إستقالة بيفاني تطرح سؤالا كبيرا حول “موجب التحفظ”: تشريعات واجتهادات لتغليب واجب الكشف عن الفساد


2020-07-08    |   

إستقالة بيفاني تطرح سؤالا كبيرا حول “موجب التحفظ”: تشريعات واجتهادات لتغليب واجب الكشف عن الفساد

بتاريخ 29 حزيران 2020، قدّم مدير عام وزارة الماليّة ألان بيفاني إستقالته إلى وزير الماليّة، ونظّم بعدها مؤتمراً صحافياً ليشرح أسبابها، مبرّراً إياها باعتراضه على المسار المتخّذ في التعاطي مع الأزمة الإقتصاديّة والمالية وفي المشاورات مع صندوق النقد الدولي. كان مؤتمره الصحافي غنياً بالأرقام والمعلومات حول توجهّات السلطات السياسيّة لتحميل كامل الأعباء المتأتية عن الأزمة للشعب. ومن الملاحظ إذاً أن كشف هذه المعلومات لم يأتِ إلّا بعد إستقالة ألان بيفاني من وظيفته العامّة. وبرّر المدير العام السابق ذلك “بالصمت الذي يفرضه قانون الموظّفين“، أي بموجب التحفظ الذي يقع على عاتق الموظفيّن العموميين،  طالبا في إستقالته إعفاءه “من جميع المهام الموكلّة إليّ بحكم وظيفتي” حسب ما صرّح به في بداية مؤتمره الصحافي. ويثور هنا سؤال حول طبيعة موجب التحفّظ ونطاقه، الذي من شأنه أن يقيّد إمكانيّة الموظفين العموميين إنتقاد عمل الإدارة أو حتى إستنكار أعمال غير قانونيّة. وما يزيد من أهميّة هذا السؤال هو ما جاء في تصريح ألان بيفاني الذي استنكر عدم تحريك ساكن لاستعادة “ما أخذ من الناس، أحيانا مخالفة للقوانين ومخالفة للحقّ والمنطق وسرقة للأموال العامّة”. فإذا كان بيفاني على علم بهذه المخالفات، ألم يكن يإمكانه أو حتى عليه إعلام السلطات المعنيّة أو الرأي العام كما فعل في مؤتمر الصحفي، بالرغم من موجب التحفّظ الملقى على عاتقه؟

يقتضي إذاً فهم نطاق موجب التحفظ الذي يقع على عاتق الموظفين العموميين، وكيفية التوفيق بينه وبين الموجبات الأخرى الملقاة على عاتقهم، منها مسؤوليّتهم في الحفاظ على الشرعيّة وعدم القبول بالأعمال غير القانونيّة، وبشكل خاص بالأعمال الجنائيّة.

موجب التحفّظ: كي تبقى مشاكل الإدارة “داخل البيت”

تكرّس المادة 15 من نظام الموّظفين موجب التحفّظ، فتحظر على الموظّف “أن يلقي أو ينشر بدون إذن كتابي من الوزير المختص خطيا أو مقالات أو تصريحات أو مؤلفات في جميع الشؤون”، كما “أن يبوح بالمعلومات الرسمية التي اطلع عليها أثناء قيامه بوظيفته، حتى بعد انتهاء مدة خدمته، إلا إذا رخّص له بذلك الوزير المختص”. وقد استُوحيَ هذا الموجب من إجتهاد مجلس شورى الدولة الفرنسي الذي كرّسه منذ 1935[1]. ورفض المشرّع الفرنسي عدّة مرّات أن يقونن هذا الموجب، ليس إنكارا لأهميّته، بل لأنّه يعتبر أنّ من الأفضل أن يبقى هذا الموجب إجتهادياً[2]، ويتمتّع القاضي بسلطة إستنسابيّة لتفسيره وتقدير ما إذا كان تصريح ما يشكّل مخالفة له ويستدعي عقوبة تأديبيّة أم لا، بالنظر لوقائع كلّ قضيّة. فللقاضي مثلاً أن يأخذ بعين الإعتبار رتبة الموظّف ومدى تأثير التصريح أو الخروج إلى العلنيّة على الإدارة.

يحظّر إذا على الموظّف ضمن نطاق هذا الموجب التقدّم بمعلومات قد يجمعها خلال اضطلاعه بالخدمة إلى من لا يتنتمي إلى الإدارة ذاتها، ما يحمي سمعة الإدارة المعنيّة ومصالحها. وينسحب المنطق نفسه، أي إبقاء مشاكل الإدارة داخل الإدارة، بالنسبة إلى الآليّات الملحوظة في نظام الموظّفين في حالة توجيه تعليمات وأوامر غير قانونيّة إلى الموظّف. فتنصّ المادة 14 من هذا النظام أنّه وفي حال يعتبر الموّظّف أنّ التعليمات أو الأوامر المعطاة له غير قانونيّة، عليه أن يلفت نظر رئيسه خطياً إلى المخالفة الحاصلة، كما أنه لا يُلزم بتنفيذ هذه الأوامر والتعليمات. ويُعتبر المرؤوس مسؤولاً في حال تنفيذها. وإذا أصرّ الرئيس على هذه الأوامر والتعليمات، فعلى المرؤوس أن يرفع وفقاً للتسلسل الإداري الخلاف إلى الوزير للبت فيه نهائياً. أما إذا كان الخلاف بين الوزير والمدير العام فيعرض الوزير الخلاف على مجلس الوزراء، بعد استطلاع رأي مجلس الخدمة المدنية، للبت فيه نهائياً.

يتّضح إذاً أن روحية هاتين المادتين هي الإبقاء على المشاكل داخل الإدارة. ويحظّر في الإتجاه نفسه على الموظّف أن يتوجّه إلى من لا ينتمي للإدارة ليضيء على مكامن الخلل في عملها، حتى عندما تتّسم بمخالفة القانون. بهذا المعنى، يسمو وفاء كلّ موظّف للإدارة التي ينتمي إليها على ولائه للمصلحة العامّة والمجتمع الذي يفترض أن يخدمهما. وذهب ألان بفاني في هذا الإتجاه في تصريحه، إذ أكّد أن “في الماضي قلت أشياء أكثر مما يسمح به قانون الموظفين ولكنني حريص دائما على الإلتزام بالقانون. ولم يكن لبوحي أصداء. فقد حصلت العديد من المشاكل التي لم أبح بها للعلن وليس من المفترض أن أبوح بها لأن الامور هكذا تصير”.

ومن شأن هذا النظام أن يحصر المعرفة بمخالفات عديدة أو الإثباتات عليها داخل ردهات الوزارة. فيتعرّض كلّ من يخالف هاتين المادتين إلى عقوبة تأديبيّة. وهذه العقوبة قد تدفع العديد من الموظّفين إلى السكوت والمشاركة في إخفاء الأعمال المخالفة للقانون.

ويُطرح السؤال هنا: هل تعلو مصلحة الإدارة وموجب التحفّظ على إحترام القانون والمصلحة العامّة؟ أليس من المفترض تشجيع – بل أكثر من ذلك – وضع موجب على عاتق الموظّف في الكشف عن المخالفات للقانون؟ ويلحظ القانون اللبناني حالياً مثل هذا موجب في حالة معيّنة من مخالفة القانون، وهي علم الموظّف بارتكاب جنحة أو جناية.

الإستثناءات على موجب التحفّظ: موجب الكشف عن الجنح والجنايات وجرائم الفساد

إلى جانب مخالفات القانون “العاديّة” أو التي لا تشكّل جرماً، والتي تقع ضمن نطاق موجب التحفّظ، يلحظ القانون اللبناني حالة يتعين فيها على الموظّف الخروج عن صمته وعدم إحترام موجب التحفّظ، وهي الحالة المنصوص عليها في المادة 399 من قانون العقوبات. فتنصّ هذه المادة أنّ على “كلّ موظّف أهمل أو أرجأ إعلام السلطات ذات صلاحيّة عن جناية أو جنحة عرف بها في أثناء قيامه بالوظيفة أو في معرض قيامه بها عوقب بالغرامة المحدّدة أعلاه [عشرين ألف إلى مائتي ألف ليرة]”. وتشكّل هذه المادة مرادفاً للمادة 40 من قانون العقوبات الفرنسي. في هذه الحالة، يتعرّض الموظّف الذي لم يخرج عن موجب التحفّظ ولم يعلم السلطات المعنيّة، أي النيابات العامّة، لعقوبة جزائيّة. وتنطبق هذه المادة مثلاً على الحالات التي على الموظّف الكشف عن ارتكاب جريمة فساد أو رشاوى أو متاجرة بالنفوس أو غيرها من الأعمال المعاقبة عليها جزائيا.

في هذه الحالات، قد يعتبر الموّظف أنّه أمام خيارين: إمّا أن يخالف موجب التحفّظ ويتعرّض إلى عقوبة تأديبيّة، وإمّا أن يسكت عن مخالفة قانونيّة تؤسس لجنحة أو جناية ويتعرّض لعقوبة جزائيّة قد تتبعها عقوبة تأديبيّة. غير أنّ هذا المنطق لا يستقيم كون إعلام النيابات العامّة بوقوع جرم أو جناية لا يشكّل مخالفة لموجب التحفّظ، بل إستثناءً يلحظه القانون لهذا الموجب. وما يعزّز هذا التفسير هو أنّ هذا الخروج عن موجب التحفّظ مشروط وغير علني: فهو يتعلّق فقط بإعطاء معلومات إلى النيابات العامّة دون سواها، ولا يمكن أنّ يشكّل ذلك تشهيراً أو إساءة للإدارة أو المرفق العام.

رغم ذلك، قد يخشى الموظّف أنّ يتسبّب لجوؤه إلى النيابات العامّة بإنتقام مرؤوسيه منه، مما يدفعه إلى إلتزام الصمت وكتم المعلومات التي قد يملكها بشأن ارتكاب مخالفات قانونيّة. في هذا السياق، أتى القانون 83/2018 لحماية كاشفي الفساد، ليُكرّس نظاماً حمائياً للموظفين الذين يريدون الكشف عن عمل يثبت أو يساعد على إثبات جريمة فساد. ويشكّل هذا القانون إذاً إستثناءً ثانياً لموجب التحفّظ، محصوراً بالكشف المتعلّق بأعمال فساد. وإن كان يستفيد من هذه الحماية حصراً من يقوم بإعلام الهيئة الوطنيّة لمكافحة الفساد دون غيرها من السلطات أو الأشخاص، أدخل تعديل بموجب القانون 182/2020 أدى إلى توسيع الحماية ليشمل من يتقدّمون بكشفهم إلى النيابة العامّة (نظرا إلى التأخّر في إقرار قانون مكافحة الفساد الذي ينشئ هيئة مكافحة الفساد، والتأخّر في إنشائها وإعطائها الإمكانات البشرية والمادّية لمباشرة عملها).

نجد إذا إستثناءين لموجب التحفّظ: أحدهما إمكانيّة الكشف عن الفساد أمام الهيئة الوطنيّة لمكافحة الفساد والنيابات العامة، والآخر موجب إعلام النيابات العامّة  بأي جنحة أو جريمة يدري بها الموظّف. لكن هل يمكن للموظّف أن يخالف موجب التحفّظ في غير هذه الحالات؟ وخصوصاً هل له أن يلجأ إلى الإعلام لفضح معلومات بحوزته، لا سيّما في حالة تمنّع السلطات المشار إليها أعلاه (الهيئة الوطنيّة لمكافحة الفساد والنيابات العامّة) عن التحرّك على أساس المعلومات التي تقدّم بها الموظّف؟

تقاعس السلطات المعنيّة يعفي من موجب التحفّظ

يصطدم موجب الإعلام عن الجنايات والجنح والفساد بعقبة يصعب التغلّب عليها في الوقت الحاضر وهي ضعف استقلالية النيابات العامّة، التي تبقى شديدة التسييس، مما يضعف من إمكانية تحرّكها لدى وجود شبهات بالفساد. من جهة أخرى، تأخّر كما أشرنا أعلاه تشكيل هيئة مكافحة الفساد التي أنشئت أصلاً بموجب قانون صدّق عليه بعد أكثر من سنة من إقرار قانون حماية كاشفي الفساد.

أبعد من ذلك، يمسّ موجب التحفّظ بحريّة مصانة في الدستور وهي حريّة التعبير. كما أنّه يعيق حق الوصول إلى المعلومات ومبدأ الشفافيّة الذي من المفترض أن يحكم الإدارة العامّة. كما أن مبدأ الشرعية الذي يجب أن يصون الإدارة يتعارض مع إبقاء أعمال مخالفة للقانون بحجّة موجب التحفّظ. مؤدّى ذلك أنه يقتضي أن يفسّر هذا الموجب بشكل ضيّق.

في هذا السياق، وبالنظر إلى هذه الإعتبارات، أصدرت المحكمة الأوروبيّة لحقوق الإنسان قراراً تجيز فيه للموظفين الخروج عن موجب التحفّظ واللجوء للإعلام للإفشاء عن معلومات أو أعمال تتعلّق بالفساد أو مخالفات أخرى للقوانين والأنظمة[3]. وقد أحاطت المحكمة هذه الإمكانيّة ببعض الشروط: أوّلها ألا يحصل هذا اللجوء إلى الإعلام قبل أن يحاور الموظّف إدارته بشأن الأعمال الذي لا تتماشى وضميره. فلا يمكن إذاً له أن يفضح أعمال الإدارة إلّا في حال تقاعس هذه الأخيرة والسلطات المختصّة الأخرى عن التحرّك على أساس هذه المعلومات. كما إشترطت المحكمّة حسن نيّة الموظّف، وألا يقوم بالإفشاء عن المعلومات فقط بنيّة إلحاق الضرر بإدارته أو مرؤوسيه، وأن تخدم المعلومات التي تمّ إفشاؤها المصلحة العامّة. ومن شأن هذا الاجتهاد أن يوفّق بين عدم التشجيع على فضح الإدارة وعدم إعاقة إفشاء معلومات تهمّ المصلحة العامّة.


[1] Conseil d’État français, 11 janv. 1935, Bouzanquet

[2] Anicet Le Pors, Compte rendu intégral des débats à l’Assemblée nationale sur le projet de loi portant droits et obligations des fonctionnaires, 2e séance, 3 mai 1983

انشر المقال

متوفر من خلال:

اقتصاد وصناعة وزراعة ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، لبنان ، مقالات



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *