إسرائيل قتلت خليل وزباد في شبعا: عاشا سويًّا وماتا سويًّا


2023-10-19    |   

إسرائيل قتلت خليل وزباد في شبعا: عاشا سويًّا وماتا سويًّا

“اطمئنّوا، إن متنا سنموت شهداء وستعلمون من قَتَلنا”. كانت تلك العبارة آخر ما قاله خليل علي ذو الستّة والسبعين عامًا لنجله أسعد الذي اتصل به حين علم أنّ قصفًا إسرائيليًا استهدف محيط منزل والده في قرية شبعا جنوب لبنان. وتروي ريما زوجة أسعد لـ “المفكرة القانونيّة”، أنّ “الاتصال قُطع وعلمنا بعدها أنّ الحاج والحاجّة توفيا”. والحاج والحاجّة هما خليل وزوجته زباد العاكوم اللذان أصرّا على البقاء في المنزل على الرغم من المخاطر جرّاء بدء القصف الإسرائيلي على المناطق الحدودية بالتزامن مع العدوان الإسرائيلي على غزّة الذي بدأ في 7 تشرين الأول 2023.  ويروي يحيى شقيق خليل أنّ “جيران شقيقي نقلوا لي أنّهم رأوه على الشرفة يتحدّث على الهاتف ثم دخل إلى المنزل قبل أن يستسهدف صاروخ إسرائيلي الشرفة”. ويعتقد يحيى أنّ شقيقه توفي في تلك اللحظة مع زوجته. 

كان ذلك يوم السبت في 14 تشرين الأول 2023 الساعة نحو الثالثة ظهرًا حين حصل الاعتداء أي بعد نحو ساعتين من انتهاء تشييع المصوّر الصحافي في وكالة رويترز عصام عبدالله في بلدة الخيام الحدودية التي تبعد عن شبعا حوالي نصف ساعة. فودّع الجنوبيون عبدالله، وعند الساعة الثالثة عصرًا قتلت الصواريخ الإسرائيليّة خليل وزباد الصامدين في منزلهما بخمسة صواريخ في جريمة حرب أخرى تُضاف إلى جرائمها ضدّ المدنيين والصحافيين. ويقع منزل خليل وزباد على أطراف بلدة شبعا وهو آخر منزل في شرق البلدة، كان قد بناه خليل عام 2019 وقرّر إمضاء ما تبقى من حياته فيه مع زوجته زباد. 

الحاج خليل علي وزوجته الحاجّة زباد العاكوم

“بفضله أكملت تعليمي”

خليل أب لثلاثة أبناء وابنة من زواجه الأوّل وهم أسعد ومحمد وزياد وفاطمة، خسر ابنه زياد قبل 21 عامًا وابنته فاطمة قبل نحو 13 عامًا بسبب المرض. أمّا الحاجّة زباد العاكوم، وهي زوجة خليل الثانية، فولدت في بسابا في الشوف عام 1945، وتزوجت خليل قبل 25 عامًا بعد انفصاله عن زوجته الأولى لكنها لم ترزق منه بأولاد وتعاملت مع أولاده كأنّهم أولادها. تعتبرها زوجة أسعد ريما العاكوم بمثابة “حماتها”، وتقول إنّها “كانت محبّة وكريمة وحريصة علينا. لم أشعر يومًا معها إلّا أنّني فرد من العائلة”. 

ولد خليل المعروف بعشقه لبلدته شبعا، عام 1947 أي مع بدء الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، وشهد على السنوات الأولى لإنشاء الكيان الإسرائيلي وعلى جرائمه التي ارتكبها في لبنان. وهو ابن عائلة عملت في الزراعة في مزارع شبعا وعانت ما عانته من الاحتلال، كما واجهت العائلة نظام الإقطاع الذي كان مسيطرًا في الجنوب قبل الاحتلال الإسرائيلي. 

وفيما لا تزال العائلة تُحاول استيعاب الخسارة، يقول يحيى، شقيق خليل، إنّه يشعر بالفخر لأنّ شقيقه سقط شهيدًا. ويروي أنّ لشقيقه الفضل في استكماله تعليمه: “كانت العائلات الإقطاعية مسيطرة في الجنوب وفرص التعليم منعدمة وأوضاعنا الاجتماعية صعبة”. يُتابع: “لم يعد بإمكان والدي استكمال تعليمي، لكنّ خليل رفض أن أترك الدراسة وقرّر النزوح إلى بيروت ليعمل ناطورًا في مبنى سكني، وكان يتقاضى ثمانين ليرة لبنانيّة يُرسل إليّ نصفها كلّ شهر”. فبدعم من خليل، تمكّن يحيى من إنهاء دراسته والعمل في التعليم قبل أن يؤسس لاحقًا مع رفاقه “هيئة أبناء العرقوب” التي قاومت الاحتلال الإسرائيلي، وكان خليل مستمرًّا بدعمه ماديًا مؤمنًا بقضيته. فعام 1979 قاد يحيى انتفاضة بوجه الاحتلال، عبر إصدار البيانات والوقوف بوجه الجنود الإسرائيليين، وتعليم طلّابه أهمية المقاومة، فاعتقله الاحتلال مرّتين، مرّة لأسبوع ومرّة ثانية مع رفيقه الراحل د. محمد حمدان لثلاثة أشهر في سجن الخيام قبل أن ينفيهما لاحقًا من القرية. ويعتبر يحيى أنّ دعم خليل له كان شكلًا من أشكال النضال والمقاومة، مشيرًا إلى أنّه استمرّ في دعمه متنقّلًا بين أشغال عديدة، حيث عمل أوّلًا ناطور بناية في بيروت، ثم بائع قهوة متجوّلًا في شوارعها، وثمّ بعد التحرير عام 2000 عاد إلى قريته ليسكن فيها وفتح يومها محّلًا لبيع قهوة وكان مصدر رزقه حتّى كبر أولاده وأكملوا دراستهم ودخلوا سوق العمل وتزوّجوا.  

قبل ثلاثة أيّام من الاعتداء الإسرائيلي، زار يحيى شقيقه خليل ورجاه أن يأتي معه إلى منزله الذي يقع في وسط البلدة، لكنّه رفض. وكذلك فعلت ريما زوجة ابنه أسعد، وهي أيضًا قريبة زباد من ناحية والدها، حيث “اتصلت بالحاجّة وطلبت منها النزول إلى بيروت فأجابتني: نعيش سويًّا ونموت سويًّا”. 

الأضرار في منزل خليل وزباد

‎إسرائيل تهدف لتهجير سكّان شبعا 

يعتبر يحيى أنّ قصف منزل شقيقه له هدفان: “الأوّل هو تهجير أهالي شبعا عملًا بمبدأ تفريغ القرى الحدوديّة من سكّانها”، و”الثاني استهداف شبعا في مسعى لقلب أبناء البلدة على حزب الله واتهامه بأنّه يُطلق الصواريخ من بين المنازل” وهو أمر ينفيه يحيى الذي لا يزال في منزله في شبعا مؤكدًا على صموده رغم أنّ الاشتباكات بين حزب الله وإسرائيل تحصل يوميًا على الأراضي الحدودية، كما أنّ البلدة تعرّضت للقصف أكثر من مرّة منذ بداية العدوان على غزّة. ويقول: “نحن لا نترك قرانا، لن نترك شبعا لتحتلها إسرائيل والتي تستمر باحتلال أراضينا في مزارع شبعا منذ العام 1967، والصمود في أرضنا هو أضعف الإيمان”. ويُضيف: “صحيح أنّ الخطر موجود، لكننا لن نترك أرضنا. لسنا أكثر أهمية من المقاومين، ونحن جزء من الوطن والأمة علينا ما علينا ولنا وما لنا من الأمة”. 

 وكانت “هيئة أبناء العرقوب” نددت بـ “القصف الهمجي الصهيوني على المدنيين في شبعا والعرقوب والذي أدى إلى استشهاد الحاج خليل أسعد علي وزوجته زباد العاكوم”. وشرح البيان أنّ الشهيد علي “كان من المناضلين في صفوف الهيئة إلى جانب شقيقه الأخ المناضل يحيى علي”. وطالبت الهيئة من الحكومة اللبنانية رفع شكوى أمام مجلس الأمن الدولي والمحكمة الجنائية الدولية ضد العدو على جريمته، مؤكدة أنّ دماء الشهيد خليل علي وزوجته وقبلهما الشهيد المصور الصحافي في وكالة رويترز عصام عبدالله، ستنتصر على العدو وتضيء الطريق لتحرير مزارع شبعا وتلال كفرشوبا وكافة الأراضي المحتلة”.

انشر المقال

متوفر من خلال:

الحق في الحياة ، لبنان ، مقالات ، فلسطين



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية