إستعادة الحيّز العام ودوره في إنتاج الثورة


2019-11-06    |   


أحد أبرز المكاسب التي حقّقتها حركة 17 تشرين الأوّل – أو الثّورة – في لبنان هو استعادة اللبنانيّين للحيّز العام في كلّ المناطق التي عمّت فيها الإحتجاجات، متخطّيةً بذلك للمرّة الأولى منذ عقود مركزيّة العاصمة. وبرز دور المساحات العامّة ليس فقط ككيانٍ مادّيٍ ومكانيّ تجري فيه الأحداث، وإنّما كمكوّنٍ سياسيٍّ أساسيّ في إنتاج الثورة واستمرارها وتأجيجها. فخلال الثورة، لا يقتصر الحيّز العام على الساحات أو الحدائق أو كلّ مساحة عامّة بفعل وظيفتها المدينيّة وموقعها وإنّما أصبحت مناطق بأكملها فضاءً عامًّا يتكوّن فيه الرأي السياسي وتجري فيه النقاشات. لذلك، ينعكس التنازع بين الأطراف السياسيّة صراعًا مكانيًّا في المدينة: من يحتلّ الساحات؟ من يفرض سلطته على الشارع والحركة فيه؟ من يهيمن على المشهد البصري للمدينة من خلال الصور والأعلام والجدرانيّات؟

يُعرف الحيّز العام بالإطار الإجتماعي للتواصل الحر دون قيود الرقابة حول كل ما يتعلّق بالثقافة والمجتمع وكل ما هو موضوع نقاش عام. ومنذ حقبة التنوير في القرن الثامن عشر، ينظر إلى الحيّز العام على أنّه منظّم فكري يقضي إلى التنظيم الذاتي الحر والعقلاني للمجتمع وإلى تحسين الدولة، ممّا يحدّ من سـوء إستخدام السلطة (بيركنر وميكس، 2014). وللمساحات العامّة دورٌ أساسيٌّ في تعزيز الديمقراطيّة فهي تنظّم وتسهّل التفاعل الإجتماعي وتشكّل مركزًا للمجتمع المدني، فهناك يتكوّن الرأي العام ليوازي السلطة السياسيّة.

وتأكيدًا على ذلك، نعود إلى تعريف مفهوم “الفضاء العام” في الفلسفة السياسيّة : الحيّز العام هو الذي يعتبر مكانًا للنقاش السياسي والممارسة الديمقراطيّة، وهو بفعل ذلك أحد أدوات وأشكال التواصل؛ وهو المكان الذي تتطوّر فيه شخصيّة المواطن باعتباره أساس كل الشرعيّة السياسيّة (يورغن هابرماس، 1962). والفضاء العام هو مساحة مجرّدة وسياسيّة تنتجها التبادلات اللفظيّة المباشرة وغير المباشرة بين المواطنين المعنيّين بالشؤون العامّة، فإنّ صوت المواطن هو الذي يُظهِر المجال العام (تييري باكو،2009). وبذلك، أصبح ظهور الأهمّية المكانيّة للحيّز العام الشرط المسبق لظهور ديمقراطيّة تداوليّة يكون فيها كل قرار شرعي فقط إذا سبق ذلك نقاش عام.

تذكّرنا التظاهرات والإحتجاجات العارمة منذ 2015 والتي بلغت أوجّها في حركة 17 تشرين الأوّل بأهمّية المساحات العامّة شبه الغائبة في لبنان والتي تزدهر على وقع القضايا الملحّة التي تُشعلها. وأنجح هذه المساحات هي التي تنشأ عـفـويًّا وتــنمو غالبًا من أكثر الأنشطة العشوائيّة أو المنظّمة عضويًا وتلقائـيًّ. وخير دليلٍ على ذلك سـاحـات لبنان التي أُفرغت من جوهرها منذ انتهاء الحرب والتي استعادها اللبنانيّون في حراكهم المطلبيّ، فتحوّلت مناطق بأكملها إلى ساحةٍ عامّة لامتناهية بشوارعها ومواقفها واتّصال ساحاتها بعضـها ببعض.

إتّخذت إستعادة الحيّز العام أشكالًا مختلفة: مكانيّة (إحتلال الساحات والطرقات) وفكريّة (إطلاق الشعارات وتنظيم حلقات النقاش) ورمزيّة (الدخول إلى التياترو الكبير بعد إزالة سياج موقع البناء) وفـنّية (غرافيتي وموسيقى) ومشهديّة (السلسلة البشريّة أو تحويل الرينغ إلى منزل مُدرج على موقع Airbnb). ونتج عن ذلك مكاسب إجتماعيّة عـديـدة، نـتـناول بعضًا منها في ما يلي.

تفعيل الدور السياسي والإجتماعي للمساحات العامّة

منذ انتهاء الحرب، تغيب المساحات العامّة من السياسات التخطيطيّة الموجّـهة بفعل الأسعار المرتــفـعة للعقار فـتـنحاز إلى تكـثيف التطوير العقاري والمضاربة متناسيةً ضرورة المساحات العامّة والمراكز المجتمعيّة في أي مخطّط مديني. وخير مثال على هذا سياسات مرحلة إعادة الإعمار أكان من خلال مشاريع ردم البحر الكبرى (مثلاً في الضبيه والنورماندي) أم في خصخصة وسط بيروت وترتيب محيط ساحة الشهداء لتصبح محاطة بأبنية تجاريّة وسكنيّة فاخرة. ويشكّل ذلك انعكاسًا للإقتصاد النيوليبرالي من جهة كما ومحاولة للسيطرة والتلاعب بالفضاء العام لتحويله إلى ساحة إستهلاكيّة مصطنعة من جهةٍ أخرى. نتيجةً لذلك، تحوّلت مساحات التلاقي في المدينة من العام إلى الخاص متمثّلةً بالمطاعم والمراكز التجاريّة (المول) والمنتجعات البحريّة؛ وبرز دور المولات كمساحة عامّة بديلة مركزيّة منذ أواخر التسعينيات لاحتوائها على تعدّديّة في النشاطات ضمن بيئة آمنة (سينما، مطاعم، أماكن ترفيهيّة للأولاد، الخ.) (نزّال وشيندر، 2018).

غيّرت الإنتفاضة التشرينيّة هذه الصورة النمطيّة عبر استعادة الساحات العامّة التاريخيّة (ساحة الشهداء، رياض الصلح، ساحة عبد الحميد كرامة “ساحة النور”…) وتفعيل دورها الإجتماعي الحقيقي في تلاقي الناس وتعزيز المواطنة وتكوين الرأي العام، فانتشرت حلقات النقاش والجلسات التعليميّة العامّة حول قضايا إقتصاديّة وحقوقيّة وسياسيّة مُخرجةً بذلك قاعات المحاضرات من الجامعات إلى الشارع. وساهمت هذه النقاشات في توضيح وبلورة مطالب الناس كما والدفاع عن قضايا مجتمعيّة مهمّة لتكوين رأي عام مطّلع، باستطاعته أن يحاسب. وفي بيروت بشكلٍ خاص، أعادت إستعادة الساحات الحياة للوسط التجاري الجامد والأشبه بديكور مسرحي جميل عوضًا عن مدينة حيّة مع تعدّد النشاطات وانتشار البسطات الصغيرة والبائعين المتجوّلين ضمن تنظيمٍ عضوي لمختلف المجموعات، كلّ منها يتّخذ زاوية من المدينة.

ويندرج الفضاء العام الذي أنتجته الثورة ضمن أربع فئات:

  • الساحات والحدائق العامّة المتوافرة (مثلًا ساحة الشهداء، حديقة جبران خليل جبران…)
  • المستديرات (مثلًا ساحة ساسين، ساحة النور)
  • الطرقات العامّة والأوتوسترادات
  • المباني الثقافيّة المتروكة في وسط بيروت كمبنى التياترو الكبير ومبنى السيتي سنتر المعروف بالبيضة الذي حشد مساحات نقاش واسعة.

كسر هيمنة الزعامات على الخطاب والمشهد المديني

معظم المساحات العامّة احتلّتها الصراعات الطائفيّة والسياسيّة، والـشّعارات الإيديولوجيّة والرموز الدينيّة التي أخضعت الفضاء العام بفعل “القوّة تغلب الحق”. فبعيد الحرب، إنقسم المشهد المديني وبرزت الزعامات والإنتماءات المناطقيّة ويظهر ذلك جليًّـا من خلال الصور والكتابات والأعلام المنتشرة في الأحياء وعلى الطرقات الرئيسيّة، وتبّدلها يشير إلى الدخول أو الخروج من منطقة نفوذ إلى أخرى. ويعكس هذا المشهد المديني مشهد الإنقسام السياسي في لبنان وهيمنة خطاب الأحزاب على جمهورها، والصراع على من يحتكر الفضاء العام. إستعادة الناس للحيّز العام كسرت هيمنة هذا الخطاب، كما وساهمت في تخطّي حاجز الخوف من إبداء رأي مختلف عمّا هو سائد، متسلّحًا بقوّة المجموعة وبالطابع العام لمكان التحرّكات. وقد تمثّل ذلك بإزالة الأعلام الحزبيّة وصور السياسيّين وارتفاع العلم اللبناني بصورة حصريّة في الشوارع وعلى المباني. ولهذه التحرّكات رمزيّة مهمّة لتطوّر المواطنة وتعدّد الرأي لاسيّما في الجنوب الذي لطالما كان محسوبًا في الخطاب السياسي على فريقٍ واحد. لذلك، إنعكاسًا للصراع على من يحتكر الفضاء العام، أدّت هذه الخطوات إلى مقابلة سلميّة الإنتفاضة بالعنف رغم أحقّية المطالب ووحدة الروايات عن المظالم الإقتصاديّة والإجتماعيّة.

من جهةٍ أخرى، قطع الطرقات وإقفال الرينغ بصورة خاصّة كما والمحاولات المتكرّرة لفتحه بالقوّة لا سيّما بالعنف الهمجيّ الذي تعرّض له المتظاهرون في الساعات التي سبقت إستقالة الحكومة مثالٌ آخر عن الصراع على احتكار الفضاء العام: من يملك الشارع؟ من يمرّ ومتى؟ أي المطالب أحق؟ حرّية المرور أم حريّة الإضراب والتعبير؟ وللرينغ رمزيّة أيضًا مهمّة، ففيما كان يشكّل خط تماسٍ يقسم المدينة إلى جزأين خلال الحرب الأهليّة، سيطر عليه المتظاهرون هذه المرّة بأسلوبٍ طريفٍ ولكن رمزيّ: فبعيدًا عن تسخيف تحرّك الشبان والشابات الذي اتخّذ مشهديّات متعدّدة، عكست المناظر السريياليّة ضرورة توافر مساحات عامّة متعدّدة في المدينة. فالرينغ وهو جادة غالبًا ما تكون مكتظّة بالسيارات في ساعات الذروة، تحوّل خلال 13 يوم إلى ساحة لممارسة اليوغا في الصباح وملعبًا لكرة القدم ليلًا. وبلغت المشهديّة الرمزيّة ذروتها، وإن كانت عن غير قصد، بتحويل الشارع إلى “بيت الشعب” وتسويقه على موقع Airbnb ، ليذكّرنا بعبارة “قصر الشعب” التي وصفت القصر الجمهوري في بعبدا إبان إشغاله من رئيس الجمهورية الحالي ميشال عون الذي كان آنذاك (1990) يشغل منصب رئيس حكومة. ونرى في ذلك ترجمةً مكانيّة رمزيّة للدور السياسي للشعب في مشاركته بصنع القرار ولمبدأ “الشعب مصدر السلطات” من جهة، كما ولسهر هؤلاء الشبان على الشارع وحرصهم عليه وعلى مطالبه من جهةٍ أخرى.

إستعادة دور النقابات

إنّ احتلال الساحات ساعد باستعادة دور النقابات التي تفكّك دورها بعد الحرب فأصبحت عمليًّا أبواقًا للسلطة عوضًا عن أن تكون أداةً للدفاع عن حقوق الفئات المنضوية تحتها. وقد برزت في الساحات تجمّعات مهنيّة (كتجمّع أساتذة الجامعات، مجموعة نقابتي للمهندسة والمهندس أو لجنة المحامين للدفاع عن المتظاهرين) نشطت في تنظيم حلقات نقاش حول المواضيع التي تعنيها وعن دورها في الإنتفاضة وبعدها وعن ضرورة استعادة نقاباتها وتفعيل دورها في المرحلة المقبلة. وتنضوي في هذا السياق مبادرة مجموعة من الفنّانين المحترفين باقتحام مبنى تلفزيون لبنان ومطالبتهم بتغطية ثورة الشعب على الشاشة الوطنيّة وتحقيقهم هذه الغاية.

أخيرًا، من الناحية الإجتماعيّة، إنّ المساحات العامّة مفتوحة ومتاحة للجميع أيّا كانت إختلافاتهم العمريّة أو الطائفيّة أو الجندريّة وهي بالتالي “الفوروم” الديمقراطي للمجتمع. فإذا كانت منظّمة، تجمع المجموعات على اختلافها وتوطّد العلاقات في ما بينها. وقد ساهم استرداد الحيّز العام في إلغاء الطائفيّة أقلّه من الخطاب وفي إلغاء الخوف من الرأي الآخر وممارسة مفهوم المواطنة. ومن يملك الحيّز العام، يسيطر على الخطاب السياسي ويستطيع تحريك الرأي العام؛ وخلال حركة 17 تشرين الأول، لم يُختَبَر الفضاء العام كمشهد تجري فيه الإنتفاضة الشعبيّة فحسب بل أصبح أيضًا أحد المكوّنات الأساسيّة لإنتاج الثورة وبذلك هدفًا للصراع السياسي. لذلك، نأمل في المرحلة المقبلة أن تستمرّ المطالبة باستعادة كل المساحات العامّة بدايةً بالأملاك العامّة البحريّة ولكن أيضًا بتفعيل الساحات والحدائق والمسارح والمكتبة الوطنيّة والأماكن العامّة الثقافيّة المتجذّرة في الذاكرة الجماعيّة، لأنّها ضروريّة لبناء مواطنين و”لبنان جديد”.

  • لقراءة المقال باللغة الانجليزية اضغطوا على الرابط أدناه:

Reclaiming Public Space and Its Role in Producing the Revolution

المراجع:

NAZZAL, Maryam, CHINDER, Samer, “Lebanon Cities’ Public Spaces”, The Journal of Public Space 2018, Vol. 3 n.1,p.119-152

انشر المقال

متوفر خلال:

بيئة وتنظيم مدني وسكن ، حراكات اجتماعية ، لبنان ، مقالات



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *