إعفاء الحكومة لرئيس هيئة مكافحة الفساد في تونس: مجريات المنازلة وأبعادها


2020-08-31    |   


بتاريخ 24-08-2020، قرر مجلس الوزراء إنهاء مهامّ رئيس الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد شوقي الطبيب وتعيين خلفا له. وتبين من تسريبات المجلس أن الإعفاء ورد بعد إصدار وزير الدولة المكلّف بالحوكمة ومكافحة الفساد محمد عبو قراراً بتكليف هيئة رقابية بتدقيق وجه التصرف المالي والإداري في الهيئة.

ربط شقّ هام من المتابعين قرار الحكومة بعزل الطبيب بالدور الذي لعبه في تسليط الضوء على وضعية تضارب المصالح التي أدت لاستقالة الحكومة، فاعتبروه وسيلة انتقام من رجل صنع إشعاع الهيئة ولا يستحقّ بالتالي هذه المعاملة. بالمقابل، اعتبر شق آخر هذا القرار مؤسسا واقعيا وكان يجب أن يتخذ قبل هذا التاريخ لما يسود الهيئة في تسييرها الإداري والمالي من سوء تصرف. فهي –حسبهم- تحوّلت إلى مؤسسة تخدم المشروع السياسي لرئيسها من دون أن تلعب أي دور في مكافحة الفساد بما في ذلك في قضية تضارب مصالح رئيس الحكومة. فقد اكتفتْ آنذاك حسب هذا الشقّ بالتشهير والتوظيف السياسي للموضوع  من دون أن يكون لها أي فضل في كشف الوقائع. وكان هنا لهذا الإنقسام المجتمعي حول قرار الإعفاء صداه في مؤسسات الدولة.

الإعفاء يصنع الخصومة بين مؤسسات الدولة

بتاريخ 26-08-2020، استبق الطبيب تحول الفريق الرقابي وعماد بوخريص الرئيس المعين حديثا لمقر هيئته بإصدار قرار منه يعهد مجلس الهيئة بنظر تنفيذ المقررات الحكومية من عدمها. فانتهى المجلس الذي لم يعلن عن عدد الأعضاء الحاضرين إلى إقرار مبدأ رفض تنفيذ مقررات الحكومة بعدما اعتبرها مخالفة للدستور والقانون، لكون إنهاء مهامه ينتهي إلى قطع المدة النيابية لرئيس الهيئة المقررة قانونا بست سنوات “وهي نيابة غير قابلة للقطع ولا التجديد، وهي بالتّالي محصّنة من كل تدخّل صادر عن السلطة التنفيذية ضمانا لمبدأ إستقلالية الهيئات العمومية المستقلة”. كما اعتبروا أن قرار تكليف هيئة رقابية على الهيئة يتعارض مع قانون هذه الأخيرة الذي يجعلها “لا تخضع إلا لرقابة محكمة المحاسبات ومجلس نواب الشعب دون غيرهما من الهيئات الرقابية”. من جهته، دعم الطبيب موقفه برفع قضية أمام المحكمة الإدارية بهدف إلغاء قرار إنهاء مهامه وتقديم طلب لرئيسها الأول بهدف إيقاف  تنفيذه.

فاجأ “رفض التنفيذ” رئاسة الحكومة. لكنه لم يمنعها من إصدار بلاغ ذكّرت فيه الطبيب الذي ينفي عنها سلطة التعيين ويتمسك بإتمام مدته بكونه تم تعيينه وفق ذات الاجراءات من رئيس الحكومة السابق الذي كان أنهى تكليف الرئيس الذي سبقه قبل انتهاء ولايته. وقد وجد البيان بعض الترحيب في صفوف منتقدي الهيئة الذين نبّهوا لكون مجلسها الذي انعقد لم يكن شرعيا اعتبارا لانتهاء مدة عدد من أعضائه. كما تمسكوا بكون ادعاء عدم مشروعية مقرر إداري وعلى فرض صحته لا يمنح الأشخاص أيا كانت صفاتهم حق عدم تنفيذه بإرادتهم المنفردة.

بعيدا عن المواقف والمواقف المضادة، يرتبط مآل الصراع الذي يدور حول هيئة مكافحة الفساد بموقف رئيس المحكمة الإدارية من طلب توقيف تنفيذ مقررات الحكومة. وأيا كان هذا الموقف، فإن حيثيات الخلاف تبين أنه ليس حالة طارئة بقدر ما هو حدث يكشف أزمة الحوكمة التي باتت تعانيها مؤسسات الدولة.

صراع كشف أزمة تسيير مؤسسات الدولة

اتخذت الحكومة قرارها المثير للجدل قبل أسبوع فقط من الموعد المحدد من مجلس نواب الشعب للنظر في منح الثقة للحكومة التي ستخلفها. فكان فتحها لملف صمتت عنه يوم كانت قوية مأخذا عليها, في ذات الحين، عكست الأسباب المعلنة للإقالة والتي لم ينفها الشقان أزمة إدارة الهيئات المستقلة التي قصرت محكمة المحاسبات خاصة والقضاء عموما في استعمال سلطته في معالجتها.

السلطة التنفيذية: إرتجال يعمق أزمة الثقة

بداية مدة عهدتها، لم تبادر حكومة الفخفاخ التي كانت مكافحة الفساد العنوان الأبرز في برنامج عملها لطرح فكرة إعفاء رئيس تلك الهيئة ولا لطرح مسألة إخضاعها للرقابة الإدارية والمالية. تاليا، وخلال عملها لم يبرز أي خلاف بينها وبين رئيس تلك الهيئة. بل وعلى نقيض ذلك، أشّر مسار مراجعة صياغة مشروع الأمر المتعلق بنشر التصريح بالممتلكات لكبار المسؤولين الذي باشره وزير الدولة المكلف بمكافحة الفساد محمد عبو على حسن تواصلهما[1].

في مرحلة ثانية، وبعدما كشف الطبيب عن مساندته للمطالبة بإقالة الفخفاخ على خلفية ما نسب له من تضارب مصالح ومبادرته بتحويل ملفه للقضاء مع اتهامه له الصريح بالفساد، بدأت معركة كلامية بين الشخصيتين. فيكون إصدار رئيس الحكومة الذي فرضت عليه الاستقالة بسبب ما نسب له من تضارب مصالح قرارا يعفي مسؤولا كان له دور في مؤاخذته السياسية من الأمور التي لا تستساغ وتؤدي لمزيد المس بالثقة في مؤسسات الدولة وكان يمكن تفاديه لو تم الإكتفاء بالتدقيق المحاسبي والإداري في عمل الهيئة وترك القرار فيما تعلق بها لجهات الاختصاص والحكومة التي ستخلفه.

الهيئات المستقلة: سوء التصرف والإنفراد بالقرار قد يضير بتجربة رائدة

طلبا لهامش ديمقراطي أكبر في ممارسة السلطة، إختار مشرع ما بعد الثورة أن يفرع جانبا من مجالات العمل التنفيذي لفائدة هيئات مستقلة وهو التوجّه الذي أقره دستور الجمهورية الثانية بدسترته لعدد من تلك الهيئات[2]. لكن ومع بداية تنزيل تلك الهيئات، برزت في الممارسة بعض الإنحرافات في ممارسات من تولوا أمرها ومنها:

1- هيمنة رؤساء الهيئات على عملها خصوصا منها تلك التي تولى أمرها شخصيات عامة،

2- تبديد جانب هام من موارد تلك الهيئات التي تتأتى من موازنة الدولة ومن دعم المنظمات الدولية بسبب ميل القائمين عليها لتوسيع مصاريفها في مظاهر بذخ لم تعهدها الإدارة التونسية سابقا ولا تتلاءم مع إمكانيات الدولة،

3- إرساء علاقات زبونية تحقق للهيئات ورؤسائها الإستفادة من ولاء شخصيات مؤثرة باستعمال عقود إسداء خدمات تغيب عنها الشفافية وقواعد الحوكمة،

4- الهوس المرضي بالاستقلالية والذي ينتهي للتحلل الكامل من الخضوع لأحكام القضاء ومن الإلتزام بقواعد التصرف في المال العام والشفافية،

شكلت في هذا الإطار هيئة الحقيقة والكرامة مثالا بارزا على استفحال هذه الأمراض وعلى أثرها  السلبي على الأداء المؤسساتي[3]. فالأزمة التي انتهى لها مسار العدالة الانتقالية بتونس كان من بين أهم أسبابها علل الهيئة والفساد الذي استشرى فيها.

ويخشى هنا أن تكون إصابة هيئة مكافحة الفساد بذات أعراض المرض -إن ثبت ذلك طبعا- مما يضرّ بالملف الذي تعمل عليه ومما قد ترثه عنها هيئة الحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد[4] والتي ستكون الهيئة الدستورية التي تخلفها في عملها بمجرد انتهاء أعضاء مجلس نواب الشعب من انتخاب أعضائها[5]. وتفرض هذه الهواجس وبعيدا عن خصومة الحال تقييما جديا ومؤسساتيا لعمل الهيئة الحالية تبدو محكمة المحاسبات من تتحمل مسؤوليته.

تقصير محكمة المحاسبات في مراقبة عمل الهيئات المستقلة

تمسك الطبيب في تبرير رفضه قبول فريق العمل التابع لهيئة الرقابة العامة للمصالح العمومية[6] بالفصل 18 من المرسوم الإطاري عدد 120 لسنة 2011[7] المحدث لهيئته والذي ينص على كونها “تخضع لمراقبة دائرة المحاسبات”، بما يستفاد منه عدم اختصاص سواها من الهيئات الرقابة بمراقبتها. وأضاف الطبيب إلى ذلك أنّ محكمة المحاسبات شرعت فعليا منذ بداية سنة 2019 في مهمة رقابية بالهيئة. نازعت هنا الجهات الحكومية فيما ذكر من سبق تعهد محكمة المحاسبات بالرقابة وذكرت أن فريق هذه المحكمة الرقابي تعهد فقط حسب مأمورية عمله بتقييم تنفيذ إستراتيجية مكافحة الفساد المعلنة من الهيئة ولم ينهِ عمله في هذا الخصوص.

يبدو هنا موقف الطبيب في جانبه المتمسك باختصاص محكمة المحاسبات دون سواها بالرقابة مؤيدا قانونا. ولكن وفي المقابل يبدو مستغربا أن تخصص محكمة المحاسبات جهدها الرقابي لتقييم خطة عمل ولحديث عام عن الإطار المؤسساتي لمكافحة الفساد وألا تعطي الأولوية لتقييم التصرف الإداري والمالي حماية للمال العام وضمانا لحسن عمل الهيئات المستقلة. ويؤمل هنا أن تكون هذه الأزمة مناسبة لتطور محكمة المحاسبات أداءها الرقابي على الهيئات المستقلة. كما يؤمل أن تكون مناسبة لتطوير أداء الهيئات. ولن يتحقق هذا ما لم يخضع كل طرف كان له دور فيها أداؤه للتقييم وما لم يتم إخضاع هيئة مكافحة الفساد لرقابة مدققة تنزع شبهات الفساد عنها تتولاه محكمة المحاسبات صاحبة الاختصاص في ذلك.


[1]  لتبين أهمية الدور الذي لعبه الوزير محمد عبو في تطوير مشروع الأمر و تنسيقه في ذلك من هيئة مكافحة الفساد اطلع على المقال بالمرفق بالنقر هنا

[2]   الباب السادس من الدستور  وهي   خمس هيئات  : هيئة الانتخابات ، هيئة الاتصال السمعي البصري ، هيئة حقوق الإنسان ، هيئة التنمية المستدامة وحقوق الأجيال القادمة ، هيئة الحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد.

[3]   يراجع بموقع المفكرة القانونية  جملة المقالات والتحاليل التي تولتها المفكرة طيلة مدة عمل الهيئة وكان هدفها التنبيه للمخاطر التي يقود لها عدم علاج أمراض الإدارة والتسيير

[4]   ينص الدستور في الفصل 130  على هذه الهيئة ويعرفها وظيفيا بكونها ” تسهم هيئة الحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد في سياسات الحوكمة الرشيدة ومنع الفساد ومكافحته ومتابعة تنفيذها ونشر ثقافتها، وتعزّز مبادئ الشفافية والنزاهة والمساءلة.تتولى الهيئة رصد حالات الفساد في القطاعين العام والخاص، والتقصي فيها، والتحقق منها، وإحالتها على الجهات المعنية. تستشار الهيئة وجوبا في مشاريع القوانين المتصلة بمجال اختصاصها.للهيئة أن تبدي رأيها في النصوص الترتيبية العامة المتصلة بمجال اختصاصها. ” ويبين  كونها تتكون ”  من أعضاء مستقلين محايدين من ذوي الكفاءة والنزاهة، يباشرون مهامهم لفترة واحدة مدّتها ستّ سنوات، ويجدّد ثلث أعضائها كل سنتين.

[5]   استكمل المشرع  مسار البناء التشريعي للهيئة الدستورية بإصداره القانون الأساسي عدد 59 لسنة 2017 المؤرّخ في 24 أوت 2017 والمتعلّق بهيئة الحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد ، لاحقا بتاريخ  09-11-2018 تم الإعلان عن قائمة المترشحين لعضويتها لكن ولحد الآن وبسبب صعوبة  تحصيل النصاب القانوني للانتخاب  لازال انتخاب أعضاء تلك الهيئة معطلا .

[6]   من هيئات الرقابة العامة الملحقة بمصالح رئاسة الحكومة وهي تتمع بالاستقلالية الوظيفية  يراجع في شان هذه الهيئات

[7]  مرسوم إطاري عدد 120 لسنة 2011 مؤرخ في 14 نوفمبر 2011

انشر المقال

متوفر خلال:

تونس ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، سلطات إدارية ، مقالات