إلغاء قرار تشطيب محامٍ من جدول هيئة مكناس على خلفية تدوينة


2023-12-06    |   

إلغاء قرار تشطيب محامٍ من جدول هيئة مكناس على خلفية تدوينة

بتاريخ 25 أكتوبر 2023 أصدرت محكمة الاستئناف بمكناس قرارا مبدئيا بإلغاء مقرر لهيئة المحامين بالتشطيب على محام من جدول الهيئة بسبب ما نسب اليه من خروج على أخلاقيات المهنة بسبب تدويناته عبر مواقع التواصل الاجتماعي.  وقد اعتبر قرار محكمة الاستئناف أنّ رفض المجلس التأديبي تمكين المحامي المتابع من حقه في أخذ نسخة من وثائق الملف، يعتبر مسا بحقوق الدفاع التي يكفلها الدستور والمعايير الدولية لحقوق الإنسان.

 ملخص القضية

تعود فصول القضية إلى تاريخ 31/05/2023 حينما تقدّم دفاع محام، بمقالٍ افتتاحي أمام محكمة الاستئناف بمكناس يعرض فيه أن مجلس هيئة المحامين بالمدينة، اتخذ قرارا بمؤاخذته من أجل عدد من المخالفات المنسوبة إليه على خلفية تدوينات نشرها في مواقع التواصل الاجتماعي وتصريحات صدرت عنه كمؤتمر في المؤتمر الوطني الذي عقدته هيئة المحامين، ومعاقبته بالتشطيب عليه من الجدول مع النفاذ المعجل، وأضاف، أن نقيب الهيئة قدم عرضا أمام مجلس الهيئة يتضمن مجموعة من التدوينات المنسوبة إليه الصادرة عنه بفضاء جمعية المحامين بمكناس، وبفضاء جمعية المحامين بالمغرب، وبصفحته بالفضاء الأزرق، إلى جانب واقعة الاحتجاج وعرقلة السير العادي للجمع العام الاستثنائي الذي عقدته الهيئة. وقد قررت الهيئة تبعا لذلك وضع اليد على الأفعال المرتكبة من طرفه، وإجراء المسطرة التأديبية في مواجهته، من أجل مخالفة قواعد ممارسة المهنة والمساس بتقاليدها وأعرافها وبالأخلاق المهنية والمروءة والشرف..

وبتاريخ 21/02/2023، انعقد المجلس التأديبي الذي حضره المدعي مؤازرا بدفاعه، والتمس مهلة للاطلاع على وثائق الملف وأخذ صور منها، لكن مجلس الهيئة قرر رفض الملتمس والاقتصار على تمكينه من الاطلاع على الوثائق المذكورة دون نسخ صور منها، وبعد تأخير الملف إلى جلسة أخرى، تمسّك الدفاع بطلبه، واعتبر المجلس التأديبي القضيّة جاهزة للبتّ فيها، وأصدر قراره بالتشطيب عليه نهائيا من جدول الهيئة مع النفاذ المعجل.

أسباب الطعن

استند المحامي في طعنه ضدّ قرار مجلس الهيئة على مجموعة من الأسباب منها:

  • بطلان مقرر وضع اليد والاستدعاء للمجلس التأديبي لعدم تضمينهما الوقائع موضوع المتابعة، وإنما اكتفيا بالإشارة إلى مجموعة من التدوينات الصادرة عنه، وكذلك بعض الوقائع المرتبطة بالجلستين الافتتاحية والختامية لمؤتمر هيئات المحامين؛
  • خرق حقوق الدفاع: ذلك أن المجلس التأديبي رفض طلب الدفاع بتصوير وثائق الملف ومنعه من حقه في الاطلاع عليها، وهو أمر لا يعدّ متحققا إلا بتمكينه أخذ نسخ منها لدراسة مضمونها وإعداد أوجه الدفاع الممكنة؛
  • المس بمبدأ الحياد: ذلك أن الأفعال موضوع المتابعة تتعلق بتدوينات وأحداث مؤتمر هيئات المحامين والجمع العام الاستثنائي، وقد نسب للطاعن فيها التعبير عن آراء ومواقف مناقضة لتوجهات وقرارات أعضاء مجلس الهئية ونقيبها، ورئيس جمعية هيئات المحامين في قضايا ذات شأن مهني، وهؤلاء أنفسهم هم من شكلوا المجلس التأديبي، وهو ما يفقدهم شرط الحياد الواجب توفره في أعضاء المحاكمة التأديبية. كما أن بعض أعضاء تشكيلة المجلس التأديبي سبق وأن أدلوا في تدوينات عبر منصات التواصل الاجتماعي برأيهم حول الوقائع موضوع المتابعة التأديبية، وهو ما يتعارض مع مبدأ الحياد.
  • عدم خروج التدوينات عن مبدأ الشرعية: ذلك أن ما نسب للطاعن من تدوينات لا تخرج عن حدود النقد المباح والتعبير عن الرأي في قضايا الشأن المهني، ولا تتضمن أيّ إهانة للأشخاص أو الهيئات أو أي خروج عن الأعراف والتقاليد المهنية، والغاية منها الدفاع عن الصالح العام ونقد وتقييم أعمال القائمين على تدبير الشأن المهني كآلية من آليات المراقبة الديمقراطية يخضع لها كلّ مكلف بشؤون عامة، وفي حدود حرية التعبير التي كرّسها الاجتهاد القضائي وتقاليد المهنة.
  • العرض المزيف لوقائع جلستيْ المؤتمر والجمع العامّ الاستثنائي: ذلك أنه وعكس التعليل الوارد في مقرر مجلس الهيئة، فإنّ الطاعن حضر للمؤتمر بصفته مؤتمرا في أشغاله، لا عضوا ممثلا لمجلس هيئة مكناس، وأنه اعترض إلى جانب عدد من المؤتمرين على كلام الرئيس المنتدب حينما حمّل المحامين المسؤولية الكاملة في تعطيل وضياع مصالح المتقاضين، بسبب إضرابهم، واعتبروا أن هذا الكلام خروج عن الحياد المفترض في مؤسسة المجلس الأعلى للسلطة القضائية في قضايا خلافية بين قطاعات مهنية وقطاعات حكومية، وأن الرئيس المنتدب نفسه، تفهم أسباب الاعتراض، وواصل القاء عرضه، وأن الشعارات المرفوعة تعتبر أسلوبا ديمقراطيا وحضاريا في إبداء آراء المحامين حول قضايا مجتمعهم وتفاعلهم معها.

موقف المحكمة

قررت المحكمة إلغاء مقرّر مجلس هيئة المحامين بالتشطيب على المدّعي من جدول الهيئة مع النفاذ المعجل، وذلك اعتمادا على العلل التالية:

-الثابت من وثائق الملف أن الدفاع تقدم مرتين بطلب تصوير وثائق الملف لإعداد أوجه دفاعه، وأن المجلس التأديبي  رفض الطلب مع تقرير حق الدفاع فقط في الاطلاع على الوثائق بمقر مجلس الهيئة دون نسخها؛

– كفل الفصل 120 من الدستور حقوق الدفاع للأفراد، وجعلها حقوقا أساسية ومضمونة أمام جميع المحاكم باعتبارها شرطا جوهريا في المحاكمة العادلة، والمجلس التأديبي لهيئة المحامين بوصفه محكمة تأديبية ملزم تطبيقا لهذا المقتضى الدستوري بضمان حقوق الدفاع للمتابعين أمامه وتوفير شروط ممارستها؛

– الحق في الاطلاع شرط جوهري في مشروعية المحاكمة باعتباره وجها من أوجه الدفاع المكفول دستوريا، وأيضا بمقتضى المادة 14 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، والمادة 68 من قانون المهنة التي نصت على حق الاطلاع، الذي جاء مطلقا دون تحديده في شكل معين أو تقييده بقيد، وإعمال هذا الحق بما يضمن احترام حقوق الدفاع على الوجه الأكمل يقتضي تمكين المتابع من الاطلاع على ملفه التأديبي والوثائق الملحقة به بالشكل الذي يجعله عالما بأسباب متابعته بوضوح ويكفل له شروط اعداد أوجه دفاعه بشأنها ومناقشتها.

تعليق على قرار غرفة المشورة بمحكمة الاستئناف بمكناس 

تكمن أهمية هذا القرار الذي تنشره المفكرة القانونية في كونه يعيد إلى الواجهة إشكالية احترام حقوق الدفاع أمام المجالس التأديبية المهنية، فكثيرا ما تواجه طلبات القضاة والمحامين المحالين على التأديب والراغبين في أخذ نسخ من وثائق الملف، بكون قوانين المهنة تكفل لهم فقط الحق في الاطلاع، وتختلف الهيئات التأديبية في تفسير هذا الحق وما اذا كان يقتصر على الاطلاع في عين المكان على نسخ الملف التأديبي من طرف المعني بالأمر أو دفاعه، أو يمتد ليشمل الحق في أخذ نسخ من وثائق الملف.

اعتمدت المحكمة على تفسير موسع للحق في الاطلاع معتبرة أن المادة 68 من قانون مهنة المحاماة أوردت هذا الحق بشكل مطلق، دون أن تقيده، وأن الإعمال الفعلي لمضمون هذا الحق يستوجب بالضرورة تمكين المحامي المتابع من الاطلاع على ملفه التأديبي وكافة الوثائق الملحقة به بالشكل الذي يجعله عالما بأسباب متابعته بوضوح، مما يكفل له شروط إعداد أوجه دفاعه بشأنها ومناقشتها؛

كان لافتا أن المحكمة أكدت في قرارها أن الحق في الاطلاع يعتبر شرطا جوهريا في مشروعية المحاكمة، معتمدة على مقتضيات الفصل 120 من الدستور والمادة 14 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، معتبرة أن المجلس التأديبي لهيئة المحامين يعتبر محكمة تأديبية وهي ملزمة باحترام حقوق الدفاع للمتابعين أمامها وتوفير شروط ممارستها.

وتجدر الإشارة الى أن  مفهوم الحق في الاطلاع على وثائق الملف كان محل نقاش فقهي وقضائي بالمغرب سواء في مجال التأديب، أو في مجال الإجراءات الجنائية خلال مرحلة التحقيق، حيث كان بعض القضاة يرفضون تمكين الدفاع من حق استنساخ وثائق ملفات التحقيق بعلة أنها سرية. وقد انتصر المجلس الدستوري لحق استنساخ وثائق الملف في قرار شهير يتعلق بطلب البت في دستورية تعديل المادة 139 من قانون المسطرة الجنائية، ونصّ على أن: “الحق في الاطلاع يعدّ الحق الأساسي الذي من خلاله تمارس الحقوق الأخرى المتصلة بالمحاكمة العادلة، وأن هذا الحق ينطوي على حقوق أخرى منها الحق في الحصول على الوثائق المدرجة في ملف الاتهام، وأن منع تسليم وثائق الملف كليا أو جزئيا إلى الدفاع إلى ما قبل 10 أيام من بدء الاستنطاق التفصيلي من شأنه أن يخلّ بمبدأ التوازن بين سير التحقيق وحسن ممارسة حقوق الدفاع”.[1]

يمكنكم هنا الاطلاع على نسخة من قرار محكمة الاستئناف بمكناس

مواضيع ذات صلة

واجبات الإنخراط في المحاماة تصل مستويات هائلة في المغرب: حين تصبح مهنة المحاماة حكرا على الفئات الميسورة

عشــرون مقترحــا من أجل قانون حديث لمهنة المحاماة بالمغرب

مقترح قانون حول مهنة المحاماة في المغرب: وحدة المهن القانونية لا تقنع الجميع

محكمة النقض بالمغرب تفصل في الطبيعة القانونية لمهنة المحاماة

بلاغات متتالية لهيئات محامي المغرب صونا لأعراف المحاماة: هيئة الدار البيضاء تستدعي المحامين في قضية بو عشرين

بعد عزل الهيني، هل يحق لقضاة الرأي المعزولين ولوج مهنة المحاماة؟

الفصل الأخير من قضية قاضي الرأي المعزول في المغرب: استئناف تطوان تقرّ حق الهيني بممارسة المحاماة

للقاضي المعزول بسبب الرأي ممارسة المحاماة: قرار مبدئي لمحكمة النقض

بوادر مواجهة بين إدارة الضرائب والمحامين الشباب بالمغرب

حرية المحامين في التداول في قضاياهم العالقة إعلاميا: قرار مبدئي لنقيب المحامين في تطوان نقيب محامي الدار البيضاء يستنكر تصرفات بعضهم ويدعو إلى احترام وقار المهنة

منشور بمنع محامي الدار البيضاء المشاركة في البرامج الإعلامية

محامو المغرب ينتقدون تقليص دور الدفاع في مقترح المسطرة المدنية

استدعاء محام على خلفية حراك الريف

المحاماة تحت سقف “السائد”: تأديب أم إخضاع؟

تحالف حرية التعبير: على السلطة أن تحترم حريات الصحافة والمحاماة وأن تعدّل قوانين القدح والذم جذريًا

طلبة الحقوق وانسداد الآفاق المهنية: المحاماة نموذجا


[1] قرار عدد 921 بتاريخ 13/08/2013 في الملف 1377/13 بشأن رسالة إحالة القانون رقم 129.01 المتعلق بتعديل المادة 139 من قانون المسطرة الجنائية.

انشر المقال



متوفر من خلال:

قرارات قضائية ، مقالات ، المغرب ، المهن القانونية



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية