إخلاء سبيل صاحب عمل مشتبه به بقتل عاملة بقوّة … السياسة؟


2023-09-12    |   

إخلاء سبيل صاحب عمل مشتبه به بقتل عاملة بقوّة … السياسة؟

فيما كان جثمان العاملة الأثيوبية مولو ميكاشا آغاسي (مواليد 1988) يُعاد في الطائرة إلى مسقط رأسها في أثيوبيا، كان أقارب صاحب العمل “م.ق.ه” يحملونه على الأكتاف محتفلين بإخلاء سبيله بكفالة مالية بلغت 200 مليون ليرة. وكان “م.ق.ه” قد أوقف إثر وفاة مولو التي تعمل في منزله حيث ادّعى عليه النائب العام في البقاع منيف بركات بالتسبّب بموتها سندًا للمادة 550 من قانون العقوبات وهو جرم لا تقلّ عقوبته عن 5 سنوات أشغال شاقة. وقد بنَتْ النيابة العامة ادّعاءها على أنّ صاحب العمل تسبّب بموتها من دون نيّة القتل، بفعل ما اعتبرتْه أعمال عنف وإهمالًا في تحمّل مسؤولية تأمين العلاج لها. وهو قرار أضاءتْ عليه “المفكرة القانونية” كونه الأوّل من نوعه في وفيّات العاملات، وتمّ تثمينه يومها، حيث غالبًا ما يتمّ اعتبار مقتل هؤلاء (عاملات المنازل)  انتحارًا أو لا يتمّ التحقيق في وفاتهنّ عندما لا يكون هناك أدلة على وقوع اعتداء مباشر أو أذى واضح على أجسادهنّ.

وكانت مولو فد نُقلت ليل 6 تموز 2023 إلى مستشفى الأطبّاء في المنارة في البقاع بحالة صحّية سيّئة: انخفاض كبير في ضغط الدم، ارتفاع في درجة الحرارة، إنهاك جسديّ تتحرّك معه بصعوبة، والأهمّ أوجاع شديدة تبدو غير قادرة على تحمّلها. “باختصار كانت في ما يشبه حالة احتضار”، وفق ما أكدت مصادر طبية لـ “المفكرة” يومها. ساعة واحدة مضتْ قبل أن تلقى حتفها. ماتت مولو التي مضى على وجودها في لبنان 7 سنوات. ويقال في بلدة السلطان يعقوب، حيث عملت كل ذلك الوقت، إنّها لم تغادر منزل مخدوميها حتى لزيارة عائلتها، عائلتها التي استقبلتها مؤخرًا جثة هي التي لم تتمكن من تحقيق أحلامها في تحسين ظروف حياتها التي رسمتها يوم قررت ترك بلادها للعمل في لبنان. وتناقل ناشطون تابعوا قضية مولو معلومات سرت في المنطقة عن تدخّل أمين عام تيار المستقبل أحمد الحريري لإخلاء سبيل صاحب العمل. كما سرت معلومات عن حصول تسوية مالية مع السفارة الأثيوبية.  

وأكدت مصادر متابعة للتحقيق في قضية وفاة مولو لـ “المفكرة”، أنّ النائب العام في البقاع منيف بركات استأنف قرار إخلاء سبيل صاحب العمل “م.ق.ه” خمس مرات، متمسّكًا بادّعائه. ولكن الهيئة الاتهامية في البقاع برئاسة القاضي حارس الياس ردّت الاستئناف في القرار الأخير ممّا أدّى إلى الإفراج عنه. وأكّدت المصادر نفسُها أنّ القضية مستمرّة أمام القضاء بفعل الحق العام، وأنّ المسار القضائي بانتظار رد وزارة العدل للتحقيق مع الطبيب الشرعي م.ر بناء على ادعاء الرئيس بركات عليه على أساس المادة 466 من قانون العقوبات (إعطاء شهادة كاذبة معدّة لكي تقدّم إلى السلطة العامة)، والتي تصل عقوبتها إلى الحبس بين شهرين وسنتين. فقد أغفل الطبيب في تقريره، إثر كشفه على مولو لدى وفاتها، الإشارة إلى وجود كدمات وخدوش على جثتها.

شهادات موثقة عن العمل القسريّ 

وفي اتصال مع مسؤول في السفارة الأثيوبية في لبنان، نفى لـ “المفكرة” حصول أيّ تسوية، مؤكدًا أنّ صاحب العمل قد دفع رواتب العاملة مولو المتأخرة التي كانت في ذمّته، وكلفة نقل جثمانها إلى بلدها كما مستحقات المستشفى التي نُقِلت إليها.

ولدى سؤال المسؤول المذكور عن حصول تسوية، تمّت إحالتُنا إلى المحامية موهانا إسحق من منظمة “كفى عنفًا واستغلالًا” التي قالت لـ “المفكرة” إنّ ما حصل بحضورها هو دفع عائلة صاحب العمل كلفة نقل جثمان مولو إلى أثيوبيا للشركة المعنيّة والبالغة 2500 إلى 3000 دولار، إضافة إلى كلفة الاستشفاء لدى نقلها إلى المستشفى حيث توفيَتْ، ورواتبها (رواتب مولو) المتراكمة، أي 150 دولارًا عن كل شهر عمل، ومجموعها 17 شهرًا كانت في ذمته منذ شباط 2022 ولغاية حزيران 2023. وأوضحتْ إسحق أنّ قضيّة حجز رواتب مولو لسنتين كاملتين كانت قد وصلت إلى منظمة “كفى” سابقًا أي قبل شباط  2023 عبر اتصال على الخط الساخن فاتّصلت المنظمة بالأمن العام الذي أحضر صاحب العمل ومولو حيث التقتها “كفى” للمرة الأولى مع مساعدة اجتماعية وعرضت عليها استقبالها في المأوى الخاص بالعاملات. ولكن مولو، وبعد توصّل الأمن العام إلى تسوية مع صاحب العمل ودفع رواتب سنة كاملة وتعهده بتقسيط السنة الثانية، عادت إلى العمل في المنزل عينه للحصول على بقية رواتبها. وتؤكد إسحق أنّ المساعِدة الاجتماعية حاولت إقناع مولو بعدم العودة ولكنها كانت تريد الحصول على بقية مستحقّاتها. وأضافت إسحق أنّ مولو عادتْ لمتابعة العمل في المنزل عينه، على أن تقبض الرواتب المقسّطة تزامنًا مع راتبها عن كل شهر تشتغله بعد عودتها، إلّا أنّ مولو توفّيت بعد ذلك من دون أن يكون سدد أيًّا منها.

ونفتْ المحامية موهانا إسحق في المقابل علمها بأيّ تسوية مع السفارة أو العائلة بشأن ظروف وفاتها، مشيرة إلى أنّ ما شهدت عليه كان “تسليم الرواتب المتراكمة لمولو إلى السفارة الأثيوبية بعد توقيعها تعهّدًا بتحويلها إلى عائلتها، أي ما مجموعه 1800 دولار التي شملتها التسوية عن الرواتب التي كان من المفترض أن يتم تقسيطها، إضافة إلى رواتبها المتراكمة أيضًا منذ شباط 2023 لغاية نهاية حزيران الماضي”، أي قبل وفاتها بستة أيام. وهذا يعني أنّ صاحب العمل لم يلتزم بالتسوية التي أنجزت سابقًا بدليل أنّه لم يقسّط المبلغ المتفق عليه، كما استمر بالامتناع عن دفع رواتبها المستجدة بعد عودتها إلى العمل في منزله. وأوضحت إسحق أيضًا أنّ صاحب العمل قصد السفارة الإثيوبية لتجديد جواز سفر مولو قبل وفاتها وأنّ السفارة سألت “كفى” عن إمكانية الاهتمام بملفها مجددًا بفعل عدم التزام صاحب العمل بتعهّداته، إلّا أنّ السفارة عادت وأعلمتْ “كفى” بأنّ مولو ستعود إلى عملها لديه من دون أن تتّضح ظروف هذه العودة. وأشارت إسحق إلى أنّها تنتظر تنظيم عائلة مولو توكيلًا لها عبر السفارة الأثيوبية لتقديم دعوى الحق الشخصي والمضي في الدعوى القضائية، إذ ليس بإمكان السفارة اتّخاذ صفة الادعاء الشخصي عن مواطنيها في القضايا الجزائية.

وبمعزل عمّا إذا كانت التسويّة الماليّة شملتْ ظروف الوفاة أم لا (وهو أمر يتردد في القرية أنّه حصل)، فإنّها بحدّ ذاتها كشفت عن معطيات خطيرة جدًا تمثلت في امتناع صاحب العمل عن تسديد رواتبها طوال 29 شهرًا، وهي معطيات تضاف إلى الشبهات التي بُنيَ عليها ادعاء النيابة العامة لجهة إهمال تأمين العلاج لها رغم إصابتها بمرض عضال وإرغامها بالعنف على العمل رغم مرضها، وهو العنف الذي كشفت عنه آثار الكدمات والخدوش على جثمانها. يضاف إلى كل ذلك ما رواه كثيرون من أبناء القرية لجهة أنها كانت محتجزة بصورة دائمة منذ 7 سنوات في منزل صاحب العمل، من دون أن يتسنّى لها زيارة أهلها في أثيوبيا.

ومن هنا، يرى المدير التنفيذي لـ “المفكرة القانونية” المحامي نزار صاغية أنّ مجرّد جمع ما ادّعت به النيابة العامة مع ثبوت عدم تقاضيها رواتبها الزهيدة أصلًا لأكثر من 29 شهرًا، إنما يوجب على القضاء التوسّع في التحقيق والملاحقة، حيث يرجّح أن تكون وفاة العاملة حصلت ليس فقط بفعل أعمال العنف والإهمال في تأمين العلاج، إنّما أيضًا كنتيجة مباشرة لإخضاعِها لعمل قسريّ شديد القسوة وهو العمل المكوّن لجناية الإتْجار بالبشر.        

وكان الطبيب الشرعي “م.ر” الذي عاين مولو فور وفاتها، قد أشار في تقريره إلى أنّها ماتت نتيجة إصابتها بمرض، رُجّح أنّه سرطان. ولكن مخفر بيادر العدس الذي خاطبته المستشفى حيث نُقلت مولو قد توسّع بشكل غير مسبوق في التحقيق بإشراف النائب العام بركات الذي أرسل الأدلة الجنائية للكشف على جثمانها. وفور وصول الأدلة الجنائية إلى المستشفى للكشف على مولو، عاد الطبيب الشرعي “م.ر” إلى المخفر، راغبًا في إضافة بعض التفاصيل على تقريره الأوّل بذريعة النسيان. وأثبتت الأدلة الجنائية يومها وجود خدوش وكدمات على جسد مولو، فأوقف صاحب العمل “م.ق.ه” والطبيب الشرعي على الفور، كما كلّف المدعي العام بركات طبيبًا شرعيًا آخر، هو سعيد طربيه، للكشف على الجثة مجددًا، ووضع تقرير طبي بحالتها ووضعها. ولحظ تقرير الطبيب طربيه، وفق ما علمت “المفكرة”، وجود آثار سحجات وخدوش على وجه ورأس مولو وعلى ظهرها تعود إلى نحو عشرة أيام من وفاتها، معتبرًا أنّها دليل على تعرّضها للعنف، إذ لا يمكن أن تكون قد ضربت ظهرها بنفسها. وبناء على طلب القاضي بركات، أخذ طربيه عيّنات من دم مولو وأرسلها إلى أحد المختبرات في بيروت حيث تبيّن وجود خلل في وظيفة نخاع العظام المسؤول عن إنتاج خلايا الدم، بمعنى أنّ هناك خللًا في إنتاج خلايا الدم. وهي حالة مرضية لا يمكن أن تظهر في يوم واحد وتؤدّي إلى وفاة المريض، كما حصل مع مولو. وأشار التقرير الطبي الثاني الذي سطرّه الدكتور طربيه، بعد ظهور نتائج تحاليل الدم، إلى أنّه لو أجريت لمولو تحاليل وتمت متابعة وضعها الصحي لربما اختلف وضعها، وهو ما بنت عليه النيابة العامة في إدعائها. ولكن صاحب العمل الذي تعمل مولو لديه زعم أنّها لم تكن تعاني من أي أعراض مشيرًا إلى أنّها “تعبت من كم يوم فقط وارتفعت حرارتها”. واتصلت “المفكرة” بالطبيب طربيه إلّا أنه تمنع عن التصريح كون الملف لا يزال في عهدة القضاء.

انشر المقال

متوفر من خلال:

قرارات قضائية ، الحق في الحياة ، لبنان ، مقالات ، جندر وحقوق المرأة والحقوق الجنسانية ، لا مساواة وتمييز وتهميش ، محاكمة عادلة ، قضاء ، المرصد القضائي



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية