إحالة قضاة مصريين إلى المعاش: تطبيق للقانون أم تصفية حسابات؟


2016-04-07    |   

إحالة قضاة مصريين إلى المعاش: تطبيق للقانون أم تصفية حسابات؟

توالت بعد 30-6-2013، أخبار التحقيق مع قضاة مصريين من مجلس التأديب، ومن ثم إحالتهم إلى المعاش بموجب قرارات صادرة عن المجلس. وكان آخر هذه القرارات، القرار الصادر عن مجلس التأديب الأعلى في 28-3-2015 بإحالة 31 قاضياً على المعاش على خليفة إصدارهم البيان المعروف ب”بيان رابعة العدوية”. ووصف البيانالصادر من اللجنة الدولية للحقوقيين في 28-3-2016، الاجراءات التي تتخذها السلطة ضد القضاة بالتعسفية وغير العادلة، معتبرًا ان الغرض منها هو تطهير القضاء من الأصوات التي دعت لاستقلاله. وسنتناول في هذا المقال أهم أسباب عزل هؤلاء القضاة، والإجراءات التي تُتبع لإحالتهم إلى المعاش.
 
1-    مساءلة القضاة وفق قانون السلطة القضائية المصري

ينص قانون السلطة القضائية المصري على درجات عدة لمساءلة القضاة. فينص في مادته ال94 الى حق رئيس المحكمة في تنبيه القضاة، شفاهة أو كتابة، اذا وقع منهم ما هو مخالف لواجباتهم أو مقتضيات وظائفهم. كما تكفل المادة حق اعتراض القاضي على التنبيه الصادر اليه[1].
أما الدعوى التأديبية ضد القضاة، فتقام بناء على تحقيق جنائي أو إداري، ويرفعها “النائب العام من تلقاء نفسه أو بناء على اقتراح وزير العدل أو رئيس المحكمة التي يتبعها القاضي”[2].

ويتم ذلك أمام مجلس تأديب يتكون من “أقدم رؤساء محاكم الاستئناف من غير أعضاء مجلس القضاء الأعلى رئيساً، وعضوية أقدم قاضيين بمحكمة النقض وأقدم نائبي رئيس محكمة استئناف”[3]، ويحق للمجلس أن يجري التحقيقات التي يراها لازمة للدعوى أو يندب أحد الأعضاء للقيام بذلك.
أما عن المحاكمة نفسها، فتنص المادة 106 من القانون على سرية جلسات المحاكمة، كما تنص على تقديم القاضي نفسه لدفاعه كتابة أو أن “ينيب عنه أحد رجال القضاء الحاليين أو السابقين من غير أرباب الوظائف أو المهن”، أي أنه لا يستطيع توكيل محام للدفاع عنه. وتنقضي الدعوى التأديبية باستقالة القاضي أو احالته الى المعاش حسب نص المادة 104 من القانون.

كما تقبل قرارات مجلس التأديب الطعن عليها من القاضي المعني بها أو من النيابة العامة، أمام مجلس التأديب الأعلى. ويتكوّن هذا المجلس من رئيس محكمة النقض (كرئيس للمجلس)، وعضوية أقدم ثلاثة من رؤساء محاكمة الاستئناف، وأحدث ثلاثة نواب لرئيس محكمة النقض[4]. ويكون لمجلس التأديب الأعلى توجيه اللوم للقاضي أو عزله من منصبه[5]. ولا تنشر الأحكام، ولكن تنشر قرارات العزل التي تصدر عن رئاسة الجمهورية في الجريدة الرسمية. 

وتنص المادة 111 على طريقة أخرى لتأديب القضاة وهي الاحالة الى الصلاحية. وتتم الاحالة الى الصلاحية بسبب مرض القاضي بالمبدأ. ولكن تنص المادة الى انه يمكن لوزير العدل، من تلقاء نفسه أو بناء على طلب رئيس المحكمة، أن يرفع طلباً باحالة القاضي الى المعاش أو نقله الى وظيفة أخرى غير قضائية بسبب فقده أسباب الصلاحية لولاية القضاء. ويتم النظر في الدعوى أمام مجلس التأديب وتخضع لنفس اجراءات المحاكمات التأديبية. وهذه المادة فتحت الباب لممثل عن السلطة التنفيذية، هو وزير العدل، أن يطلب احالة قاضي الى الصلاحية، مما قد يترتب عليه تصفية السلطة التنفيذية لحسابها مع قضاة معارضين أو غير متعاونين معها. ونتناول في الفقرة القادمة أهم الأسباب التي أحيل بسببها قضاة الى التأديب والمواد التي تم الاستناد عليها.
 
2-    أهم القضايا التي تمت إحالة قضاة فيها الى المعاش

تجدر الاشارة إلى أن ابرز “التهم” الموجهة الى القضاة هي الاشتغال بالسياسة بالمخالفة لنص المادة 73 من قانون السلطة القضائية: “يُحظر على المحاكم ابداء الآراء السياسية. ويحظر كذلك على القضاة الاشتغال بالعمل السياسي ولا يجوز لهم الترشيح لانتخابات مجلس الشعب أو الهيئات الاقليمية أو التنظيمات السياسية إلا بعد تقديم استقالتهم”. ويذهب البعض[6] إلى أن المقصود من هذه المادة هو عدم جواز الترشح للانتخابات المذكورة في المادة، ولا تمنعهم من إبداء الآراء في الأمور العامة أو السياسية للدولة. ولكن كما يبدو لا يفسر مجلس التأديب المادة 73 بنفس الطريقة، بدليل القضايا المشار اليها في هذة الفقرة.

ومن أبرز القرارات الصادرة ضد هؤلاء القضاة، قرار عزل المستشار طلعت عبد الله، النائب العام المُعين في فترة حكم الأخوان المسلمين. وقد صدر حكم مجلس التأديب ضده في يناير 2014 بعد إدانته بعدم سداد “المبالغ المالية المستحقة لرجل أعمال أرسى عليه بالأمر المباشر مهمة تزويد مكتب النائب العام بكاميرات مراقبة”[7]، وتم تأييد الحكم من مجلس التأديب الأعلى في سبتمبر 2014. وصدرت قرارات في نفس الشهر ضد 8 قضاة آخرين بسبب “تأييد ودعم جماعة الأخوان المسلمين”. وقد صدر بشأنها قرارات جمهورية نشرت في الجريدة الرسمية في 4-12-2014[8].

وفي مارس 2015، صدر الحُكم على “قضاة بيان رابعة” أي القضاة الذين أصدروا بياناً بعد الاطاحة بالرئيس السابق محمد مرسي في يوليو 2013، وألقوه في ميدان رابعة العدوية بين المعتصمين المطالبين بعودة محمد مرسي. وقد صدر الحكم من مجلس التأديب والصلاحية بعزل 31 قاضياً وبراءة آخرين في 14-3-2015، وتم تأييد الحُكم باحالة 31 منهم الى المعاش المبكر وعزلهم من منصة القضاء بسبب اشتغالهم بالسياسة ومناصرتهم لفريق سياسي، وبراءة 23 آخرين بقرار من مجلس التأديب الأعلى في 28-3-2016. كما قضى مجلس التأديب الأعلى في نفس اليوم باحالة المستشار وليد عبد الحكيم الشافي الى المعاش، والغاء حكم البراءة الصادر بحقه، بسبب اتهامه بالظهور الاعلامي.

كما أصدر مجلس التأديب الأعلى حُكمه بعزل 15 قاضيامنتمين الى حركة “قضاة من أجل مصر” بتاريخ 21-3-2016 ، وذلك بعدما كان الحكم الابتدائي الصادر من مجلس التأديب قد أحال 10 منهم الى المعاش المبكر وبرأ الآخرين. وقد اعتبر مجلس التأديب الأعلى في حكمه أن القضاة المحالين الى المعاش المبكر خرجوا عن “نطاق العمل القضائي والتقاليد القضائية الراسخة، وخالفوا بصورة صريحة أحكام قانون السلطة القضائية، بانخراطهم في العمل السياسي والانضمام الى حركة تهدف الى مناصرة فصيل سياسي بعينه”[9].

بالاضافة الى المحاكمات المذكورة، اصدر مجلس التأديب حكم باحالة المستشار زكريا عبد العزيز، رئيس نادي القضاة الأسبق، الى المعاش في مارس 2016[10]. وذلك بعد اتهامه بالتورط في التحريض على اقتحام مقرات أمن الدولة أثناء ثورة 25 يناير، وهو الأمر الذي اعتبره المستشار تصفية حسابات معه بسبب انحيازه لثورة 25 يناير.

وقد تعرضت محاكمات مجلس التأديب والقرارات الصادرة عنها الى انتقادات كثيرة، نعرضها في الفقرة اللاحقة.
 
3-    أبرز الاعتراضات على المحاكمات التأديبية للقضاة

أصدرت 12 منظمة حقوقية[11] مصرية في مارس 2015 بيانااستنكاريا بعد حُكم المجلس التأديبي بإحالة “قضاة بيان رابعة” إلى المعاش. واعتبرت المنظمات الحقوقية أن القرار يتعارض مع المعايير الدولية بشأن استقلال السلطة القضائية المعتمدة من الأمم المتحدة والتي تنص على حق القضاة التمتع بحرية التعبير والاعتقاد والتجمع، مع شرط أن يسلك القضاة لدى ممارستهم لهذه الحقوق مسلكاً يحفظ هيبة منصبهم ونزاهة واستقلال القضاء. واعتبرت المنظمات أيضاً أن محاكمة القضاة والمواطنين لابدائهم الرأي في المسائل السياسية يقوض حرية التعبير ويخالف المادة 87 من الدستور المصري. كما اعتبر البيان أن هؤلاء القضاة يُحاكمون بسبب معارضتهم للادارة الحاكمة حالياً، وليس اشتغالهم بالسياسة. كما أشار البيان الى غياب المعايير الواضحة للأعمال التي تستوجب الاحالة للمحاكمة التأديبية، واعطاء مجلس التأديب صلاحية واسعة في الاستمرار في التحقيقات أو وقف المحاكمة.

بالاضافة الى ذلك، اعتبرت اللجنة الدولية للحقوقيين أن الاجراءات المتخذة ضد القضاة أمام مجلس التأديب ومجلس التأديب الأعلى لم تكن عادلة ولا تتوافق مع المعايير الدولية التي يجب احترامها في هذا المجال. كما أشار بيان اللجنة الدولية للحقوقيين إلى أن بعض القضاة لم يتم ابلاغهم على نحو ملائم بتواريخ الجلسات أو القاعات التي تنعقد بها.

ويشير أحمد سليمان، وزير العدل الأسبق[12]، الى الكيل بمكيالين فيما يتعلق بتأديب القضاة، اذ انه يتم محاكمة القضاة الذين أعلنوا تأييدهم للاخوان ورفض عزل الرئيس الأسبق محمد مرسي بطريقة أو بأخرى، في حين لم يتم التحقيق في الشكاوى المُقدمة ضد رئيس نادي القضاة السابق أحمد الزند بعد تأييده لحركة “تمرد” والترحيب بجمع التوكيلات لاسقاط مرسي.

وأشار المستشار محسن فضلي[13]، أحد المحالين الى المعاش في قضية بيان رابعة، أن الحكم الصادر عن مجلس التأديب الأعلى بتاريخ 28-3-2016 باطل لبطلان تشكيل الهيئة وعدم انعقاد جلسة النطق بالحكم في علانية. وأكد أن القضاة سيطعنون على الحكم أمام محكمة النقض وأمام المحكمة الدستورية العليا، وان لم ينصفهم القضاء الوطني، سيلجؤون الى المحاكم الدولية.

واعتبرت 12 منظمة حقوقية مصرية في بيان لهاالقرار الصادر بتاريخ 28-3-2016 باحالة اجمالي 32 قاضياً الى المعاش بمثابة مذبحة جديدة للقضاة. واعتبرت المنظمات أن الحكم يتعارض مع المعايير الدولية بشأن استقلال السلطة القضائية، مذكرين انها ليست المرة الأولى التي يعبر فيها القضاة عن آرائهم. فقد فعلوا ذلك في 25 يناير 2011، و30 يونيو 2013. كما أشارت المنظمات إلى تغاضي مجلس التأديب عن معاقبة بعض القضاة الذين يبدون بآرائهم ومواقفهم السياسية في قضايا ينظرون فيها، وهو الأمر المخالف لنص المادة 73، في حين يتم معاقبة آخرين، في اشارة الى الكيل بمكالين تجاه القضاة وتصفية حسابات مع كل من يتعارض مع النظام الحاكم.

كما أكدت المنظمات على خروقات قانونية شابت المحاكمة، فمجلس التأديب المُشكل من ثلاثة قضاة؛ واحد منهم هو مُقدم البلاغ، والاثنان الآخران أبديا رأيهما في القضية في وقت سابق، وهو الأمر المخالف لقانون المرافعات والاجراءات الجنائية. بالإضافة الى ذلك، مُنع القضاة من الاطلاع على ملف الدعوى ورُفض طلبهم بسؤال المبلغين باعتبارهم شهود اثبات.
 
خاتمة

تثير المحاكمات التأديبية ضد القضاة الكثير من التساؤلات حول قانونيتها وحياديتها. فعدا أنها تتوسع في تعريف الاشتغال بالسياسة على نحو يؤدي إلى تجريد القضاة من حريتي التعبير والتجمع، فإنها مشوبة بالإنتقائية والكيد السياسي. فمن الجلي أن القضاة المؤيدين للرئيس السيسي لم يجدوا حرجاً في التعبير عن مواقفهم السياسية من دون أن يستتبع ذلك أي متابعة بحقهم. فالمسألة إذا ليست خروجا عن أخلاقيات معينة، إنما بالدرجة الأولى خروج عن طاعة السلطان. من دون ريب، ما يحصل اليوم في مصر هو أخطر ما تتعرض له استقلالية القضاة في المنطقة العربية.
 



[1] تنص المادة 94 من قانون السلطة القضائية على: “لرئيس المحكمة- من تلقاء نفسه أو بناء على قرار الجمعية العامة بها- حق تنبيه القضاة الى ما يقع منهم مخالفًا لواجباتهم أو مقتضيات وظيفتهم بعد سماع أقوالهم ويكون التنبيه شفاهًا أو كتابة وفي الحالة الأخيرة يُبلغ صورته  لوزير العدل. وللقاضي أن يعترض على التنبيه الصادر اليه كتابة بطلب يُرفع خلال اسبوعيين من تاريخ تبليغه الى إياه الى مجلس القضاء الأعلى. وللمجلس إجراء تحقيق عن الواقعة التي كانت محلاً للتنبيه أو يندب لذلك أحد أعضائه بعد سماع أقوال القاضي، وله أن يؤيد التنبيه أو يعتبره كأن لم يكن ويبلغ قراره الى وزير العدل، ولا يجوز لمن أصدر التنبيه أن يشترك في نظر الاعتراض ويحل محله من يليه في الأقدمية. ولمدير ادارة التفتيش القضائي حق تنبيه الرؤساء بالمحاكم الابتدائية وقضاتها بعد سماع أقوالهم على أن يكون لهم اذا كان النبيه كتابة حق الاعتراض أمام المجلس المشار اليه. فاذا تكررت المخالفة ذاتها أو استمرت بعد صيرورة التنبيه نهائيًا رفعت دعوى تأديبية.” 
[2] راجع المادة 99 من قانون السلطة القضائية.
[3]راجع المادة 98 من قانون السلطة القضائية.
[4] راجع المادة 107 من قانون السلطة القضائية.
[5] مادة 108 من قانون السلطة القضائية.
[6] راجع “منظمات حقوقية تستنكر إحالة 41 قاضياً للمعاش بسبب آرائهم”، نُشر على موقع المبادرة المصرية للحقوق الشخصية بتاريخ 18-3-2015.
[7] نشر الخبر في مختلف الصحف المصرية في 28-1-2014.
[8]راجع الخبر على موقع جريدة الشروق بتاريخ 4-12-2014.
[9] راجع “الشروق تنشر حيثيات إحالة 14 قاضيًا للمعاش لاتهامهم بتأسيس: قضاة من أجل مصر”، نشر على الموقع الاكتروني لجريدة الشروق بتاريخ 22-3-2016.
[10]راجع الخبر على موقع جريدة الوطن بتاريخ 7-3-2016.
[11] المنظمات هي: مركز القاهرة لدراسات حقوق الانسان، الجماعة الوطنية لحقوق الانسان، الشبكة العربية لمعلومات حقوق الانسان، المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، مجموعة المساعدة القانونية لحقوق الانسان، مركز الحقانية للمحاماة والقانون، مركز النديم لتأهيل ضحايا العنف والتعذيب، مركز النديم لتأهيل ضحايا العنف والتعذيب، مركز حقوق الانسان لمساعدة السجناء، المفوضية المصرية للحقوق والحريات، المنظمة العربية للاصلاح الجنائي، مؤسسة حرية الفكر والتعبير، مؤسسة قضايا المرأة المصرية.
[12] راجع أحمد جمال الدين، “الحرب على قضاة الاخوان مستمرة: العزل هو الحل”، نشر على موقع جريدة الأخبار (اللبنانية)، بتاريخ 5-12-2014.
[13] راجع “عول 32 قاضياٌ وبراءة 23 آخرين في قضية بيان رابعة، نُشر على موقع جريدة الشروق بتاريخ 28-3-2016. 
انشر المقال

متوفر من خلال:

استقلال القضاء ، حقوق العمال والنقابات ، مصر ، قضاء ، المرصد القضائي



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية