّ باعتبارهم الشخصي وببُعْد القضاء المفترض عن المشاحنات السياسية.

غلْق باب الإلحاق: “البتر” منعا لتفاقم الضرر

بإمكان القضاة وفق القانون الأساسي للمجلس الأعلى للقضاء طلب إلحاقهم خارج القضاء، علما أنه أنيط بالمجالس القطاعية للقضاء صلاحية البتّ في هذه المطالب. وكان مجلس القضاء العدلي أصدر في ولايته السابقة عديد قرارات الإلحاق كُلّف قضاة بموجبها بخطط توصف بالسياسية رغم ما كان من انتقادات لتضخّم حضور القضاة في المشهد السياسيّ ولتحوّل بعض الحكومات لحكومات قضاة بفعل أهميّة عددهم في تركيبتها. وبذلك، يكون موقفه الجديد ارتداداً عما سبق منه من جريان عمل ومراجعة جذريّة له.

ويبدو التوجُّه الجديد للمجلس اعترافاً غير مسبوق من المؤسّسة المكلّفة دستوريّا بحماية استقلاليّة القضاء بالأثر السلبيّ لدخول القضاة إلى عالم السياسة ولاستغلال السياسيين له لتعزيز تدخلهم في القضاء. 

موقف المحكمة الإدارية: محطة محددة

يُخضع القانون قرارات مجالس القضاء المتعلقة بالمسار المهني للقضاة لرقابة القضاء الإداري الذي ينتصب للنّظر في مشروعيتها كمقررات إدارية تمسّ بالوضع القانوني والإداري للمعنيين بها. ويُنتظر بالتالي أن يطعن القضاة العدليون المُلحقون حاليا في خطط سياسية وبهيئات مستقلة لما فيها من مسّ بحقوقهم.

ومن المرجّح أن تنتهي المحكمة الإدارية إلى إلغاء تلك المقررات لما فيها من حجب لحقّ دستوري وقانوني للقضاة لكونها لم تؤسس على اعتبارات موضوعية تتعلق بمباشرة من شملتهم. ويكون بالتالي من شبه المؤكد أن “انتفاضة مجلس القضاء العدلي” ستنتهي لتكون موقفا مبدئيا مُهما من إشكالية قائمة يصعب إيجاد حل لها ما لم يتطور النقاش حولها. 

وهنا ينتظر من مجلس القضاء أن يتجاوز مرحلة ردود الفعل على إيجابيتها ليصل لبناء التصورات وصياغة التنظيمات الضرورية. وهذا يكون مشروع القانون الأساسي للقضاء ساحته التي ما يزال المجلس مُقصّرا في فتح ورشتها حتّى الآن.

انشر المقال

متوفر من خلال:

استقلال القضاء ، تشريعات وقوانين ، تونس ، سلطات إدارية ، قضاء ، محاكم إدارية