إطلاق “مرصد سياسات الأرض”: علّ الأرض “تعيش لتروي” عن العدالة المكانية


2023-06-02    |   

إطلاق “مرصد سياسات الأرض”: علّ الأرض “تعيش لتروي” عن العدالة المكانية
يارا عبد الخالق تتوسّط عبير سقسوق وتالا علاء الدين أثناء إطلاق مرصد سياسات الأرض

“أول شي بدّي اتشكّرهم ع الأربع سنين من تراكم اللامساواة” قالها أحد الحضور بسخرية أثناء مؤتمر إطلاق مرصد سياسات الأرض لاستوديو أشغال عامّة مستوحيًا من عنوان المؤتمر، والـ “هم” هنا عائدة إلى السلطة ومنظومة المصالح التي تراكم الثروات ضاربة المصلحة العامّة عرض الحائط. ضحك الحضور. كانت ضحكة خاطفة قبل أن تعيدهم العبارة ذاتها سريعًا إلى الواقع المرير: أربع سنوات من تراكم اللامساواة سبقتها سنوات كثيرة جدًا من الوضع ذاته ولكن مع أمل جديد ألّا نلاقي في السنوات اللاحقة المصير ذاته. هذا بالضبط ما يطمح إليه استوديو أشغال عامّة من خلال نشاطه طيلة أكثر من عشر سنوات ومن خلال “مرصد السكن” وأخيرًأ من خلال “مرصد سياسات الأرض” الذي أطلقه الثلاثاء 30 أيار من “بيت بيروت”. 

أما الأدوات لتحقيق ذلك فهي بداية رصد السياسات والتشريعات والمراسيم والمشاريع في مواضيع السكن والأملاك العامة والتنظيم المدني وإعادة الإعمار والبناء والبنى التحتية وغيرها، ورصد المخططات والتصاميم التوجيهية وممارسات المؤسسات ذات الصلة وبشكل خاص المديرية العامة للتنظيم المدني. ومن ثمّ تحليلها والتعليق عليها والاعتراض على “المدمِّرة” منها وإصدار التوصيات والتصوّرات البديلة لها والتحرّك لمواجهتها. 

وبما أنّ الناس وخصوصًا ناس المناطق هم الركيزة والدافع وراء المرصد، حضر إطلاق المرصد والطاولة المستديرة التي تلته ممثلين وممثلات عن الجمعيات الشريكة والمعنيين بالشأن العمراني والصحافيين المهتمّين، إضافة إلى أشخاص وناشطين وناشطات من المناطق، من الكورة التي حوّلتها سموم معامل الإسمنت إلى قرى لا تضحك من كثرة الموت الذي يصيبها، مرورًا بإهمج المنسيّة وصيدا وصور وطرابلس وحاصبيا وبعلبك وطبعًا بيروت. 

لماذا مرصد للأرض؟ “لأنه من المهم النظر إلى الأرض بشكل شامل، إلى علاقة الناس بأرضهم وعلاقة السلطة بالأرض”، تجيب عبير سقسوق إحدى مؤسسات “أشغال عامة” في حديث مع “المفكرة”. ولماذا الأرض؟ “لأنها المنطلق لكلّ شيء، لأنّها تشمل حقوقًا عديدة، الحق في السكن، في بيئة سليمة، الحق في العيش، ولأنّها عنصر أساسي في يد النظام السياسي في لبنان والاقتصاد الريعي، وتسليعها أداة أساسية للنظام النيوليبرالي”.  

يقوم المرصد على مقاربة تشاركية في استقاء المعلومات حيث يتعاون مع “المفكرة القانونية” في رصد القوانين المطروحة ومقرّرات المجلس النيابي (مثلتها في المؤتمر ساندي متيرك) ومع مبادرة “غربال” في رصد الجريدة الرسمية والطلبات الرسمية لمقّررات مؤسسات الدولة (مثلها أسعد ذبيان) ، والأهم مع مواطنين وناشطين/ شركاء في المناطق لرصد المخالفات والتعدّيات والمظالم. ففي تصّور أشغال عامّة للمرصد “الأرض هي الراوي الصامت للصراعات المتعدّدة: من المقلع المهيب في الكورة، مرورًا بدواخين الزوق، وساحل الزهراني وأراضي البقاع الزراعية إلى المباني المتهالكة في طرابلس حتى أصغر الغرف في شقق بيروت السكنية. فنأمل ونعمل لكي يكون أصحاب هذه القضايا شركاء معنا في هذا المشروع”. وبالتالي فالهدف النهائي للمرصد هو أن تتحوّل الأرض من “راوٍ صامت للصراعات” إلى راوٍ مفوّه لقصص تحقيق العدالة المكانية. 

من اليمين إلى اليسار: ساندي متيرك (المفكرة) يارا عبد الخالق وتالا علاء الدين (أشغال عامّة) أسعد ذبيان (غربال) عبير سقسوق (أشغال عامة)

الرصد كسلاح معرفي في مواجهة السلطة

يعدنا المرصد بـ “ألّا يمرّ أي تدخّلٍ مكاني من دون توثيق أو اعتراض” وبالتالي فهو يطمح إلى تعرية السياسات المجحفة بحق الناس “الذين تمّ إقصاؤهم عن المشاركة في صنعها كأداة هيمنة تستخدمها الطبقة الحاكمة لتعزز هيمنتها على إنتاج الفضاء العام والسكن والأرض”. ويتكرّر هدف الانتصار للناس المقصيين في أكثر من موضع وبأكثر من صيغة أثناء تعريف أهداف المرصد. وبالتالي يشكّل المرصد تواصلًا لأهداف أشغال عامّة في الدفاع عن حقوق الناس الأساسية أي “الحق في إنتاج الفضاء المعاش والانتماء إليه وملاءمته وتغييره، وكذلك الحق في تشكيل الذكريات الفردية والجماعية”. 

تخبر عبير سقسوق “المفكرة” عن المراحل الأولى لتكوّن فكرة المرصد: “عام 2018 كنا نعمل على مشروع رصدنا فيه جميع التصاميم التوجيهية التي صدرت من عام 1954 حتى 2018، وأثناء عملنا تنبّهنا إلى الكم الكبير من القضايا التي نجهلها في المناطق، وبالتالي لم يكن ممكنًا أن نعرف بها لو لم نطّلع على تلك التصاميم”. وتتابع: “التصاميم شكّلت لنا مدخلًا معرفيًا كبيرًا جدًا إلى مناطق خارج مركزية بيروت إضافة إلى قضايا عمرانية بيئية ترتبط بمستويات عديدة. من هنا ولدت فكرة الرصد كأداة، وعلى مستويين، الأوّل رصد تعامل السلطة مع المناطق والثاني توفير منصّة للناس لكي تبلّغ عن الانتهاكات التي ترتكبها الدولة لحقوقهم”. 

وبالتالي تكمن أهمية الرصد بحسب عبير، في “أنّنا في غالبية الأحيان نعرف بالأمور على الأرض بعد أن تصبح واقعًا، أي مثلًا بعد بناء الفندق، أو بعد بناء المصنع وتدمير الأرض الزراعية، وبالتالي يمنحنا الرصد الفرصة للمواجهة قبل أن تُفرض الانتهاكات علينا”.  

بدأ فريق أشغال عامّة العمل على مرصد سياسات الأرض عام 2019 بالتوازي مع مشاريعه الأخرى وبينها مرصد السكن الذي هو مكمّل للمرصد الجديد، بحسب عبير. ولكن بعد تفجير 4 آب شكّل مرصد السكن من خلال الخط الساخن الأولوية للفريق، قبل أن يعود للعمل بشكل مكثّف على مرصد الأرض في عام 2021.  

ما الدافع وراء مرصد الأرض؟ “هو إدراكنا لغياب الخطاب عن العدالة المكانية، والمعرفة العميقة حول مفاهيم الحق في المدينة، الحق في الأرض، ورغبتنا في ترسيخ هذه المفاهيم ووضعها على أجندة الناشطين والفاعلين السياسيين. لذلك نحن نعمل على تطوير الأدوات لكي نساهم مع أناس آخرين في التغيير، والمرصد واحد من هذه الأدوات”. 

ما الأهداف الأخرى غير الرصد وتوفير المعرفة؟ تشدد عبير على وجود “خلل تشريعي، لذلك لا يكفي أن نرصد ونواجه قوانين سيّئة، بل يجب أن نقترح بدائل أو أن نتصوّر البدائل، وبالتالي الهدف هو فتح نقاشات حول القوانين التي نريدها. فمن الأمور التي نجح النظام السياسي في تحقيقها هو قتل أي مخيّلة لبديل”.  

من هنا سيقوم المرصد بشكل متواصل بتنظيم لقاءات في المناطق، وإجراء أبحاث تشاركية فيها، “فهذه الطريقة التي يمكننا فيها أن نتصوّر البديل، خصوصًا إذا استعنّا بالخطة الشاملة لترتيب الأراضي اللبنانية لأنها تفتح الأفق على شيء موجود يرسي تصوّرًا اقتصاديًا مختلفًا عمّا نعيش في ظلّه اليوم”. 

من بعد الرصد والتحليل، كيف تحصل المواجهة؟ تجيب عبير: “المواجهة هي الخطوة التالية ولكن قبل ذلك هناك قيمة كبيرة في ما نقوم به، وبشكل خاص نوع الشبكات التي نقيمها مع الناس في المناطق، نوع القضايا التي تُفتح في المناطق”. وبالتالي: “ليس بالضرورة أن نكون نحن من نواجه، ففي أحيان كثيرة نعمل على خلق ديناميكية محلّية تقوم هي بالمواجهة”. 

وتروي عبير كمثال على ذلك، أنّه من خلال رصد قرارات المجلس الأعلى للتنظيم المدني، علم الفريق بوجود قرار خطير يتعلّق بإهمج (جرود جبيل) ويقوم على إفراز أراض حرجية وطبيعية في المنطقة، وكما يفعل في حالة كهذه، أعدّ الفريق منشورًا عن الموضوع ووزعه عبر وسائل التواصل وعلى ناشطين ومهتمّين وبالتواتر وصل الخبر إلى ناشطين في إهمج الذين لم يكونوا على علم بالقرار. وبعد تواصل هؤلاء مع أشغال عامة، توجّه فريق من المؤسسة إلى المنطقة واجتمع بالناشطين وأبلغ وزارة البيئة، ووصل الناشطين بأشخاص في الوزارة.    

مثال آخر هو “حين علمنا باقتراح قانون تحويل أراض أميرية إلى أراض ملك، وهي قضية خطيرة تؤثر على أجيال مقبلة، أدركنا سريعًا أنّ النشر لم يكن كافيًا بل كان يجب أن نتوجّه إلى المناطق حيث أقمنا أربع ندوات لنشرح عن الموضوع ولنخلق نقاشًا محلّيًا حوله، وأجرينا لقاءات مع نواب “تغييريين” لكي نحذرهم من خطورة الاقتراح وضرورة مواجهته”. 

تقارير المرصد

ينتج المرصد بناء على المعلومات التي يجمعها والتحليلات التي يقوم بها تقارير دوريّة توثّق كيفية انتهاك السلطة للحقوق الأساسية للناس من بينها التقرير الأوّل حول “أعمال المجلس النيابي من منظور العدالة المكانية” الذي يقيّم نتاج أعمال المجلس النيابي المتّصلة بالشؤون العمرانية، بين عامي 2019 و2022 “السنوات الأصعب في تاريخ لبنان الحديث، حيث شهدنا انهيارًا ماليًا واقتصاديًا وحراكًا سياسيًا وتفجيرًا كبيرًا” بحسب استوديو أشغال عامّة. والثاني حول قرارات “المجلس الأعلى للتنظيم المدني” الذي يتضمّن تحليلًا جغرافيًا، كمّيًا، ونوعيًا لقرارات هذا المجلس بين عامي 2019 و2021.

أعمال المجلس النيابي من منظور العدالة المكانية

أصدر المرصد تقريره الأول عن أعمال المجلس النيابي المتعلّقة بسياسات الأرض حيث حلّل 107 قوانين في الشأن العمراني ليجمعها تحت العناوين التالية: إدارة الأراضي والتنظيم المديني: غياب العدالة الضريبية وتغذية الانقسامات، السكن: اقتراحات متفرّقة وحلول مؤقتة لأزمة متفاقمة، الموارد الطبيعية: ازدواجية التشريع بين حماية المواقع الطبيعية وتدمير البيئة، الأملاك العامة: الدولة تمهّد لخصخصة أراضيها، قطاع البناء: توزيع الخدمات الآنية بدلاً من تأمين الحقوق، البنى التحتية: سياسات تضرب القطاع العام وأخيرًا إعادة الإعمار بعد تفجير 4 آب: غياب الضمانات اللازمة للتعافي السليم. 

تعاونت أشغال عامة مع “المفكرة القانونية” في رصد القوانين لا سيّما من خلال المرصد البرلماني الذي يرصد جميع القوانين ومشاريع القوانين التي تطرح في المجلس النيابي ويصنّفها بحسب المواضيع ويعلّق عليها ويرصد النقاشات التي تجري في المجلس وفي اللجان. كما تعاونت مع مبادرة غربال لتوجيه طلبات الحصول على المعلومات إلى المؤسسات بناء على قانون حق الوصول إلى المعلومات. 

يخلص التقرير إلى أنّ غالبية القوانين والاقتراحات “لا ترتكز على أيّ خطة إصلاحية تتطرّق للأزمات التي يمرّ بها لبنان لا سيّما أزمة السكن. وتستخدم المَظالم التي طالت الناس منذ بداية الأزمة الاقتصادية والاجتماعية عام 2019 لتبرير التدمير المستمرّ للأرض والبيئة”. ويستنتج أنّ جميع القوانين المرصودة هي شكل من أشكال الخدمات بذريعة تلبية احتياجات الناس في الأزمة “بدلاً من الاستجابة للحق في التنمية الشاملة، والحق في بيئة سليمة، والحق في السكن”. 

والخلل التشريعي الذي تحدّثت عنه عبير سقسوق يتمظهر جيّدًا في نتائج التقرير حيث يتبيّن أنّ “جميع القوانين المرصودة تؤدّي إلى المزيد من التدهور البيئي، وتدمير الأراضي الزراعية وإلى إخضاع الأراضي بشكلٍ متصاعد للمضاربة العقارية. (…) وتمهّد للتفريط بالأملاك والمرافق العامة فتتسامح مع مُكدِّسي الثروات والأملاك في نقضٍ واضحٍ لكلّ ما يفرُضه مفهوم المصلحة العامة”. 

من الأمور التي نجح النظام السياسي في تحقيقها هو قتل أي مخيّلة لبديل

لقطة من العرض التوضيحي حول تقرير أعمال المجلس النيابي

مجلس الاستثناءات: أو كيف يساهم المجلس الأعلى للتنظيم المدني في إنتاج اللامساواة

التقرير الثاني الذي أصدره مرصد سياسات الأرض يتعلّق بقرارات المجلس الأعلى للتنظيم المدني للسنوات ما بين عامي 2019 و2021 وبلغت 1460 قرارًا %43.3 منها طلبات استثناء من أنظمة عامة.  

يستعرض التقرير بداية نبذة عن تأسيس المجلس وهيكليته وانتقاله بعد إلغاء وزارة التصميم التي أنشئ ضمنها عام 1962، ليكون ضمن مديرية تابعة لوزارة الأشغال العامة والنقل بعد الاجتياح الإسرائيلي عام 1982 ودخوله في دائرة المحاصصة السياسية وصولًا إلى إصدار قرارات لا تخرج إلى العلن والسبب واضح طبعًا كونها منحازة للمطوّرين العقاريين والسلطة الحاكمة. 

ويشرح التقرير الدور الذي يقوم به المجلس ومن ورائه المديرية العامة للتنظيم المدني حاليًا والمختلف عن الدور المنوط به (الذي يتمّ شرحه مفصّلًا في موضع آخر من موقع أشغال عامّة) محوّلًا التخطيط المدني من “أداة يمكن من خلالها ترتيب الحاضر من أجل مستقبل الجميع”، إلى “مجال نخبوي، وأداة مركزية لعمل الأحزاب الطائفية والسياسية والمستثمرين العقاريين، حيث ينوب هؤلاء عن المجتمع في تقرير ما سوف يجري في مناطقهم وعلى أراضيهم، وبالتالي في تقاسم الحصص وتوزيعها”.

وأثناء تحليل القرارات يلحظ التقرير الغياب التام لقرارات متعلّقة بتطبيق الخطة الشاملة لترتيب الأراضي اللبنانية الصادرة عام 2009 أو تنفيذها – وبالرغم من كون تنفيذ هذه الخطة من أبرز مهام المديرية العامة للتنظيم المدني ومجلسها الأعلى.

الناس لا تعرف مسبقًا ولا تعرف لاحقًا بقرارت المجلس

وفي تحليل الطلبات التي تصل إلى المجلس، يتبيّن أنّ نسبة مرتفعة منها طلبات استثناء لصالح مشاريع كبرى: 38% سنة 2019، إلى 45% في 2020، ثمّ 52% في 2021. وبحسب التوزّع الجغرافي، يرتفع عدد القرارات في بيروت مقارنة بالمناطق الأخرى ما يعني أنّ بيروت تحظى بالحصّة الأكبر من التنظيم مقارنة بسائر المناطق، وأنّ “المناطق غير المنظمّة ما زالت تخضع لإجراءات خاصة، تستجيب عادةً لمصالح فرديّة، بما يتناقض تمامًا مع المصلحة العامة”. ولكن طبعًا بعد تحليل القرارات يتبيّن أنّ نسبة مرتفعة منها (47%) “طلبات استثناء من الأنظمة العامة” لصالح مشاريع فنادق وأبنية تابعة لفنادق و”تراخيص لبناء خاضع لموافقة المجلس الأعلى” لصالح أبراج وأبنية مرتفعة يتخطّى ارتفاعها المسموح ولا تتناسب مع واقع الأبنية المحيطة.

وبعد التحقيق من بعض الاستثناءات وليس جميعها لتعذّر ذلك، وجد التقرير أنّها “كانت بهدف تمرير مشاريع لصالح المتموّلين والشركات العقارية وبعض الجهات السياسية. بمعنى أنّ المجلس الأعلى اتّخذ موقفًا فاعلًا، منحازًا وداعمًا لعمليات التطوير العمرانيّ”. ويستنتج بذلك أنّ المجلس الأعلى للتنظيم المدني أصبح “أداةً لتثبيت هيمنة قلّّةٍ من المستثمرين وممثّلي السلطة على السكّان، وتحكّمهم بإمكانية تواصل الناس مع بيئاتهم الطبيعية والاجتماعية والثقافية. ممّا يؤدّي عمليًّا إلى نتائج مدمّرة للبيئة المبنية بشكل يتعارض مع الصالح العام”.

وردًا على تعليق عن كون التقرير تقنيا جدًا، تشرح عبير أنّه موجّه إلى الفاعلين والفاعلات في المجال وتعيدنا إلى سبب إعداده من الأساس: “نحن عادة نجري الكثير من القراءات والتحليلات ونعدّ التقارير لتغذية المعرفة الداخلية لأنّها تمكّننا أكثر من أدوات التحرّك على الأرض، وتصقل خطابنا ليكون مؤثّرًا أكثر وفي إطار تحليلنا لقرارات المجلس توصّلنا إلى نتائج مهمة جدًا تتعلّق بالمناطق لم يكن ممكنًا عدم إصدار تقرير عنها”. 

وردًّا لسؤال “المفكرة” عن التصوّر المثالي لدور المجلس الأعلى للتنظيم المدني برأيها، تقول عبير إنّ “الأمر الأوّل الذي يجب أن يتوفّر لدى المجلس هو تأمين حق المعرفة وحق المشاركة وبالتالي فهو مطالب بنشر جميع قراراته في الجريدة الرسمية، وهو ملزم أصلًا به قانونيًا ولا ينفذه، الأمر الثاني مرتبط بالخلل التشريعي حيث أنّ التنظيم المدني لا يفرض على المجلس أن يشرك الناس المعنيين في صناعة القرار باستثناء مالكي الأراضي، وبالتالي لا يوجد ركيزة قانونية تسمع بمشاركة الناس وأخذ رأيهم. وهذا أمر كارثي لأنّه يعني أنّ التخطيط مُسقط”.

وتلفت إلى أنّ “التنظيم المدني اللبناني مأخوذ عن نظيره الفرنسي ولكن نسخة الستينيات وهي نسخة طوّرها الفرنسيون لتفرض استشارة الناس ومشاركتهم عبر جلسات استماع تجريها البلدية أو المؤسسة المعنية يرأسها قضاة حيث يتمّ الاستماع إلى الناس وتسجّل مواقفهم وحاجاتهم. وهذا لم يحصل في لبنان فالناس لا تعرف مسبقًا ولا تعرف لاحقًا بقرارت المجلس باستثناء مالكي العقارات في حال تخفيض استثماراتهم أي أصحاب المصارف، والمستثمرين والمطوّرين العقاريين وغيرهم”.   

وتستنتج أنّه “إذا توفّرت المعرفة المسبقة لدى الناس وكان في أيديهم القدرة القانونية على الاعتراض، يمكن خلق ديناميكية مختلفة جدًا لكيفية إجراء التنظيم المدني”.  

غياب تام لقرارات متعلّقة بتطبيق الخطة الشاملة لترتيب الأراضي اللبنانية
جانب من الحضور

الطاولة المستديرة: المناطق خزّان المظالم

 شارك الحضور من ناشطين وناشطات من المناطق، من الكورة وإهمج وصيدا وصور وطرابلس وحاصبيا وبعلبك وبيروت، في طاولة مستديرة تلت مؤتمر الإطلاق غطّت بعضًا من القضايا التي يعمل عليها “مرصد سياسات الأرض”، أي الموارد الطبيعية، إدارة الأراضي والتنظيم المديني، الممارسات المكانية والحراك الاجتماعي، إعادة الإعمار والتعافي، البنى التحتية، الأملاك العامة، قطاع البناء، والسكن. واستعرض كلّ من الناشطين/ات مشاكل مناطقه/ا. 

لماذا هذه المناطق تحديدًا، لأنّه بحسب نادين بكداش إحدى مؤسسات استوديو أشغال عامّة، “ينشط فيها أشخاص في مواضيع الأرض والعمران التي تصدر فيها قوانين أو قرارات تؤثّر عليها أو مشاريع كبرى”، فـ “الناس يصطدمون بتغيّرات في محيطهم، مثل البناء في الأحراش أو على الشاطئ أو صعوبة العودة إلى بيوتهم ومناطقهم بعد تفجير 4 آب ومشاريع تهجيرية”.

وفي تفاصيل المشاكل التي طرحت في الطاولة المستديرة، تشرح نادين أنّ إهمج مثلًا تواجه اليوم مشروعًا استثماريًا لشركات عقارية استفادت من استثناءات المجلس الأعلى للتنظيم المدني حيث تمّ البناء في أماكن حرجية وبالتالي تمّ القضاء على مناطق خضراء لغايات سياحية تجارية. في بعلبك جرى الحديث عن  المخططات لتحويل الأراضي الأميرية إلى أراضي ملك والمخططات التوجيهية التي أرادت للمدينة أن تكون سياحية (القلعة والبلدة القديمة) على حساب حاجات أهلها. وبالنسبة للكورة، فقد احتسب الناشطون قيمة الخسارة التي تكبّدها أهلها وهي بحسبهم 10 مليارات دولار بسبب شركات الإسمنت والمقالع. أما صيدا فتعاني من اختفاء البساتين نتيجة مشاريع تجارية وأوتسترادات، وحاصبيا تعاني من إهمال تاريخي وهي بأمسّ الحاجة إلى التنمية المستدامة، أما طرابلس فحضرت بأبنيتها المهددة بالسقوط وناسها الذين يواجهون الإخلاءات ما دفع استوديو أشغال عامّة إلى تشكيل لجنة الحق في السكن خاصة بالمدينة. أما بيروت فتواجه منذ سنين القضاء على المساحات العامّة: الشاطئ من خلال البناء والحدائق العامة من خلال قرارات المحافظ بإغلاقها. وكان هناك حصّة لصور والعمران الذي يأكلها بسبب الاكتظاظ وحاجتها الماسّة إلى مساحات خضراء وحديقة عامّة. 

تقول نادين إنّ هدف اللقاءات مع الناس والطاولة المستديرة في إطار مشروع مرصد سياسات الأرض، هو “التركيز على كيفية تطوير أدواتنا كباحثات وناشطات لنستخدم المعرفة في التغيير وترسيخ المشاركة مع المجتمعات المحلية أي الناس لتخيّل البديل، وكأداة أساسية لبناء خيال مشترك ومصالح مشتركة على أساس الاستخدام الأفضل والمستدام للموارد المحلية وتنميتها. فالتصاميم التوجيهية فيها تصبح أداة للنقاش والتفاوض والمصالحة بدل أن تكون أداة هيمنة على الأرض من قبل السلطة ورأس المال وأصحاب المشاريع العقارية”. 

ويدرج المرصد في إطار العلاقة التبادلية مع الناس آلية تبليغ هي الآن إلكترونية عبر الموقع وعبر التواصل المستمر مع الناس ومع مجموعات ناشطة على الأرض في المناطق يقوم عبرها برصد التعديات والمخالفات على الأرض. وتقول نادين إنّ “تجربة التبليغ التي بدأت مع مرصد السكن ناجحة جدًا لأنّ الناس تحتاج إلى جهة تثق فيها، تفكّر معها وتتحرك لتغيّر”.

انشر المقال

متوفر من خلال:

مقالات ، بيئة وتنظيم مدني وسكن ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، بيئة ومدينة ، مؤسسات عامة ، الحق في الحياة ، الحق في السكن ، أملاك عامة ، لبنان



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية