إلى التكليفات دُر: شورى الدولة يُمأسس تضارب المصالح مجدداً

،
2021-05-20    |   

إلى التكليفات دُر: شورى الدولة يُمأسس تضارب المصالح مجدداً
رسم رائد شرف

بتاريخ 10/5/2021، أصدر رئيس مجلس شورى الدولة فادي الياس تعميمًا فتح فيه مجددًا الباب أمام قضاة مجلس شورى الدولة للاشتراك في أعمال لدى الوزارات والمؤسسات والإدارات العامة والبلديات. صدر هذا التعميم بعد جلسة لمكتب المجلس الذي يضمّ بشكل خاص رؤساء غرف المجلس والمعينين كلهم من السلطة التنفيذية. وبذلك، يكون مكتب المجلس قد رجع عمليا عن قراره السابق بتجميد تكليف قضاة مجلس شورى الدولة بمهام مشابهة والصادر بتاريخ 12 تشرين الثاني 2020.

وسبق للمفكرة أن فصّلت في عددها الخاص بوضعية القضاء الإداري مساوئ تكليف القضاة الإداريين في أعمال كهذه والحاصل على أساس المادة 15 من نظام مجلس شورى الدولة وأوجزْتها بثمانية: 1) أنه يمسّ بمبدأ الفصل بين السلطات، 2) أنه يمسّ بمبدأ استقلالية القضاة ويشكل حالة تضارب مصالح فاقعة، 3) أنه يشرّع الإجراءات التمييزية بين القضاة خلافاً لمبدأ المساواة فيما بينهم، 4) أنه يعزز من السلطة الهرمية لرئيس المجلس، 5) أنه يؤثر على الثقة العامة بمجلس شورى الدولة، 6) أنه يؤثر على ضمانات المحاكمة العادلة، 7) أنه يؤثر على فاعلية عمل المحاكم وبخاصة في ظل الشغور الحالي، 8) أنه يبقى غير مبرر. وقد لحق نشر العدد الخاص إنجاز مسودة اقتراح قانون حول استقلالية القضاء الإداري وشفافيته تضمن صراحة حظر التكليف بأعمال لصالح إدارة عامة، وهو الاقتراح الذي عاد وقدمه النائب أسامة سعد للمجلس النيابي.

وعليه، تشكّل إعادة السماح بالتكليفات خطوة إلى الوراء على صعيد استقلالية القضاء الإداري وأدائه. وتبيانا لخطورة هذه الخطوة، سنعود للتذكير بالظروف التي أحاطت بقرار تجميد التكليفات وفحواه قبلما نتناول قرار الرجوع عنه ومحدودية الضوابط الواردة فيه.

ظروف تجميد العمل بالتكليفات

لم يأتِ قرار تجميد العمل بالتكليفات بمبادرة من مكتب المجلس ورئيسه، بل جاء تبعا لتداول إعلامي غير مسبوق في هذا الشأن. فاتحةُ هذا النقاش تمثّلت بإطلالة وزير التربية طارق المجذوب على تلفزيون الجديد ضمن برنامج “يسقط حكم الفاسد” في 2/9/2020. ففي سياق هذا البرنامج، فاجأ المجذوب الرأي العام بالكشف عن مخالفات جسيمة داخل وزارته ومن بينها عقود استشاريّة مع قضاة في مجلس شورى الدولة، وهي عقود تستمر منذ سنوات.

وقد سارعت المفكرة القانونية إلى تأطير هذا النقاش مستعينةٌ بأعمالها السابقة حول خطورة التكليف، وأهمها عددها الخاص المشار إليه أعلاه. ونبّهت بتاريخ 6 تشرين الأول 2020 إلى أن ما كشف عنه المجذوب يشكل دليلا حاسما على أن بعض قضاة مجلس شورى الدولة يستمرّون في تقاضي بدلات عن تكليفاتهم (تصل إلى خمسة آلاف د.أ شهريا) وتتجاوز بكثير الحدّ الأقصى الذي يسمح به قانون الموازنة العامة لسنة 2019 والذي حدده ب 3 مرات الحد الأدنى للأجور أي ما يعادل مليونين وخمسة وعشرين ألف ليرة لبنانية (مادة 72 من القانون). وعليه، طالبت “المفكرة” بفتح تحقيق فوري من قبل كل من رئاسة مجلس شورى الدولة وهيئة التفتيش القضائي وديوان المحاسبة حول مدى التزام الإدارات العامة بالحدّ الأقصى الذي حدّده قانون الموازنة العامة 2019 والحيل المستخدمة لتجاوزه. وقد اعتبرتْ فضلا عن ذلك “أنّ فتح ملف تكليفات القضاة هو بمثابة فتح علبة باندورا في مجلس شورى الدولة، طالما أن الكشف عنها يؤدّي عمليا إلى إماطة اللثام عن العلاقات المشبوهة جدا بين الإدارة (وعمليا القوى السياسية التي تهيمن عليها) والعديد من قضاة مجلس شورى الدولة”.

كما يلحظ أن هذا التعميم صدر بعد يوم واحد من تزويد رئيس مجلس شورى الدولة “المفكرة” بالمعلومات التي سبق وأن طلبتها حول جميع قرارات تكليف قضاة المجلس منذ تعيين رئيسه الجديد في أيلول 2019. وكان المجلس استجاب لهذا الطلب بشكل مجتزأ بحيث أعطى المعلومات المطلوبة بشأن المستشارين والمستشارين المعاونين من دون أن تشمل رؤساء الغرف، الذين يرشح تكليفهم عن مخاطر أكبر بفعل تحكمهم بوجهة القرارات الصادرة عن هذه الغرف.

قرار التجميد لم يكن شاملا

على أهمية قرار تجميد التكليفات (والذي اعتبرته “المفكرة” خطوة إيجابية)، إلّا أنّه جاء منقوصًا بحيث استثنى القضاة المكلّفين لدى رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة من التجميد دون أي تبرير أو أسباب مقنعة، ولا سيما أنّ تناقض المصالح الناتج عن التكليفات يبلغ أوجّه عند العمل في هاتين الإدارتين بالنظر إلى نفوذهما السياسي. كما حدّد القرار تاريخ بدء سريانه ابتداء من أول العام 2021، مما ترك الباب مفتوحا لمزيد من التكليفات خلال الشهرين الأخيرين من السنة المنصرمة. وهو أمر لم يتسنّ لنا التحقق من حدوثه بعد.

أكثر من ذلك، فإنّ تجميد التكليفات نصّ على مراعاة مدة السنة لانتهاء كل تكليف على حدة، أي أنّه أبقى على التكليفات لدى الإدارات حتى انتهاء مدّتها أو حتى انتهاء سنة من بدء العمل بها. وبذلك، يرجّح أن القسم الأكبر من القضاة المكلفين استمرّ في التكليفات ولم يشملهم قرار التجميد.

إعادة العمل بالتكليفات باب جديد لتضارب المصالح

إذًا، وفي حين كان ينتظر أن يتّجه مجلس شورى الدولة إلى إلغاء العمل بالتكليفات نهائيا، ذهب قراره الجديد بالرجوع عن التجميد في اتجاه معاكس تماما. وإذ حاول رئيس المجلس التخفيف من خطورة هذه الخطوة من خلال وضع معايير لإجراء التكليفات (تأدية العمل في مكاتب المجلس، وعدم تأثير التكليف على إنتاجية المكلّف، وعدم التكليف لأكثر من وزارة أو إدارة عامة واحدة، وعدم نظر المستشار المكلّف في الملفات القضائية العائدة للوزارة أو الإدارة المنتدب لديها)، إلا أنّ هذه المعايير أتت لتقدّم معالجات محدودة مجتزأة كالحفاظ على الإنتاجية والحفاظ على الظاهر من خلال تجنب انتقال القاضي إلى مكاتب الإدارة، مقابل تجاهل القسم الأكبر من المخاطر الناجمة عنها.

ولعل أكبر العيوب التي تجاهلتها هذه المعايير هي الآتية:

  • أنها لا تحظر صراحة الممارسة الخطيرة والمتمثلة بالتكليف على التكليف وقوامها أن يُكلّف قاضٍ إداري للعمل في إدارة عامة بموجب قرار من رئيس المجلس، فتعود هذه الإدارة وتكلفه بمهام إضافية في لجان منشأة منها أو داخلها وببدلات إضافية، ومن دون العودة إلى رئيس المجلس. والتكليف على التكليف يحصل ضمن الإدارة أو الوزارة نفسها دون الحاجة إلى أن يكون مكلّفًا في أكثر من إدارة أو الانتقال إلى مكاتبها، وهو أكثر ما يمكن أن يؤثر في إنتاجية القاضي المكلّف. وهذا ما كشفه الوزير المجذوب في حواراته التلفزيونية المشار إليها أعلاه،
  • أنّ ضبط إنتاجية المكلّف يبقى أمرا مبهما في ظل غياب نظام تقييم لأداء قضاة المجلس،
  • أنّ المعايير الموضوعة لم تتطرّق قط للبدلات التي قد يتقاضاها القاضي المكلّف من الإدارة التي كلّف للعمل لديها تأكيدا على احترام قانون الموازنة العامة لسنة 2019، كما لم يضع أي آلية منعا لأي تجاوز في هذا الإطار،
  • أن الضابط الوحيد لتضارب المصالح تمثل في امتناع المستشار المكلف من النظر في الملفات القضائية للإدارة التي كلّف للعمل فيها. وهذا الضابط يبقى غير كافٍ لأسباب عدة أبرزها الآتية: (1) أنه اقتصر على المستشارين من دون رؤساء الغرف، في حين أن نظر الرؤساء في هذه الملفات يبقى أكثر خطورة. ونكتفي إثباتا لذلك بالإحالة إلى ما كانت “المفكرة” فصّلته سابقًا حول كيفية تحكّم رؤساء الغرف في مصير المراجعات العالقة أمامها، و(2) أنّ الإدارات العامة تتوزع عموما في لبنان على عدد من القوى السياسية بفعل نظام المحاصصة، بحيث يولّد عموما أي تكليف لقاضٍ في إحدى الإدارات العامة روابط وتضارب مصالح ليس فقط مع هذه الإدارة أو القوة السياسية التي تهيمن عليها بل أيضا مع مجمل الإدارات التي تهيمن عليها هذه الأخيرة. وعليه، نكون أمام حالات تضارب مصالح أوسع بكثير من الحالات التي سعى التعميم لمعالجتها، وهي حالات غضّ التعميم النظر عنها. هذا مع العلم أن مجرد فتح مجال للتكليفات قد يشكل دافعا للقضاة الإداريين إلى استرضاء القوى السياسية للحصول عليها، و(3) أن هذا المعيار لم يترافق مع التزام من المجلس باعتماد الشفافية في هذا الإطار وتحديداً نشر قائمة التكليفات ومدّتها، بما يمنع المتقاضين من التذرع به عند الاقتضاء.
  • أن المعايير لم تضع أي ضوابط لجهة مدة التكليفات.

أخيرا، تجدر الإشارة تأكيدا على خطورة عودة التكليفات إلى الموقف الذي أكده رئيس ديوان المحاسبة محمد بدران للمفكرة القانونية في تشرين الثاني 2020، والذي أفاد فيه عن امتناع الديوان عن أي تكليف لقضاته للعمل في أي إدارة عامة درءا لتضارب المصالح.

انشر المقال

متوفر من خلال:

استقلال القضاء ، المرصد القضائي ، سلطات إدارية ، قرارات قضائية ، قضاء ، لبنان ، محاكم إدارية