إقرار الصندوق السياديّ للنفط: التصويت ممنوع حفظًا للنصاب (أهمّ نتائج الجلسة المسائية في مجلس النواب)

،
2023-12-15    |   

إقرار الصندوق السياديّ للنفط: التصويت ممنوع حفظًا للنصاب (أهمّ نتائج الجلسة المسائية في مجلس النواب)

بعد جلسته الصباحية، عقد مجلس النواب جلسة مسائية اقتصر فيها النقاش على بند وحيد قبل أن ترفع الجلسة بسبب فقدان النصاب وهو البند المتعلق باقتراح قانون إنشاء الصندوق السيادي. هذا الاقتراح سبق أن كان مبرر الدعوة لجلسة تشريعية كان يفترض عقدها في 17/8/2023، لو أن النصاب اكتمل في حينها. لكن هذه المرة، يعود الاقتراح إلى الهيئة العامة في ظروف مختلفة حتّمت على أبرز المُقاطعين للتشريع كسر مقاطعته كرمى التمديد لقائد الجيش، فكانت “القوات” الضمانة لتأمين نصاب الجلسة التي أُدرج على جدول أعمالها 16 مشروع واقتراح قانون، آملة أن يضاف إليها الاقتراحات المعجلة المكررة وأوّل بنودها التمديد لقائد الجيش، وفق ما كان أعلنه رئيس المجلس نبيه بري عند بداية الجلسة pdk أشار إلى اتفاق بينه وبين  “الجمهورية القوية” بهذا الشأن. إلا أن سرعان ما اتّضحت تفاصيل أكثر عن هذا الاتفاق، بحيث تبين أن حضور القوات يقتصر على تأمين النصاب من دون أي مشاركة فاعلة، لا في المناقشة ولا في التصويت، بما يشكل بدعة سلبية غير مسبوقة في الحياة البرلمانية اللبنانية، وهي تفاصيل تبلورت أكثر فأكثر في مناقشات الجلسة المسائية. 

التشريع بإرادة برّي… من دون تصويت

على هامش النقاش الذي امتدّ لأكثر من ساعة ونصف حول اقتراح قانون الصندوق السيادي، برزت حادثة لخّصت النهج التشريعي القائم خلال الجلسة. فبعد نقاش طويل حول صيغة إحدى مواد الاقتراح، “تهوّر” رئيس المجلس النيابي نبيه بري وطرح المادة على التصويت، فهرع أبو صعب لتدارك الموقف طالبا من برّي ألّا يتم التصويت لأن نواب “القوات” ممتنعون عن التصويت أيضاً، وليس فقط عن الكلام. ولأن الجمهورية القوية تمثّل ربع الحضور ما يُهدّد بسقوط المادة في التصويت في ظلّ امتناعهم وفي ظلّ تضارب الآراء الأخرى حولها. وعليه، عاد برّي عن خيار التصويت. وقد بدا من خلال ذلك كأنما مؤدّى الاتفاق مع القوات ليس فقط امتناع هؤلاء عن التصويت بل أيضا امتناع جميع النواب عن التصويت مراعاة لهم فلا يكون ميزة لأحد على أحد، مع ما يستتبع ذلك من نسف لأسس اتخاذ القرارات برمّتها. 

وتُعيدنا هذه الحادثة إلى ما حصل في الجلسة الصباحية، حيث تم إقرار مشروع قانون للموافقة على اتّفاقية قرض لمنظومة الصرف الصحي في البترون، وذلك بإلحاح من رئيس المجلس النيابي على الرغم من المعارضة التي واجهته في جميع المداخلات حوله. علما أنّه لم يحصل تصويت فعلي على هذا المشروع، حيث لم تُرفع الأيادي للتصويت عليه، بل طلب برّي من النواب الموافقة عليه مع الأخذ بعين الاعتبار الملاحظات الواردة، علماً ألّا قيمة دستورية أو قانونية لهذا الاعتبار.

تؤكّد هاتان الحادثتان أن لا تصويت فعلي حصل طيلة هذه الجلسة، بل مجرّد شكليات يُلقيها برّي قوامها “برفع الأيدي… صُدّق”، من دون أن يرفع أحد يده على أي تصويت ومن دون أن تُعدّ الأصوات، والأسوأ أنّ كلّ ذلك يحصل من دون أي اعتراض من أحد.

تعديلات على الصندوق السيادي

بداية النقاش في الاقتراح تناولت أهمية إقراره من حيث المبدأ، طالما أن لا نفط يمكن استخراجه قبل 7 سنوات على الأقل، وبالتالي لا عائدات ليستثمرها الصندوق قبل ذلك الوقت. علماً أن عدداً من النواب اعتبر أن لا جدوى من إقراره راهناً وإضافة أعباء إضافية على الخزينة، كما قال النائب ميشال ضاهر، فيما وصل الأمر بالنائب بلال حشيمي إلى حدّ اعتبار أن الاقتراح يثير الشبهات. في المقابل، قدّم النائب حسن فضل الله مطالعة أكد فيها على أهمية الإقرار اليوم معتبراً أنه “عند الحديث عن دولة وتشريع حتى لو كان القانون قد لا ينفذ قبل 6 أو 7 سنوت فنحن معنيّون بإقراره كما فعلنا مع إقرار قانون النفط في العام 2010، قبل سنوات من بدء تنفيذه”.

الوصاية على الصندوق لمجلس الوزراء

النقطة الخلافية الأكبر لم تكن تتعلق بجهة الوصاية على الصندوق، كما كان يتوقع، بالنظر إلى الخلافات الشديدة التي شهدتها هذه النقطة في اللجان، لا سيّما أن التيار الوطني الحر كان قد اقترح أن تكون رئاسة الجمهورية هي المرجعيّة فيما اقترحت حركة أمل أن تكون وزارة المالية هي المرجعية، لينتهي النواب آنذاك إلى حلّ وسط قوامه منح مجلس الوزراء صلاحية رقابية معينة.

وإذ أشارت المادة السابعة إلى أنّ تعيين أعضاء إدارة الصندوق يتمّ من قبل مجلس الوزراء بناء على اقتراح من قبل مجلس الخدمة المدنية بالتعاون مع مؤسسة توظيف دولية، لم تحسم اللجان ما هي الجهة التي تحيل الاقتراح إلى مجلس الوزراء تاركة الأمر للهيئة العامة. فهل هو رئيس مجلس الوزراء أم وزير المالية أم وزير الشؤون الاجتماعية؟ واللافت أن تلك النقطة  الخلافية سرعان ما حُلّت. وبالرغم من اقتراح النائب حسن فضل الله أن تتم الإحالة عبر وزير المالية بوصفه الوزير المختص، ذكر النائب بلال عبد الله أنه جرى شبه إجماع على مرجعية مجلس الوزراء في اللجان المشتركة، لكن المفاجأة أتت من النائب علي حسن خليل، الذي أوضح أن “الخدمة المدنية” يتبع لرئاسة الحكومة مباشرة، ولا علاقة لوزارة المالية بعمله، فتم الاتفاق على أن يرفع التقرير مباشرة إلى رئاسة الحكومة التي تحيله تاليا إلى مجلس الوزراء. 

التوظيف بعد استشارة مؤسسة توظيف دولية

 مع حسم مسألة الوصاية، برز اعتراض آخر طال المادة نفسها، إذ أصر فضل الله على وجوب عدم إلزام مجلس الخدمة بالاستعانة بمؤسسة دولية، مقترحاً أن تكون الصيغة “له أن يتعاون مع مؤسسات توظيف دولية”، على اعتبار أنه ينبغي تعزيز الهيئات الرقابية لا إضعافها أكثر. وهو ما اعترض عليه أبو صعب بشدة، معتبراً أنه من الضروري الاستعانة بهذه الشركات نظراً لخبرتها في استقطاب كفاءات عالية. وفيما أصرّ كل طرف على موقفه أجّل برّي البحث بهذه المادة لبعض الوقت. لكن عند العودة إليها لم يكن الخلاف بشأنها قد حُلّ بالرغم من سعي أبو صعب وفضل الله للتفاهم على صيغة واحدة. وبقي الخلاف على حاله إلى أن جاء الحلّ من النائب عماد الحوت الذي اقترح اعتماد عبارة “… بعد اقتراح من قبل مجلس الخدمة المدنية الذي يستشير مؤسسة توظيف دولية”. وهو ما وافق عليه الطرفان. 

25% حد أدنى لاستثمار العائدات في لبنان

النقطة الخلافية الثانية التي طرحها فضل الله أيضاً هي المتعلقة باستثمار أموال محفظة الاستثمار. تجدر الإشارة هنا إلى أن الصندوق يتألف من محفظتين: الأولى للإدخار أو الاستثمار والثانية للتنمية. والمادة 13 من الاقتراح تشير إلى أنه يجب أن لا تقلّ نسبة الاستثمار في الخارج عن 75% من مجموع أصولها وعائداتها. وهذه النقطة تحديداً هي التي اعترض عليها فضل الله لأنها تسمح أن تصل نسبة الاستثمار في الخارج إلى 100%، ما يفترض تحديد نسبة للاستثمار في لبنان. وهو ما أيده النائب جهاد الصمد، ورفضه النائب الياس أبو صعب والنائب راجي السعد، إضافة إلى القوات التي سعت إلى تسويق وجهة نظرها في أحاديث جانبية بين النواب، من دون أن يطلب أي من أعضائها الكلام بشكل رسمي. وفي النهاية، تم الاتفاق على الاقتراح الذي قدمه النائب طوني فرنجية، ويشير إلى أن يكون الحد الأدنى للاستثمار في الخارج 60% والحد الأدنى للاستثمار في الداخل 25%، بما يعني أن الاستثمار في الخارج يمكن أن يصل إلى 75% كحد أقصى، وكذلك يمكن أن يصل الاستثمار في الداخل إلى 40% كحد أقصى. كذلك تمت الموافقة على اقتراح فضل الله القاضي بفتح حساب لمحفظة الاستثمار في مصرف لبنان توضع فيه العائدات إلى حين استثمارها. 

صلاحية مقيّدة لتعديل تفويض الاستثمار

من النقاط البارزة التي طُرحت أيضاً كانت المادة 10 المتعلقة بتفويض الاستثمار (مبادئ وتوجيهات إدارة أموال الصندوق واستثمارها). وإذ تنصّ هذه المادة على وجوب أن ينفذ مجلس إدارة الصندوق شروط تفويض الاستثمار التي تحدد لاحقا بموجب قانون يصدر عن مجلس النواب، فهي نصت أيضاً على أنه يحقّ لمجلس الإدارة تعديل التفويض إذا تبين له خلال التنفيذ ضرورة ذلك تماشياً مع التطورات المالية والاقتصادية التي يمكن أن تطرأ على أن يعرض التفويض المعدل على مجلسيْ الوزراء والنواب. وسأل علي خليل: هل نريد فعلاً أن نعطي الحكومة حقّ تعديل الاستثمار؟ فجرى النقاش في تحديد مهلة لتحويل التفويض المعدّل إلى مجلس النواب. ثم وافق المجلس على اقتراح الرئيس نبيه بري أن تكون المهلة 15 يوماً، من دون تحديد ما إذا كان دور مجلس النواب ينتهي هنا عند إعلامه أو أنه يفترض أن يوافق على التعديل. إلا أن النائب حسن فضل الله عاد وأوضح للمفكرة القانونية أن هذه المسألة تنقسم إلى قسمين: القسم الأول يتعلق باقتراح مجلس الإدارة تعديل التفويض إذا تبين له خلال التنفيذ ضرورة ذلك تماشياً مع التطورات المالية والاقتصادية التي يمكن أن تطرأ. وهو يسلك المسار القانوني الذي يسلكه التفويض نفسه، أي يحال إلي مجلس الوزراء ثم مجلس النواب للموافقة عليه مجددًا، عبر قانون. والقسم الثاني يتعلق بالحالات المستعجلة الطارئة، حيث يمكن لمجلس الإدارة إدخال ملاحق على التفويض بموافقة مجلس الوزراء على أن تعرض على مجلس النواب خلال 15 يومًا من دون الحاجة إلى إصدار قانون جديد.

انشر المقال

متوفر من خلال:

المرصد البرلماني ، البرلمان ، أحزاب سياسية ، تشريعات وقوانين ، إقتراح قانون ، لبنان ، مقالات



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية