إنذارات إخلاء في الشمال والسكان يرفضون المغادرة: إلى أين نذهب؟


2023-03-13    |   

إنذارات إخلاء في الشمال والسكان يرفضون المغادرة: إلى أين نذهب؟
البناء المتصدع في بخعون الذي صدر إنذار بإخلائه

كما أعاد زلزال 6 شباط تذكيرنا بأنّنا نعيش في منطقة زلزالية نشطة وبأنّ نسبة كبيرة من مبانينا قديمة أو مخالفة لمعايير السلامة العامة والخاصة أو عشوائيات وبالتالي فبعضها معرّضة للسقوط عند أي زلزال قوي، وكما أضاء الزلزال على ضرورة إجراء مسح لتحديد أوضاع الأبنية من حيث السلامة والالتزام بمعايير البناء ومدى مقاومتها للزلازل، فإنّه أضاء أيضًا على حقيقة لم تعد غافلة على أحد: ليس جميع الناس قادرين على مغادرة بيوتهم إذا تبيّن أنّها خطرة لأنّ لا بديل لديهم ولا بديل مستدام توفّره لهم السلطات، ولا حلول رسمية أيضًا لهذه المباني.

ففي منطقة الشمال، صدرت إنذارات عدّة لأبنية بضرورة إخلائها كونها غير صالحة للسكن، من طرابلس وتحديدًا في منطقة الزاهرية حيث طلبت البلدية من سكان مبنى “جعارة وإيعالي” إخلاءه لأنه غير صالح للسكن، مرورًا بدير عمار حيث وجهت البلدية إنذارات إخلاء لثلاث أبنية سكنية وصولًا إلى بلدة بخعون، فقد طلبت البلدية إخلاء ثلاثة مبان سكنية ومدرسة رسمية.

تشكّل هذه الأبنية نموذجًا عن الصراع الذي يعيشه المواطنون الذين “لا يمكنهم البقاء تحت سقوف بناء معرّض للسقوط في أي لحظة، ولا يمكنهم المغادرة بسبب عدم وجود بديل” تقول إحدى ساكنات مبنى “جعارة وإيعالي”. فقد أبلغت بلدية طرابلس عبر شرطتها والدائرة الهندسيّة فيها والتي كشف وفد منها على المبنى، سكان المبنى الطرابلس بضرورة إخلائه فورًا، لأنّ البقاء فيه يشكّل خطرًا عليهم نظرًا إلى أساساته المتهالكة. وردّ السكان بالمطالبة بتدعيم عاجل للأساسات بدلًا من بدل الإيواء الذي قررته الحكومة وعبّروا عن خشيتهم من أن يكون الإخلاء مدخلًا لتهجيرهم، ونسيان قضيتهم بعد حين. وطرحوا الكثير من الأسئلة المشروعة منها: “هل سيؤدي إخلاء المنزل إلى خسارة ملكيتنا له؟”، و”هل خروجنا سيترافق مع عملية جدية لتدعيم الأساس؟”، ومن ثم “هل سنعود يوماً إلى منازلنا أم سنهجرها إلى الأبد؟” وأخيرًا ماذا نفعل حين تنتهي مدة الأشهر الثلاثة التي قررت الحكومة إعطاء بدل إيواء عنها لكل وحدة سكنية مصنّفة غير صالحة للسكن؟ علمًا أنّ أيّا من السكان لم يتقاض أي بدل حتى الآن.  

مبنى الزاهرية والخطر على السلامة العامّة

يقع مبنى جعارة وإيعالي في منطقة بساتين طرابلس العقارية، ويعود تاريخ بنائه إلى 1985، وهو يتألف من 28 شقة، موزّعة على 10 طبقات. يحيط بالمبنى عدد كبير من المؤسسات التجارية، وكذلك مدرسة جبران خليل جبران، كما أنّه محاط بالأبنية من كافة الجوانب.

يتوزّع السكان بين مالكين ومستأجرين من جنسيات مختلفة. ويتشاركون مشاعر القلق من مصير المبنى، الذي “بدأ يتمايل فجر 6 شباط تاريخ زلزال تركيا وسوريا” حسب السكان. شكلت تلك الليلة نقطة تحوّل في حياة السكان، فقد تنبّهوا إلى حقيقة أخفتها ظلمة الملجأ والموقف في الطابق الثاني السفلي- تحت الأرض، وهي التصدّعات في أساسات المبنى وأعمدته.

زارت “المفكرة القانونية” البناء، وبرفقة أبو بلال (مالك لشقة في الطابق الثامن) وعلى ضوء هواتفنا، توجّهنا إلى الموقف والملجأ الذي يبدو أنه مهجور منذ سنوات وحيث تنعدم التهوئة وحيث تطغى رائحة العفن. وكانت الأرض موحلة نتيجة تسرّب المياه التي بدت واضحة على الجدران، وتجمّعت في أسفل البناء وهو ما أثار الذعر بين السكان الذين توقعوا أن يكون أدّى إلى إضعاف الأعمدة والأساس. لذلك، استعانوا بخبرة أحد المهندسين الذي نصحهم بإخلاء المبنى على الفور، وقد تكرّر التحذير من قبل فريق مهندسي البلدية، حسب الحاج أبو بلال.

استجاب عدد من السكان لطلب الإخلاء، إلّا أنّ عددًا منهم بقي في منزله. من بين هؤلاء سيدة ثمانينية بقيت في منزلها بسبب وضعها الصحي وعدم قدرتها على الخروج ونزول السلالم. كما بقيت عائلة أحد العسكريين (ممنوع عليه التصريح) في الشقة التي تملكها في المبنى، بعد أن غادرت إلى منزل أحد الأقارب قبل أن يعود الأبناء لأنهم كانوا بحاجة إلى قسط من النوم. وتسأل العائلة “كيف لعسكري أن يستأجر أو يؤمّن مأوى بديلًا، وأجره لا يكفي لإطعام أبنائه؟”، فهذا البيت يشكل لهم “جنى عمرهم، ولا يمكنهم التنازل عنه بشحطة قلم”. ويقدّم هؤلاء حججهم، “لا يوجد منازل للإيجار، وفي حال تأمّن المنزل فالدفع بالدولار الفريش، فكيف لعائلة لا يتجاوز دخلها 150 دولارًا استئجار شقة حاليًا وأن يؤمن الطعام والشراب والتعليم؟”.

ولكن حتى من استجابوا لطلب الإخلاء عبّروا عن نيّتهم العودة. يقول أبو بلال وهو من السكان الذين غادروا منازلهم: “لا يملك بعض سكان البناء قيمة اشتراك المولّد، فكيف لهم الخروج من المنزل والبحث عن منزل بديل لاستئجاره؟”، مضيفاً “أنا من المالكين الذين أخلوا المنزل، حيث غادرنا أنا وزوجتي للسكن مؤقتًا لدى أحد أبنائنا، ولكن لا يمكن أن يستمر ذلك إلى الأبد”. وتعلّق أم داوود بدورها “خرجت من المنزل إلى بيت شقيقتي برفقة أبنائي، ولكن لا يمكننا البقاء مشرّدين. لذلك سنعود إلى المنزل رغم المخاطر المحيطة بنا”.

جولة داخل مبنى جعارة وإيعالي المهدد بالسقوط

نريد تدعيمًا لا بدل إيواء

نرافق السيدة رقية مسرّة إلى الشقة الواقعة في الطبقة الخامسة التي تقطنها مع شقيقتين لها. نلاحظ أنّ المصعد معطّل وأصابه التعب، وكذلك حال الدرج. أما داخل الشقق، فهي في حال أفضل من أساس البناء، بالرغم من بعض الشقوق البسيطة التي نجمت كما تقول عن الهزات المتتابعة منذ 6 شباط. تؤكد السيدة رقية أنّ العائلة لا تملك أحدًا لإعالتها ومساعدتها، أو حتى الذهاب للمبيت لديه، وهي تعيش “مستورة” بفضل عمل إحدى بناتها. لذلك “لا بد من مبادرة الدولة لتدعيم البناء من أجل عودة السكان وبقاء الآخرين فيه من دون خطر”، مؤكدةً أنّها “باقية” في المنزل، ولا تعبأ للمخاطر لأنّها أهون الشرور أي أهون من البقاء في الشارع”.

تقودنا رقية إلى الشرفة، لتلفت نظرنا إلى الشقوق التي أصابت بعض الجدران بعد الهزة الأرضية، كما تنبّه إلى أنّ “الخطر لا يتوقف على سكان البناء، وإنما على المباني المحيطة والمدرسة، لأنها من أعلى الأبنية في المنطقة وأضخمها”. كما تقودنا إلى شرفة أخرى، لتلفت النظر إلى قيام أحد الأشخاص بمحاولة حفر أساسات لإقامة بناء في قطعة أرض ضيقة، في عقار ملاصق للمبنى، ولكن تم إيقافه عن العمل بسبب الأعمال المخالفة. وتعتقد أنّه “كان لأنشطة الحفر تلك تأثير سلبي على أسس كافة المباني المجاورة، وليس مبنى جعارة وإيعالي حصراً”.  

من جهتها، تؤكد السيدة جميلة أنّها من أولى العائلات التي سكنت المبنى، وتقسم أنّه “ليس لديها القدرة على إصلاح نظاراتها المكسورة، فكيف لها بتأمين مسكن بديل”، وتتحدث بحرقة عن حال كبار السن في البلاد، وكذلك من لا تأتيهم دولارات المغتربين، أو من ليس لديها معيل يتقاضى بالدولار. لذلك، على الدولة أن تتحرّك بصورة حاسمة لمساعدة السكان، وإعادتهم إلى منازلهم، حسب جميلة، معبّرة عن تمسّك السكان المالكين بالبقاء في المبنى، وكذلك من خرج على أمل تأمين مكان بديل له. وتشير جميلة إلى أنّ “الدولة لا تعبأ لمصير الفقراء، ولن تأسف عليهم حتى وإن ماتوا تحت الأنقاض”، مضيفةً “غداً تسقط الأبنية المتصدّعة، يأتي الإعلام والمسؤولون، يثيرون المشكلة مؤقتًا، ولكن سرعان ما يتم نسيان الضحايا بعد دفنهم”.

نهار الجمعة 3 آذار، نفذ الأهالي اعتصامً وأقفلوا الطريق المؤدي إلى الزاهرية من أجل رفع الصوت ولفت الانتباه إلى قضيتهم. يتكرّر على لسان سكان البناء مطلب وحيد وهو رفضهم بدل الإيواء من الدولة وطالبوها بأن تستعيض عنه بتدعيم البناء. يقول أبو بلال “لنفترض أنّهم سيعطونا كما يشاع 30 مليون ليرة لبنانية، ماذا يمكننا أن نفعل بها؟ هل يمكن للأهالي التخلّي عن مسكن حياتهم لقاء هذا المبلغ الذي لا يكفي لاستئجار شقة صغيرة في الضواحي لمدة شهرين؟”، متحدثاً عن “مستقبل مجهول” لسكان البناء والأبنية المشابهة في ظل عدم التدخل الفعال للدولة.

وكان مجلس الوزراء وافق في جلسته المنعقدة في تاريخ 27 شباط 2023، على تأمين سلفة بقيمة 100 مليار ليرة لبنانية كبدل إيواء للوحدات التي توصي لجان الكشف بإخلائها، على أن يحدّد بدل الإيواء بقيمة 30 مليون ليرة لبنانية عن مدة ثلاثة أشهر، لكلّ وحدة سكنية مأهولة ومتضرّرة ومصنّفة غير صالحة للسكن.

في موازاة أزمة مبنى جعارة وإيعالي، انطلقت مبادرة “قلبنا على طرابلس” للكشف على الأبنية في مدينة طرابلس انطلاقاً من منطقة الزاهرية. ويكشف المهندس حازم عيش (أحد منظمي الحملة) عبر “المفكرة” عن مشاركة 300 متطوّع من مهندسين، ومرمّمين، وطلاب في عملية المسح، موزعين على 32 فرقة. حيث تتولّى كل فرقة الكشف على أبنية حي من الأحياء، وفي أعقاب الانتهاء من كل منطقة، تنتقل الفرق إلى معاينة منطقة أخرى من مناطق طرابلس. ويلفت عيش إلى أنّه “جاء اختيار الزاهرية كنقطة انطلاق للحملة لأنّها تتضمن نسيج عمراني متنوع، الذي يتوزّع بين الأبنية الأثرية، والتراثية، والحديثة”، مشيراً إلى أنّ الحملة جاءت نتيجة التعاون بين بلدية طرابلس، نقابة المهندسين، دائرة الأقاف، جمعية لايزر، وجمعية الإرشاد الخيرية. لا يعطي عيش سقفاً زمنياً لانتهاء المسح، ولكنه يتوقع أن تقدّم صورة واضحة لواقع الأبنية المتصدعة في طرابلس وكيفية توزّعها، والإجراءات الواجب تطبيقها.   

قمر الدين: الإيواء ليس الحلّ

أكد رئيس بلدية طرابلس أحمد قمر الدين أنّ إخلاء مبنى جعارة وإيعالي جاء بعد التأكد من وضعه الخطر، مشيرًا إلى أنّ “رئاسة الحكومة تواصلت معه، ووعدت بتقديم مساعدات كبدل إيواء عبر الهيئة العليا للإغاثة، ولكن لم تصل بعد أي مبالغ لتقديمها للناس”. ولفت قمر الدين “أبلغتهم بأنّ الحل ليس ببدل الإيواء الذي يمكن أن ينتهي بعد ثلاثة أشهر، وعندها سيصبح الناس في الشارع بلا مأوى، لذلك لا بد من خطة لتدعيم عاجل للأبنية المتصدعة، إما على حساب المالكين أو من يمكنه المساعدة من الجهات المانحة”. وجزم أنّ “البلدية على غرار باقي بلديات لبنان في حالة مالية سيئة وليس لديها الاعتمادات لترميم تلك الأبنية”. كما أشار إلى أنّ عملية المسح التي بدأت من الزاهرية، تحتاج إلى بعض الوقت لأنّ المدينة كبيرة، و”لكن في النهاية سيكون لدينا صورة واضحة عن وضع الأبنية وأعدادها”.

بناء متصدّع في بخعون صدر إنذار بإخلائه

٤ مبان خطرة في بخعون بينها مدرسة وثلاثة في دير عمار

أما في بلدة بخعون، فقد طلبت البلدية إخلاء ٤ مبان، هي ثلاثة مبان سكنية، ومدرسة رسمية. ويكشف رئيس بلدية بخعون محمد يوسف “أخلي مبنى محمود حسين شاكر من قبل القوى الأمنية”، فيما ترفض ١٥ عائلة متبقية في مبنى “أبو عمر جمّال” المؤلّف من 11 طبقة، الإخلاء بسبب عدم وجود مبنى بديل”. وتكرّر الأمر في بناية “الحاج شاكر” حيث لم تخرج العائلات الخمسة التي تشكل سكان البناء لعدم وجود أماكن تأويهم. كما يلفت يوسف إلى أنّ “هناك أوامر بعد العودة للتعليم في مدرسة البنات الرسمية قبل إجراء عملية الترميم الضرورية، والتي لم تبدأ بعد”، مشيرًا إلى أنّه تمّ إبلاغ القوى الأمنية والقائمقامية، والنائب جهاد الصمد وكذلك المنطقة التربوية فيما يتعلق بالمدرسة، لمحاولة البحث عن مخرج لتجنيب البلدة المخاطر على السلامة العامة.

ويؤكد يوسف: “الوضع مخيف ولكن لم يبادر أحد لتحمّل المسؤولية حتى اللحظة وإيجاد الحل”. 

أما في مبنى أبو عمر جمال الذي يطل على وادي سحيق في الضنية، تقول إحدى مالكات الشقق إنّها “لم تخلِ المنزل الذي تملكه، ولكن الخوف الذي أثاره الجيران وإصرار الأبناء، دفعها إلى الإقامة مؤقتًا لدى ابنتها في طرابلس بعد مغادرة الشقة بصورة مؤقتة”. وتأسف لحال السكان “حرام الناس تشرّدت من منازلها، وهم يبيتون بصورة مؤقتة لدى أقاربهم، ولكن إلى متى؟”. وتعبّر عن عزمها العودة إلى المنزل في حال طالت الأزمة، لأن فيه كل ما تملك.

وفي دير عمار، وجهت البلدية إنذارات إخلاء لثلاث أبنية سكنية حسب رئيس البلدية خالد الدهيبي الذي يقول إنّ حالة الأبنية سيئة في الأصل وسابقة على الهزة الأرضية في ٦ شباط، حيث كانت تشهد بين الفينة والأخرى سقوط بعض القطع الباطونية منها بسبب ضعف جودة البناء. ويكشف أنّ السكان لم يلتزموا بمناشدات البلدية التي ليس لديها القدرة على تأمين مأوى بديل. ويلفت إلى أنّ “البلدية قامت بواجبها، وعيّنت مهندسًا للكشف على الأبنية، وحددت المتصدّع منها، وأبلغت الأهالي”. ويضيف: “لا يمكننا إجبار الناس على الخروج من منازلها، وقد أبلغنا القوى الأمنية للطلب منهم ذلك”.

انشر المقال

متوفر من خلال:

تحقيقات ، الحق في الحياة ، لبنان ، مقالات ، لا مساواة وتمييز وتهميش ، بيئة وتنظيم مدني وسكن



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية