إعفاء السيارات الكهربائية من الرسوم في موازنة 2024: تغذية الطبقية ووهم “السيارة فقط”


2024-01-20    |   

إعفاء السيارات الكهربائية من الرسوم في موازنة 2024: تغذية الطبقية ووهم “السيارة فقط”
سيارة كهربائية- مصدر الصورة موقع Pexels

مجددًا، ظهر في مشروع قانون موازنة العام 2024 مقترح إعفاء السيارات الكهربائية والهجينة من الضرائب والرسوم. في حين يُراد من هذه الخطوة تظهير وكأن لبنان يلحق بركب الاستدامة والمستقبل الأخضر، إلّا أن الحقيقية غير ذلك، لا بل تحوم شكوك حقيقية حول النيّة الفعلية من هذه الإعفاءات في بلد يكاد يصبح كل ما فيه نقيضا للاستدامة. يتطرق هذا المقال لموضوع السيارات “النظيفة” بشكل عام ويحاول شرح لمَ العمل على إدخال هذه السيارات في نظام النقل اللبناني مهم ولكنه ليس أولوية، كما يتطرّق للتناقض بين استمرار فشل السلطة في تحسين نظام النقل واصرارها على هذه الفئة من المركبات.

السيارات الكهربائية: نجاح مشكوك به؟

منذ ظهورها منذ أكثر من قرن وانتشارها ودمقرطتها في العالم، لا سيما دول عالم الشمال، منذ خمسينيات القرن الماضي، لم تكفّ السيارة، كوسيلة نقل، من التطوّر والانتشار وصولًا حدّ الهيمنة على تنقلات الناس. وبرغم كل الحسنات التي رافقت هذا التطوّر من سرعة وسهولة الوصول وزيادة المسافات والراحة والحرية في التنقل، إلّا أن هذا التطور لم يخلُ من الشوائب والأضرار التي سبّبتها السيارة وهيمنتها، والتي شكّلت تهديدا للاستدامة وذلك من خلال عدة عوامل: من الأثر العمراني على تشكّل المدن والتمدّد الحضري وخسارة المساحات إلى الصدامات المرورية التي تحصد ملايين الضحايا سنويًا، مرورًا بتوّسع الهوة في عادات التنقل بشكل خاص بين مستخدمي السيارات وغيرهم أو بين سكان المراكز والأطراف وصولًا إلى أزمات الزحامات المرورية والتمويل الحكومي لقطاع النقل وسوء توزيع الموارد بين الخدمات والبنى التحتية المخصصة للسيارة بشكل حصري وتلك المخصصة لبقية وسائل النقل. يُضاف أيضًا بلا شك، أولًا، اعتماد السيارة على النفط كمصدر أساسيّ للطاقة وهو ما شكّل تهديدًا منذ الصدمة النفطية والثورة الإسلامية في ايران في السبعينيات أو عند أيّ توترات سياسية أو اقتصادية. ثانيًا، لا يمكن إغفال الأثر البيئي التي تسببه السيارة إن كان من الانبعاثات الكربونية أو الجزئيات أو الضوضاء أو حتى خسارة المساحات الخضراء والغابات لإقامة البنى التحتية المخصصة لها من طرقات ومواقف. ومن ضمن أسباب عديدة اعتمدت لتطوّر السيارات الكهربائية، كان الأبرز هو الحدّ من هذين الأثرين: الاعتماد على المحروقات والتلوّث. إذ أنّ قطاع النقل في العالم هو ثاني أكبر ملوّث بعد قطاع الطاقة وهو مسؤول عن حوالي ربع انبعاثات ثاني أوكسيد الكربون، 75% من النقل البري تحديدًا، كما أنه المصدر الأول لتلوث الهواء مع ثاني أكسيد النتروجين والجسيمات الدقيقة والتي تؤدي لملايين الوفيات سنويًا. كما يُعتبر قطاع النقل المستهلك الأول للطاقة مع اعتماده على أكثر من 91% من طاقته على البترول وهو يستهلك 25% من هذا المورد عالميًا.

بعكس المُعتقد السائد أن السيارة الكهربائية ليست وليدة العقدين المنصرمين فقط. ففي نهايات القرن التاسع عشر، سُجّلت عدة محاولات لاختراع مركبات كهربائية قبل أن يتمّ استبدالها سريعًا بالمركبات التي تسير بالمحروقات في النصف الأول من القرن المنصرم. إلّا أنه كما بات معلومًا، فإنه منذ التسعينيات شهدت هذه المركبات تطوّرا كبيرا ومستمرا بخطوات ثابتة وسريعة حتى اليوم. هذا التطوّر ساهم بتحقيق السيارات الكهربائية نجاحًا بفضل ما سوّق لها بأنها تتمتع بفوائد بيئية وكفاءة في استهلاك الطاقة، كما تقلل اعتمادنا على الوقود. هذه المركبات تنبعث منها كميّات أقل بكثير من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري مقارنةً بنظيراتها التي تعمل بمحركات الاحتراق الداخلي التقليدية، مما سمح بأن يُنظر إليها كوسيلة للتصدّي لتلوّث الهواء في بلد يعاني من تحدّيات بيئيّة. كما هي تعدّ أكثر فاعلية في استهلاك الطاقة كونها لا تعتمد بشكل مباشر وتامّ على المحروقات (المركبات الهجينة تحتاج إلى المحروقات والكهرباء)، مما يؤدي إلى اعتماد أقلّ على المحروقات ويمكن أن يؤدي بالتالي للتوفير المادي في حال كانت كلفة إنتاج الكهرباء أقلّ من كلفة استهلاك البنزين أو الديزل. وهذا يؤدي إلى توفير محتمل على المدى الطويل للمستهلكين. هذه المزايا الأساسية جعلت من السيارات الكهربائية نقطة محورية في الدفع العالمي نحو حلول النقل المستدامة. ولكن، رغم الإصرار على تصويرها “خالية من الشوائب” وأحيانًا على أنها الطريق الأمثل لاستدامة قطاع النقل في العالم، إلّا أن شكوكا كثيرة ما زالتْ تحوم حول الفعالية الحقيقية للسيارة الكهربائية أو نظافتها أو حتى كونها حلا حقيقيا لمشاكل قطاع النقل.

تسوّق السيارة الكهربائية على أنها “نظيفة”، ولكن ذلك ليس صحيحًا تمامًا. فإذا صحّ أنها نظيفة خلال الاستعمال (أثناء قيادتها)، فإن الأمر قد يختلف خلال دورة حياتها الكاملة أي منذ استخراج المواد الأولية لتصنيعها، خاصة البطاريات التي تدور شكوك كبيرة حول الأثر البيئي لاستخراج موادها الأولية عداك عن البعد الإنساني-الأخلاقي والسياسي في التعامل مع مصادر هذه المواد. هناك أيضا مخاوف بشأن استدامة موارد الليثيوم، وهو عنصر رئيسي في بطاريات السيارات الكهربائية. بالإضافة إلى ذلك، فإن تكنولوجيا البطاريات لا تزال في مراحلها الأولى وتحتاج إلى تطوير إضافي لتحسين أدائها وتوفير تكلفة إنتاج منخفضة. عدا عن ذلك، فإن مصدر الطاقة لتشغيل السيارة الهجينة أو الكهربائية يبقى جزئيًا أو كليًا هو الكهرباء التي ما يزال إنتاجها يعتمد بشكل كبير في العالم على المحروقات والنفط. وبالحديث عن الأثر البيئي ودورة الحياة لهذه المركبات، تجدر الإشارة إلى أنّه حتى اليوم ليس هنالك سياق كامل ومنجز لإدارة “النفايات” التي تنتج عن هذه السيارات (كما البطاريات) بعد خروجها جزئيًا أو كليًا عن الخدمة، ما يفرض تساؤلات إضافية حول الآثار البيئية للسيارة الكهربائية بشكل عامّ. أخيرا، السيارة الكهربائية تبقى في النهاية سيّارة وهي بالتالي بحاجة لطرقات ومواقف وتاليا لتمويل هذه البنى التحتية على حساب باقي وسائل النقل (أو خدمات أخرى كالصحة والتعليم) فضلا عن أنّها تحتاج لبنى تحتية خاصة كمحطات الشحن مثلًا.

في البعد الاجتماعي، هذه السيارات ستستمرّ بتعزيز الفجوة في عادات التنقل بين الناس بل وحتى ستعززها على صعيدين: بين مستخدمي السيارات الكهربائية ومستخدمي باقي السيارات التقليدية حيث سيكون للأولين أولوية للركن مثلًا أو حق المرور في مناطق محددة (زيد اف او) فيما جزء كبير من القسم الثاني لن ينعم بذلك. الصعيد الآخر هو بين مستخدمي السيارات الكهربائية ومستخدمي باقي وسائل النقل (مشاة، وسائل نقل مشترك، دراجات هوائية،…) حيث أنّ الفجوة القائمة أساسًا ستتوسّع بشكل خاصّ، حيث أنه لن يكون بإمكان كلّ الناس شراء سيارة كهربائية. يُعدّ سعر شراء السيارات الكهربائية مرتفعًا عامةً، رغم أنّ ذلك قد يعوض بوفر التكاليف على المدى الطويل في استهلاك الوقود والصيانة، إلا أنه لا يزال يشكل عائقًا أمام المستخدمين.

وكغيرها من السيارات، ستتسبب بصدامات مرورية وضحايا، بخاصة أنّ بعض الدراسات تشير إلى أنّ غياب صوت المحرّك او العادم في السيارة الكهربائية قد يكون عاملا مساعدا في عدم انتباه المارة بشكل خاص لهذه المركبات مما يزيد احتمالية الصدام.

انتقادات إضافية لم تسلم منها المركبات الكهربائية كنطاق السفر المحدود مقارنة بالمركبات التقليديّة التي تعتمد على المحروقات، الضعف في البنى التحتية اللازمة للشحن غير المتوفرة بشكل واسع مثل محطات الوقود التقليدية. وحتى مع وجود محطات الشحن السريعة، فإن وقت الشحن يظلّ قضية حيوية لبعض المستخدمين، خاصّة عند القيادة لمسافات طويلة. يُعَتَبر الوقت الضروري لشحن البطاريات بمثابة تحدّ، حيث يعتبر بعض الأشخاص أن الوقت الذي يستغرقه شحن السيارة يعوق من مرونة السفر والاعتماد على السيارة بشكل يومي.

بعض الدول تنبهت لهذه المخاطر (التمويل والبعد الاجتماعي-الاقتصادي بشكل خاص) وبدأت بمراجعة سياساتها التشجيعية لهذه السيارات. مثال على ذلك، النرويج حيث تشكّل السيارات الكهربائية 87% من مبيعات السيارات الجديدة (مقابل 13% في باقي دول الاتحاد الأوروبي و7% في الولايات المتحدة). في هذا البلد، تبين أن الدعم الحكومي الكبير للمركبات الكهربائية قد أفاد في الحدّ من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، ولكن بتكلفة زيادة الفجوة بين الأغنياء والفقراء. كما أدّى إلى تقويض جهود المدن النرويجية لتخليص نفسها من الاعتماد على السيارة ممّا دفع الحكومة النرويجية بالبدء بتقليص بعض الدعم المخصّص للتحول الكهربائي بهدف تجنب توسيع الفجوة بين الطبقات الاجتماعية وتحفيز استخدام السيارة على حساب وسائل النقل الأخرى.

على الرغم من هذه النقاط السلبية والتحدّيات، يجب أن نعترف أيضًا بالفوائد المحتملة للسيارات الكهربائية، مثل تقليل الانبعاثات الضارّة للبيئة وتحسين كفاءة استهلاك الطاقة. مع مرور الوقت والتقدّم التكنولوجي، يمكن توقّع حلول للتحديات الحالية وتعزيز تبنّي هذه التكنولوجيا المستدامة.

تبرر الحكومة إعفاء السيارات الكهربائية بنيتها دعم سيارات “نظيفة” لتخفيف التلوّث. لكن الكلّ يعلم أنّه سيتمّ تشغيلها بالاعتماد على مصادر طاقة ذات معدلات تلوّث مرتفعة جدًا.

السيارات الكهربائية في لبنان : مقاربة عكسية

في لبنان، تسبّب اعتماد السكان على السيارات في تسجيل مستويات عالية من التلوث. ويُعدّ النقل البرّي المسؤول الرئيسي عن انبعاثات النقل، حيث يتحمل 27% من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، مما يعادل 1.4 مرة للمتوسط العالمي، و23% من انبعاثات الغازات الدفيئة. وهو يعتبر مصدرًا رئيسيًا لانبعاثات أكسيد الكربون، ثاني أكسيد النيتروجين، … يُعزى هذا التلوث الناجم عن النقل البري في لبنان بشكل كبير إلى السيارات، التي شهدت زيادة بنسبة 7 مرات منذ سبعينيات القرن الماضي، بالإضافة الى أن جزءا من الأسطول لا زال قديمًا، مما يجعله أكثر تلويثًا، كما الزحام والفترات الطويلة من الوقوف فيه والذي يزيد استهلاك الوقود بنسبة 80%.

اذًا، ليس من السيء بالمطلق أن نسمع في لبنان بالسيارات الكهربائية ودعمها والرغبة بالانتقال التدريجي إليها، خاصة مع معدلات التلوّث المرتفعة، بالمدن بشكل خاص والتي يعتبر نظام النقل مسببا أساسيا لها. إلّا أن هكذا خطوات تأتي بشكل يتيم ومنعزل تمامًا عن أيّ خطة أو رؤية استراتيجية للقطاعات المعنية، أي الطاقة والبيئة والنقل، على غرار ما نراه في باقي الدول. باختصار، كل ما تقوم به السلطة في لبنان، منذ عقود، هو النقيض التام للاستدامة. والأمثلة عن ذلك تكاد لا تنتهي: غياب المساحات الخضراء والعامة، أزمة قطاع الكهرباء الكارثية والاعتماد على المولّدات الخاصة، الأزمات الاقتصادية المتلاحقة، اللامساواة الاجتماعية بين المقيمين على عدة مستويات، … وطبعًا، موضوع هذا المقال، أي قطاع النقل والاعتماد المفرط على السيارة وغياب البدائل الفعّالة. فمن يسمع أنه في لبنان وصلت الحكومة إلى مرحلة تطالب باعفاء السيارات الكهربائية من الرسوم والضرائب قد يظن أن هذه الخطوة تأتي لتكلل مسيرة طويلة من استدامة قطاع النقل، فيما الواقع يقول عكس ذلك تمامًا.

فقطاع النقل المعتمد بشكل شبه تام على السيارات كوسيلة نقل ممكنة فعّالة وحيدة، والذي يعاني من ضعف كبير في خدمات النقل العام ووسائل النقل السلس، لا شكّ أن الأولوية في تطويره ليست لدعم السيارات الكهربائية. إلّا أنّ الحديث المتكرر عن هذا الموضوع وظهوره المتكرّر في مقترحات الموازنة يضعنا أمام عدة تساؤلات حول النوايا المبيّتة من هذه الخطوة.

أولًا، في بلد مأزوم اقتصاديًا يعاني من أزمة نقل متجذرة، لا يمكن رؤية اقتراح دعم السيارات الكهربائية سوى من منظور طبقي حيث أن أسعار هذه السيارات والقدرة على الوصول لها ولاحقًا شحنها (بطريقة مناسبة) هي أمور ليست بمتناول سوى طبقة محدودة من الناس وهي التي للصدفة نفس الطبقة التي استفادت لعقود من الدعم غير المشروط على المحروقات وهي نفسها التي لم تعانِ من مفاعيل أزمة النقل بنفس الوتيرة كغيرها حيث أن لديها القدرة المادية على شراء واستخدام (وقود، صيانة، ركن،…) السيارات بشكل أفضل وأسهل وأسرع من غيرها.

مع غياب الأرقام والإحصاءات الدقيقة بشكل عام في لبنان أساسًا، وفي قطاع النقل بشكل خاصّ، ومع الضعف البنيوي حاليًا في الإدارات والمؤسّسات المعنية بقطاع استيراد وتسجيل السيارات (جمارك، مرفأ، النافعة، الميكانيك…) يصعب إحصاء بشكل دقيق عدد المركبات الكهربائية المستوردة وتلك التي في الخدمة. وفرضًا وصلنا إلى هذا الرقم، غالبًا ما سنراه ضئيلًا ومحصورا لدى طبقات معينة لا عائق مادي أمامها لدفع ضرائب ورسوم السيارات الكهربائية. وحتى إن حصل ووجدنا أنّ بعض المستفيدين (المحتملين) من هذا الإعفاء يستحقونه (ماديًا)، فذلك يبقى استفادة طبقية ومحصورة اجتماعيًا لا يستفيد منها سوى القلة. من الجدير الذكر، وبالحديث عن غياب الأرقام، لم نجد أي مستند أو دراسة تشير إلى عدد السيارات الكهربائية المتوقع دخولها إلى السوق والذي على أساسه يمكن علميًا تبرير هكذا قرار، خاصة بما خصّ الشقّ المالي والأموال التي ستحرم منها الخزينة العامة لقاء دعم هذا النوع من السيارات.

شكّ إضافي يتعلق مباشرة بقطاع النقل. حيث أنه قد يقول البعض أنّ قرار إعفاء المركبات الكهربائية قد يصبّ في مصلحة استدامة قطاع النقل، وهذا ضرب من الخيال. ففي بلد تشكّل السيارة فيه أكثر من 90% من مركباته وتؤمّن أكثر من ثلاثة أرباع تنقلات مقيميه مع غياب شبه تامّ لخدمات نقل عامّ لائقة وفعّالة، آخر ما يحتاج إليه هو المزيد من السيارات على طرقاته وحتى إن كانت هذه السيارات ذات عوادم “نظيفة”. فلو فعلًا كان الهمّ استدامة قطاع النقل وتقليل الانبعاثات الناجمة عنه، لماذا لا يطال الإعفاء مركبات النقل الجماعي (باصات، فانات،…) أو النقل الفردي السلس (دراجات هوائية) وهذه الوسائل ستكون لا شك مخدوميتها الاجتماعية أكبر من السيارات الفردية ومعدل انبعاثاتها أقلّ (تحسب بالفرد المتنقل بالمسافة). وان كانت السلطة “مستغنية” عن بضعة رسوم ممكن أن تحصيها من استيراد واستعمال السيارات الكهربائية (وهي تكون غالبًا مرتفعة)، فلماذا لم تفكر يومًا بتخصيص مبلغ مماثل لدعم قطاع النقل حقيقة؟

في بلد مأزوم اقتصاديًا يعاني من أزمة نقل متجذرة، لا يمكن رؤية اقتراح دعم السيارات الكهربائية سوى من منظور طبقي.

هذا في شق امتلاك المركبة بحد ذاتها، أمّا بما خص استخدامها فتلك رواية أخرى. كما يدلّ اسمها، فإن السيارات الكهربائية بحاجة لكهرباء كمادة أولية لتشغيلها. في لبنان، حكومة تريد إقناعنا أنها ترى أن دعم السيارات الكهربائية يشكّل أولوية اليوم في بلد يعتمد أكثر من 90% من طاقته الكهربائية على مولدات الأحياء والمولدات الخاصة. وفي هذا الخصوص، تظهر السخرية في نقطتين: الأولى هي نوعية الطاقة المولّدة من هذه المصادر المفترض أنها “مؤقتة” وللحالات الطارئة قبل أن تتحول إلى أمر واقع مستمرّ. ثمة شكوك كبيرة حول فعاليّة أن يتمّ تشريج بطاريات السيارات بالاعتماد على هكذا موارد. اللهم إلّا إذا كان في نيّة الحكومة أنّ من سيمتلك هذه السيارات “المدعومة” هم من المحظيين الذين يتنعمون بمصادر طاقة أفضل وأكثر فعالية. وحتى لو لم تكن هذه نيّة السلطة، فإنها تقول لنا بطريقة سوريالية أنها تريد دعم سيارات “نظيفة” لا تسبب تلوّثا علما أنه سيتم تشغيلها بالاعتماد على مصادر طاقة ذات معدلات تلوّث مرتفعة جدًا. فهل النية فعلًا تقليل الانبعاثات؟

من يطلع على الدراسات البيئية في لبنان لا يمكن له أن يغفل الوضع الكارثي وبخاصة لجهة الآثار السلبية لقطاع النقل. هذه الدراسات تتمّ غالبًا بتمويل ومساهمة من دول غربية أو عربية أو من مؤسسات وصناديق إقليمية ودولية وهذا ليس تفصيلًا. إذ أن إحدى الفرضيات لتسويق فكرة دعم المركبات الكهربائية هو تسويق صورة “ناصعة” للدولة اللبنانية أمام مموليها ومقرضيها وبشكل خاص الدول الغربية، بهدف تبرير الأموال التي صرفتها هذه الجهات في لبنان أو تبرير تمويلات مستقبلية أو حتى مجرد استرضاء هذه الدول وإظهار لبنان تلميذ نجيب.

لو فعلًا كان الهمّ تقليل الانبعاثات، لماذا لا يطال الإعفاء مركبات النقل الجماعي (باصات، فانات،…) أو النقل الفردي السلس (دراجات هوائية)؟
انشر المقال

متوفر من خلال:

دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، تشريعات وقوانين ، إقتراح قانون ، نقل عام ، لبنان ، مقالات



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية