إستئناف الترحيل القسري يكرّس دور تونس كحارس لحدود إيطاليا البحرية


2020-09-04    |   

إستئناف الترحيل القسري يكرّس دور تونس كحارس لحدود إيطاليا البحرية
الصورة منقولة عن موقع www.infomigrants.net

بعيدا عن أضواء كاميرات التصوير التي ركّزت عدساتها خلال الفترة المنقضية على مشاورات تشكيل الحكومة الجديدة وجلسة المصادقة عليها في غرّة سبتمبر الجاري، ما تزال قوارب الموت تشق طريقها من السواحل التونسية نحو الشمال بحثا عن جنّة منتظرة. إلاّ أنّ الناجين من رحلات الهروب الجماعي من تونس لن يكونوا بمأمن من العودة إليها قسرا وفق تأكيدات وزير الخارجية الإيطالي لويجي دي مايو    على هامش لقاء جمعه مع رئيس الجمهورية قيس سعيد في في 17 أوت 2020، رفقة وزيرة الداخلية الإيطالية لوتشانا لامورغيزي والمفوض الأوروبي المكلف بسياسة الجوار والتوسع أوليفر فارليي، إلى جانب المفوضة الأوروبية للشؤون الداخلية إيلفا يوهانسون. تصريحات تعكس سياسة إيطاليا العنصرية والهادفة إلى مواصلة تضييق الخناق على المهاجرين غير النظاميين من دون أيّ اعتبار لمقتضيات المواثيق والمعاهدات الدولية التي تكفل حمايتهم من الانتهاكات التي قد تطالهم.

التوجه نحو ترحيل المهاجرين غير النظاميين من إيطاليا نحو تونس، وإن أقرته اتفاقية التعاون الثنائية التي أبرمت سنة 2011 بين الدولتين، إلا أنه يشهد منعرجا أكثر حدة تزامنا مع ارتفاع نسق الإمدادات المادية لتونس مقابل تكفلها بمهمة حراسة الحدود الجنوبية لإيطاليا. تطور يقابله موقف باهت من السلطات التونسية وهو ما أثار استهجان المجتمع المدني وعائلات المهاجرين غير النظاميين، الذين احتجوا أمام سفارة إيطاليا يوم 11 أوت 2020 وينوون تنظيم وقفة مماثلة أمام سفارة اسبانيا في تونس في 04 سبتمبر الجاري.

الترحيل القسري؛ التركة البشعة للسبسي وبرلسكوني

لم تمر الهزة السياسية التي شهدتها البلاد خلال سنة 2011 من دون ارتدادات خارجية. حيث استغل آلاف التونسيين الظرف الاستثنائي والإنفلات الأمني للهجرة بطريقة غير نظامية نحو الشواطئ الأوروبية. فقد بلغ عدد المهاجرين الذين عبروا الحدود الإيطالية بطريقة غير نظامية 26710 شخصا، بينما تم منع 7595 شخصا من الوصول إلى إيطاليا وألقي القبض عليهم.

عدد المهاجرين الواصلين للشواطئ الإيطالية في تلك الفترة مثل رعبا كبيرا بالنسبة لإيطاليا ولأغلب الدول الأوروبية. حيث وصفه رئيس الحكومة الإيطالية آنذاك ‘سالفيو برلسكوني’ بالتسونامي البشري الخطير. وهدد بقية الدول الأوروبية لاسيما فرنسا بأن إيطاليا لن تقوى على التصدي لهذا المد لاسيما أن أغلب التونسيين يرغبون في التنقل نحو فرنسا للإلتحاق بأقاربهم.

هذه المخاوف الإيطالية والأوروبية كثّفت الضغط على الدولة التونسية التي كان يترأس حكومتها آنذاك الباجي قائد السبسي لإيقاف هذا المد من المهاجرين وعكس اتجاهه بالترحيل القسري لكل تونسي يقبض عليه في إيطاليا. ضغط انتهى بتوقيع اتفاقية بتاريخ 6 أفريل 2011 تنص على تعزيز التعاون الثنائي في مجال الأمن وتسهيل آلية ترحيل المهاجرين غير النظاميين وتشديد إجراءات التفتيش على الحدود التونسية لمنع تسلل هؤلاء. الثمن كان إعلان وزير الخارجية الايطالي فرانكو فراتيني خلال زيارته إلى تونس في 25 مارس 2011 (أي قبل موعد توقيع الاتفاقية بأسبوعين) أن الجانب الإيطالي سيتعهد بوضع خط ائتمان بـ 150 مليون يورو ‘لإنعاش الاقتصاد التونسي’ وسيوفر لخفر السواحل تجهيزات ومعدات (عسكرية) بقيمة 80 مليون يورو لمساعدتهم على إحكام مراقبة السواحل التونسية.

آلاف المرحلين كل سنة في ظروف مجهولة

لئن تم توقيع الاتفاقية منذ سنة 2011 إلا أن الإحصائيات الدقيقة لأعداد المُرحّلين لم تُكشف إلا بحلول سنة 2016، والتي شهدت ترحيل حوالي 1268 مهاجرا غير نظامي. وفي سنة 2017، تم ترحيل حوالي 2125 مهاجرا عبر 64 رحلة، بينما رحل 2127 مهاجرا سنة 2018 عبر 66 رحلة وبحلول سنة 2019 عاد قسرا 1739 تونسي إلى وطنهم عبر 56 رحلة. لتتصدر بذلك تونس قائمة الدول الأكثر تعاونا مع إيطاليا في مجال ترحيل المهاجرين غير النظاميين، تليها نيجيريا بـ 10 رحلات ترحيل فحسب خلال سنة 2019.

ولم تتوقف عمليات الترحيل التي استقرت تقريبا على نقل 80 مهاجرا أسبوعيا من التراب الإيطالي في اتجاه مطار النفيضة بتونس إلا بانتشار وباء كورونا نتيجة توقّف الرحلات الجوية. حيث شهدت الأشهر الأولى من سنة 2020 (1 جانفي 2020 إلى 15 أفريل 2020) 7 رحلات جوية نقلت حوالي 85 شخصا، لتستأنف تلك العملية مع نهاية شهر جوان وإن بحجم أقل لم يتجاوز 20 شخصا أسبوعيا.

تعليقا على عمليات الترحيل القسري التي تطال المهاجرين غير النظاميين أصدر المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية بيانا يوم 17 أوت 2020 أكد من خلاله على أنه في ظل غياب الشفافية والوضوح فإن عملية الترحيل القسري للمهاجرين غير النظاميين تشوبها خروقات قانونية وانتهاك صريح لحقوق وحريات المرحلين حيث يتعرّض المهاجرون إلى استخدام مفرط للقوة، والتعذيب، وضروب أخرى من سوء المعاملة، أو الاعتقال التعسفي والعنف خلال إجراءات أخذ البصمات والتي تتم في اغلب الأحيان عنوة كما انه لا يمكن الطعن في قرار الترحيل ولا يحظى المهاجرون بالترجمة المحايدة ولا بالدعم القانوني المناسب ليتم بعد ذلك طردهم جماعيا في مخالفة صريحة للبنود 3 و4 و14 من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان.

مساع إيطالية حثيثة لتوسيع الاتفاقية
رغم تقلص عمليات الهجرة غير النظامية خلال بداية سنة 2019، حيث لم يصل إلى الحدود الإيطالية طوال السداسي الأولى من تلك السنة إلا 961 مهاجرا، إلاّ أن المشهد تغيّر في سنة 2020، حيث وصل حوالي 3977 مهاجرا غير نظامي إلى الشواطئ الإيطالية. أي أن العدد قد تضاعف 4 مرات بين السداسي الأول لسنة 2019 إلى السداسي الأول لسنة 2020.

إزاء ارتفاع أعداد التونسيين الواصلين إلى الشواطئ الإيطالية، حيث مثّلوا 45% من مجموع المهاجرين غير الشرعيين خلال شهر جويلية 2020، عمدت الحكومة الإيطالية إلى إعادة بلورة الاتفاقية الممضاة منذ سنة 2011 لتعزيز الشراكة أكثر مع الجانب التونسي. حيث عقد رئيس الوزراء الإيطالي جوزيبي كونتي ندوة صحفية بمدينة تشيرينيولا بتاريخ 3 أوت 2020 أكد خلالها أنه “لا يمكن التسامح مع يعمد إلى دخول إيطاليا بطريقة غير نظامية، سيما وأن المهاجرين لا يخضعون إلى البروتوكول الصحي المتعارف عليه وبالتالي فهم يعرضون حياة الإيطاليين إلى الخطر، كما أننا نعمل على إيقاف قوارب الهجرة ولابد من التكثيف من عمليات الترحيل”.

وتبعا لسياسة الترحيل المتبعة منذ سنوات ورغم تقلص عدد المرحلين منذ بداية انتشار جائحة كورونا إلا أن وزير الخارجية الإيطالي لويجي دي مايو أكد عبر تدوينة له على موقع ‘فايسبوك’ يوم 6 أوت الجاري أن تونس تعتبر دولة آمنة وليست في حالة حرب، ووفقا لذلك فإن عمليات إعادة المهاجرين التونسيين غير النظاميين الذين وصلوا على متن قوارب الهجرة، ستستأنف بداية من يوم الاثنين 10 أوت بمعدل 80 شخصا أسبوعيا بعد الاتفاق مع السلطات التونسية.

أمام حدة النبرة الإيطالية في التعامل مع الجانب التونسي في ملف الهجرة، اعتبر رمضان بن عمر الناطق الرسمي باسم المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية في تصريحه للمفكرة القانونية أن الجانب الإيطالي طرح ضرورة التعاون أكثر مع الجانب التونسي، قصد التسريع أكثر في إجراءات الترحيل بحيث لا يتم تحديد سقف عددي معين ولا تقتصر عمليات الترحيل على الطائرات فقط بل سيقع استعمال البواخر، وهو ما يعتبر مؤشرا خطيرا جدا، فإيطاليا تسعى إلى تأسيس سجون عائمة لترحيل التونسيين.

الرئاسة التونسية تتحرك بإحتشام وغموض

مع تعاظم الضغط الإيطالي تحرّكت الرئاسة التونسية عبر قيام رئيس الجمهورية بزيارة ميدانية إلى مينائي المهدية وصفاقس يوم 2 أوت الجاري، أين أكد على ضرورة أن تتولى القوات الأمنية التنسيق مع القوات العسكرية لمزيد التصدي لهذه الظاهرة، وعلى أن المعالجة الأمنية تظل غير كافية. خطوة حظيت بإعجاب الجانب الإيطالي حيث عبر رئيس الوزراء الإيطالي جوزيبي كونتي خلال ندوة صحفية يوم 3 أوت الجاري عن سعادته بهذه الزيارات الميدانية، كما قام بمراسلة رئيس الجهورية قيس سعيد للتعبير عن مساندته وإعجابه.

وفي قراءة لتموقع رئاسة الجمهورية في هذه المسألة اعتبر رمضان بن عمر الناطق الرسمي باسم المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية أن، هناك فرقا بين المعلن والمخفيّ في أداء رئاسة الجمهورية. فمن خلال البيانات الصادرة عن هذه المؤسسة يمكننا التماس مقاربة حقوقية تؤكّد على أن البعد الأمني ليس هو الحل الوحيد. ولكن فعليا وعبر الزيارة التي قام بها رئيس الجمهورية إلى مينائي صفاقس والمهدية يمكننا الجزم بأن الرئيس لايزال يسير على خطى سابقيه وهو تطمين الجانب الأوروبي عبر الدفع بمزيد من التعزيزات الأمنية على الحدود البحرية. الموقف التونسي لايزال مقتصرا على الشعارات الفضفاضة ولا يوجد في نهاية الأمر أي تصور واضح أو مقاربة مفصلة لحلحلة هذا الإشكال، فما نحن سائرون عليه هو تسلم مساعدات مادية من أجل حراسة الحدود الإيطالية. ناهيك أن زيارة الوفد الإيطالي إلى تونس صاحبها تعتيم إعلامي رهيب وهو ما يدفعنا للتساؤل عما حيك خلال تلك الزيارة. إجمالا فإن أداء الرئيس في أول تحد له متعلق بموضوع السيادة الوطنية واحترام كرامة أبناء الوطن العالقين في الخارج كان دون المأمول، وهو بذلك يعارض المبادئ التي تأسست عليها حملته الانتخابية.

في ظل ضبابية موقف رئاسة الجمهورية، وتواصل رحلات العودة القسرية للمهاجرين التونسيين غير النظاميين، يبدو أن الجانب الإيطالي يحرز تقدما في فرض رغبته رغم أن مختلف الحكومات التونسية كانت قد قاومت بشدة فكرة إقامة مراكز لتجميع اللاجئين مقابل المساعدات المالية والعسكرية. إلاّ أن تفاقم تدهور الوضع الاقتصادي، قد يدفع تونس إلى التخلي شيئا فشيئا عن استقلالية قرارها والرضوخ لفكرة لعب دور الحارس لحدود أوروبا الجنوبية والمحطة النهائية لرحلة المهاجرين نحو الشمال.

انشر المقال

متوفر خلال:

تونس ، سلطات إدارية ، لا مساواة وتمييز وتهميش ، لجوء وهجرة واتجار بالبشر ، مقالات



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *