إشكاليات إنفاذ الاقتصاد الاجتماعي والتضامني: الدرب الشائك


2020-11-17    |   

إشكاليات إنفاذ الاقتصاد الاجتماعي والتضامني: الدرب الشائك
رسم لعثمان سلمي

مثّلت لحظة المصادقة على القانون الجديد للإقتصاد الاجتماعي والتضامني تتويجا لمسار طويل امتد لسنوات منذ 2011. حين طُرحت قضيّة مراجعة المنوال التنموي كأولويّة قصوى نظرا لارتداداته الاقتصادية والاجتماعية التي أفرزت التغيير السياسي الذي شهدته البلاد عقب 14 جانفي 2011. ورغم أن بلورة رؤية متكاملة لمشروع قانون ينظّم هذا القطاع قد استغرقت 5 سنوات، ومن ثمّ 4 سنوات أخرى من المفاوضات والتعديلات بين الجانب الحكومي والاتحاد العام التونسي للشغل من جهة، قبل أن تتمّ المصادقة عليه في 17 جوان 2020، إلاّ أن المسار الأصعب يكمن في الإنفاذ العمليّ لفلسفة الاقتصاد الاجتماعي والتضامني، وتجاوز المناخ التونسي المثقل بارتدادات السياسات التنموية السابقة ووضعية الهياكل المكوّنة للجزء الأكبر من نسيج الاقتصاد الاجتماعي والتضامني، إضافة إلى ضمان الاستقلالية المالية التي تمثّل الدعامة الرئيسية لنجاح المشروع من عدمه.

ولادة في الزمن الصعب

عرّت عشرات الدراسات والبحوث وحتى الأرقام الصادرة عن مؤسسات الإحصاء الرسمية، خلال العشريّة الأخيرة، أن المنوال الإقتصادي الذي انتهجته مختلف الحكومات المتعاقبة منذ حقبة السبعينيات قد خلّف أخاديد على المستوى التنموي بين مختلف جهات البلاد، وانتهك حقّ المواطنين في المساواة الاقتصادية والاجتماعية وعلى صعيد النفاذ إلى مختلف المرافق والخدمات، العمومية منها والخاصة. سياسات فرّخت إلى حدود بداية سنة 2020 ما يقارب 624 ألف شاب وشابة في حالة بطالة من بينهم 173 ألف من حاملي الشهادات العليا.

أمام الطريق المسدود للخيارات الاقتصادية التي اعتمدتها الدولة طيلة عقود، لم يكن الحلّ الذي جاءت به حكومات ما بعد 2011، سوى الهرولة نحو التداين لتصريف الاحتقان الاجتماعي والقفز على موجات المطلبية التي اجتاحت البلاد وشملت معظم القطاعات. خيار آخر أحكم إغلاق دائرة مفرغة من المديونية التي انعكست بدورها على مختلف المؤشرات الاقتصادية التي تدهورت بشكل سريع خصوصا خلال السنوات الخمس الأخيرة، فلم تُصرف الديون للتنمية ولا لإنتاج الثروة وتوفير فرض الشغل. وسط هذا المأزق، طرح الاتحاد العام التونسي العام التونسي للشغل سنة 2016، مشروع قانون للاقتصاد الاجتماعي والتضامني كطريق ثالث لتصريف الأزمة الاقتصادية والإجتماعية وبديلا عن قطاع عام مأزوم وقطاع خاصّ متعثّر.

بعد مسار تفاوضي وتشريعي طويل، صدر القانون عدد 30 لسنة 2020 المتعلق بالاقتصاد الاجتماعي والتضامني المؤرخ في 30 جوان 2020، ليمثّل الخطوة الأولى في تركيز هذا القطاع القديم – الجديد. إلاّ أن هذا القانون الوليد، رأى النور في لحظة تعيش فيها البلاد إحدى أسوأ الأزمات الاقتصادية في تاريخها المعاصر، والتي ستستمر ارتداداتها لسنوات. إذ وبسبب جائحة كورونا التي أفضت إلى فرض الحجر الصحي الشامل في تونس وفي اقتصادات معظم شركائها الاقتصاديين، دخلت البلاد في حالة انكماش اقتصادي غير مسبوق.

وضع عصف بمعظم المؤشرات الاقتصادية، حيث تراجع النمو الاقتصادي (على أساس الإنزلاق السنوي بأسعار السنة السابقة) بنسبة 21.6% خلال الأشهر الستة الأولى من سنة 2020 مقارنة بنفس الفترة خلال سنة 2019. إضافة إلى توقعات البنك المركزي التونسي بأن يشهد نموّ إجمالي الناتج المحلي حتى نهاية السنة الجارية تراجعا حادا مسجّلا -6.5%. كما تراجعت صادرات البلاد في جويلية 2020 ب 495.7 مليون دينار مقارنة بنظيرتها في سنة 2019. الارتدادات الاجتماعية لمثل هذه الأرقام، تمثلت في ارتفاع نسبة البطالة إلى 18% مع نهاية النصف الأول من السنة الحالية، مع توقعات بأن تصل إلى مستوى 21.6٪ مقارنة بـ 15.3٪ قبل بداية الجائحة. بمعنى أن الحكومة الجديدة ستجد أمامها ما يقارب 274500 عاطل جديد عن العمل مع نهاية سنة 2020. كما تشير الاحصائيات إلى أن معدل الفقر المالي سيرتفع من 15.2% إلى 19.2% خلال السنة الجارية، مما سيؤدي إلى انخفاض مستوى دخل حوالي 475000 مواطنا ووضعهم تحت خط الفقر.

إذن، يجد قطاع الاقتصاد الاجتماعي والتضامني نفسه منذ الوهلة الأولى أمام أعباء جديدة ووضعية اقتصادية تسير نحو مزيد من التدهور. ليحمّله المؤمنون به مسؤولية فتح ثغرة في الواقع المتأزم للبلاد وخلق البدائل على مستوى الحدّ من الاختلال الجهوي وخلق فرص الشغل في ظلّ جائحة ألقت بظلالها على أعتى الاقتصاديات في العالم. وإن كانت التجربة الأولى في ستينيات القرن الماضي قد جاءت في سياق بناء الدولة الفتية الباحثة عن منوال تنموي يؤسس لاقتصاد وطني قادر على تحقيق الاستقلالية الاقتصادية والسياسية في خضمّ ذروة التجاذبات الفكرية بين المعسكرين الإيديولوجيين المسيطرين على الساحة الدولية، فإن القانون الجديد يجد على عاتقه مهمّة إصلاح تراكمات خمسة عقود تقريبا من السياسات الاقتصادية التي تدور في فلك اقتصاد السوق وتركة مرهقة لتجربة التعاضد التي تركت خلفها نسيجا متكاملا من الهياكل والمؤسسات المنضوية تحت قطاع الاقتصاد الاجتماعي والتضامني.

يواجه القانون الجديد 5 عقود من سياسات تدور في فلك اقتصاد السوق وتركة مرهقة لتجربة التعاضد

الإرث الثقيل للتجربة الأم؛ الهياكل المهنية الفلاحية نموذجا

لئن كانت تونس تفتح صفحة جديدة مع قطاع الاقتصاد الاجتماعي والتضامني بمنظومة تشريعية تقطع مع الهيمنة الحكومية على هياكله، إلا أن هذه التجربة تجرّ خلفها نسيجا من مؤسسات وهياكل الاقتصاد الاجتماعي والتضامني التي ورثتها عن حقبة التعاضد في ستينيات القرن المنصرم، وخصوصا في القطاع الفلاحي. وتنقسم الهياكل المهنية الفلاحية الموروثة عن التجربة السابقة إلى الشركات التعاونية للخدمات الفلاحية، الوحدات التعاضدية للإنتاج الفلاحي المستغّلة للأراضي الدولية الفلاحية ومجامع التنمية في قطاع الفلاحة والصيد البحري.

ورغم أن هذه الهياكل المهنية تضطلع بمهام كبيرة على صعيد تقديم الخدمات للفلاحين، حيث تضطلع على سبيل المثال الشركات التعاونية للخدمات الفلاحية-وريثة التعاضديات من تجربة الستينيات-بتوفير مستلزمات العمل الفلاحي لحوالي 11% من الفلاحين، إضافة إلى تجميع وترويج حوالي ثلث كميات الحليب المجمع وجمع وخزن حوالي 45% من كميات الحبوب المجمعة وترويج ما يناهز 80% من منتوجات الكروم والقيام بعمليات المرافقة والإرشاد للفلاحين، إلاّ أن هذه الهياكل تعاني من عدّة صعوبات وإشكاليات تعيق تطوّرها وستلقي بظلالها على التجربة الجديدة للإقتصاد الاجتماعي والتضامني. حيث تعاني الشركات التعاونية ضعف نسبة الانخراط صلب هياكلها بحيث لا تتجاوز بالكاد 5% من إجمالي عدد الفلاحين في البلاد. كما تبرز خريطة التوزع الجغرافي لهذه المؤسسات محدودية تواجدها في المناطق الداخلية الأكثر تضررا من المنوال التنموي السابق، إذ تحتكر ولايات الشريط الساحلي 74% من مجموع الشركات التعاونية البالغ عددها 316 وحدة، بل ولا تتواجد في ولايات الشمال الغربي التي تعتبر مناطق فلاحية بامتياز، سوى 9.5% من هذه الهياكل. هذا وتعاني الشركات التعاونية من ضعف تنوع القطاعات الفلاحية المشمولة بنشاطها، حيث يمثل تجميع الحليب 34% من قائمة خدماتها. أما على مستوى المديونية، فتمثّل هذه النقطة إحدى أهم وأصعب مشاكل الشركات التعاونية، حيث بلغ إجمالي ديونها سنة 2019 ما يفوق 400 مليون دينار، يعود نصفها إلى تراكم الفوائد البنكية على القروض التي تلقتها هذه المؤسسات في وقت سابق.

ولا يختلف الوضع بالنسبة للوحدات التعاضدية للإنتاج الفلاحي المستغلّة للأراضي الدولية الفلاحية، حيث تراجع عدد الوحدات التعاضدية من 224 وحدة إلى 18 بين سنوات 1981 و2017. كما انحسرت مساحة الأراضي الدولية المستغلة من قبل هذه الوحدات التعاضدية من 237 ألف هكتار إلى 16 ألف هكتار خلال نفس الفترة. وفي هذا السياق، خلصت دراسة أعدها الاتحاد التونسي للفلاحة والصيد البحري في ماي 2020 إلى أنّ أهم التحديات التي تواجه هياكل الاقتصاد الاجتماعي والتضامني في تونس تتلّخص أساسا في؛ صغر المستغلات الفلاحية وتشتت الملكية، حيث تتكوّن 45% من المستغلات من قطعتين أو أكثر، إضافة إلى تقدّم سن المستغلين الفلاحيين، حيث تتجاوز أعمار 43% منهم الستّين سنة. أما على مستوى التكوين العلمي، فلم يكمل 84% من المنضوين ضمن الهياكل الفلاحية للاقتصاد الاجتماعي والتضامني المرحلة الابتدائية، وهو ما انعكس على تسيير هذه الوحدات. كما رصدت الدراسة ضعف التأمين التعاوني الذي لا ينفصل عن واقع التأمين الفلاحي ككلّ، إذ لم يتجاوز رقم المعاملات هذا الصنف سنة 2017 مبلغ 7.3 مليون دينار من جملة رقم المعاملات في هذا القطاع ككلّ، والذي بلغ 2088 مليون دينار أي بنسبة 0.36%.

نظريّا تبدو هذه المعوّقات المرتبطة بالوضع الراهن لهياكل الاقتصاد الاجتماعي والتضامني قابلة للمعالجة في إطار هيكلة شاملة تقوم بالأساس على توفير التمويلات والاعتمادات اللازمة لتصفية مختلف الإشكاليات المالية وتقديم دفع جديد للنسيج القائم ليتلاءم والمهام الموكلة إليه وفق التصوّر الجديد لدور هذا القطاع. لكنّ هذه النقطة بالذات، تمثّل الاشكال الحقيقيّ الذي قد يعيق إنفاذ هذا المشروع الطموح وتعبيد الطريق الثالث كما يُدرج على تسمية هذا القطاع.

إشكاليّة التمويل؛ أو منصّة الإطلاق المعطوبة

بحث القانون الجديد لمنظومة الاقتصاد الاجتماعي والتضامني عن تكريس استقلالية مالية عبر بإحداث بنك تعاضدي وفق نظام أساسي نموذجي يستند الى القانون الأساسي العام للتعاضد. ورغم أن هذه الخطوة تبدو نظريا مفتاح الحلّ لضمان تمويل مستقل ومستدام لمختلف المنخرطين ضمن هذه المنظومة، إلاّ أن إمكانية إنفاذها ما تزال تحتاج حيّزا من الزمن لا يقل عن خمس سنوات على الأقل. لكن المشرّع لم يقتصر على هذه الآلية فحسب، إذ تمّ التنصيص على فتح خطوط تمويل بصفة تفاضلية لدى المؤسسات البنكية التجارية لفائدة مؤسسات الاقتصاد الاجتماعي والتضامني. خيار يبدو صعب التحقيق على أرض الواقع نظرا لحالة الانكماش الاقتصادي وسياسة البنك المركزي في التعاطي مع معضلة التضخّم القائمة على رفع نسبة الفائدة المديرية التي تؤدّي بصفة آلية إلى تراجع حجم القروض وتقليل نسبة السيولة في السوق الماليّة. سياسة وإن نجحت نسبيا في كبح جماح موجة التضخّم، إلا أنها تنعكس بشكل مباشر على مستوى الاستثمارات والنموّ الاقتصادي الذي يرتبط مباشرة بنموّ مختلف القطاعات الأخرى. ولا يُستثنى قطاع الاقتصاد الاجتماعي والتضامني من هذه الارتدادات خصوصا مع تعاظم الشروط المجحفة للبنوك التجارية على مستوى القروض وصعوبة النفاذ إليها، خصوصا في القطاع الفلاحي. حيث لم يتجاوز تمويل المؤسسات البنكية للقطاع الفلاحي سقف 3% في سنة 2020 مقارنة ب 27% في القطاع الصناعي و70% لقطاع الخدمات. كما لم يحظَ الفلاّحون سوى ب3.5% فقط من إجمالي القروض المهنية للبنوك خلال السنة الجارية.

يبقى الرهان الأكبر بانتقال هذا القطاع من تجارب رائدة في بؤر جغرافية معزولة إلى نسيج متكامل من الهياكل الاقتصادية

أما فيما يتعلّق الخيار الثالث المتعلّق بدور الجماعات المحليّة في دعم الاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فلا يمكن التعويل عليه في الوقت الراهن نظرا للوضع المالي المتردّي للبلديات. فبالإضافة إلى النفقات الطارئة بسبب جائحة كورونا، تعاني أغلب البلديات من حالة عجز ماليّ متفاقم نتيجة ضعف نسبة الاستخلاص الجبائي التي لا تتجاوز عتبة 11% في بعض البلديات. أمّا على مستوى الموارد غير الجبائية فلا يقلّ الوضع سوءا بسبب محدودية الرصيد العقاري في عدد هام منها. كما يلقي الاختلال التنموي الكبير على المستوى الجهوي بظلاله على قدرة البلديات في المناطق الأكثر تهميشا وفقرا على دعم الاقتصاد الاجتماعي والتضامني كرافد تنموي لرفع الضيم الاقتصادي والاجتماعي عن تلك المناطق. إذ تتواجد 77% من البلديات بمعتمديات ذات مؤشّر تنمية محلّي أقل من0.5 مع تفاوت شاسع على صعيد تركّز المجال الحضري بحسب تقرير الإدارة العامة للجماعات المحلية. وبالتالي فإن المناطق الأكثر حظّا ستكون أكثر قدرة على تمويل مشاريع الاقتصاد الاجتماعي والتضامني الجديدة، بينما ستظلّ المناطق الأكثر حاجة إلى تفعيل هذه المنظومة عاجزة على رصد الإعتمادات الضرورية لتمويل الباعثين الجدد.

أما الخيار الأخير المتعلّق بتخصيص نسبة من الطلبات العمومية لفائدة مؤسسات الاقتصاد الاجتماعي والتضامني ومنح امتيازات جبائية ومالية حسب صنف المؤسسة وطبيعة نشاطها دون التقيد بجهة الانتصاب، فيظلّ رهين حضور الإرادة السياسية للمركز في دفع هذه التجربة قُدما، وبالتالي تعزيز ارتباط تطوّر هذه المنظومة برغبة السلطات العمومية وقدرتها على تخصيص الاعتمادات الضرورية، وهو ما يعني بشكل أو بآخر إمساك الطرف الحكومي بقضيّة التمويل وتهديد المبدأ الأساسي لفلسفة القانون الجديد وهو الاستقلالية المالية.

رغم الآمال الكبيرة التي يعلّقها المؤمنون والمنظّرون للاقتصاد الاجتماعي والتضامني بقدرة هذا البديل على التغلّب على ارتدادات المنوال التنموي الراهن، إلاّ أن مسار إنفاذ هذا القانون يبدو شائكا وصعبا في ظلّ التوقيت الذي رأى فيه النور وفي مواجهة التراكمات التي أفرزتها السياسات الاقتصادية للحكومات المتتالية. ويبقى الرهان الأكبر متعلّقا بتجاوز هذه العقبات والانتقال بهذا القطاع من مجرّد تجارب رائدة في بؤر جغرافية معزولة إلى نسيج متكامل من الهياكل الاقتصادية القادرة على إنتاج الثروة وتحقيق الاستقلالية المالية وخلق أنماط إنتاج وتسويق جديدة تقطع مع الآليات المعتمدة وتفرض وجودها على قطاع عام يأبى التخلّي عن عقله السياسي والتخطيطي المركزي وقطاع خاصّ يرفض المنافسة وكسر قواعد اللعبة السائدة.

نشر هذا المقال بالعدد 19 من مجلة المفكرة القانونية | تونس | لقراءة العدد اضغطوا على الرابط أدناه:

الاقتصاد الاجتماعي والتضامني بين زمنين

لقراءة المقالة  مترجمة إلى اللغة الإنكليزية

انشر المقال

متوفر من خلال:

اقتصاد وصناعة وزراعة ، البلد ، تونس ، حقوق العمال والنقابات ، سياسات عامة ، عمل ونقابات ، مجلة ، مجلة تونس



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *