اثنتا عشرة ملاحظة على مقترح تجريم التحرّش في لبنان: مقاربة أخلاقية تحجب التعسّف في استغلال السّلطة


2020-12-08    |   

اثنتا عشرة ملاحظة على مقترح تجريم التحرّش في لبنان: مقاربة أخلاقية تحجب التعسّف في استغلال السّلطة

بتاريخ 10/11/2020، أنجزت لجنة الإدارة والعدل النيابية اقتراح القانون الرّامي إلى “تجريم التحرّش الجنسي وتأهيل ضحاياه” بعد دمج عدد من الاقتراحات المقدمة في هذا الخصوص، وبخاصة اقتراحَي النائبة عناية عز الدّين والهيئة الوطنية لشؤون المرأة اللبنانية. وعليه، أحالت اللجنة الصيغة النهائية إلى الهيئة العامّة في مجلس النوّاب، بغية مناقشته وإقراره. وبذلك، يُشكّل هذا الاقتراح الثالث من نوعه في سلسلة مشاريع واقتراحات قوانين رسميّة تهدف إلى معالجة إشكاليّة التحرّش في لبنان تبعاً لمشروع القانون الذي تقدّمت به وزارة الدولة لشؤون المرأة سابقاً (برئاسة الوزير السابق جان أوغاسابيان) سنة 2017 ولاقتراح القانون المُقدم من النائب السابق غسان مخيبر في السنة نفسها بصيغة المعجّل المكرّر والذي سبق لي أن أبديت ملاحظاتي عليهما، مع التذكير بوجود مقترح قانون آخر (غير رسمي) بشأن التحرش الجنسي والمعنوي (داخل أماكن العمل وخارجها) طُرح في إطار مشروع “مغامرات سلوى” الذي نظمته جمعية “المجموعة النسوية” سنة 2012، والذي كنت قد شاركت آنذاك في صياغته مع عدد من المحامين والباحثات والقضاة والناشطات النسويات والنقابيين إلخ. 

وفيما يتبيّن من البيانات الرسميّة أن الاقتراح هدف إلى إجراء توليفة بين مختلف الاقتراحات ومشاريع القوانين المطروحة سابقاً في هذا الشأن، سرعان ما تُظهر قراءة أوّلية له أنه مشوب بثغرات وإشكاليات مُشابهة لإشكاليات المقترحات السابقة في هذا الإطار، والتي قد تؤدّي إلى تعطيل فعاليّته في حماية ضحايا التحرّش.

وعليه، أمكن تسجيل الملاحظات التالية، على أمل أن يتم الأخذ بها خلال مناقشة اقتراح القانون في الهيئة العامّة، بغية تطوير صياغته على نحو يعالج بدقّة وجديّة موضوع التحرّش من كافة جوانبه شديدة الحساسية:

1- الإشكاليات التي تعتري تعريف التحرّش:

يُعرّف اقتراح عزّ الدين التحرّش الجنسي على أنه “أي سلوك سيئ متكرر خارج عن المألوف، غير مرغوب فيه من الضحية، ذي مدلول جنسي يشكّل انتهاكاً للجسد أو للخصوصية أو للمشاعر يقع على الضحيّة في أي مكانٍ وُجِدَت، عبر أقوال أو أفعال أو إشارات أو إيحاءات أو تلميحات جنسية أو إباحية وبأي وسيلة تمّ التحرّش [بها] بما في ذلك الوسائل الإلكترونية”. ويعتبر أيضاً الاقتراح تحرّشاً جنسياً “كلّ فعل أو مسعى ولو كان غير متكرر يستخدم أي نوع من الضغط النفسي أو المعنوي أو المادي أو العنصري يهدف فعلياً للحصول على منفعة ذات طبيعة جنسية يستفيد منها الفاعل أو الغير”.

من المُلفت أن تعريف الاقتراح للتحرّش الجنسي لا يقتصر على ذاك الواقع داخل مكان العمل وحسب، وإنما يشمل أيضاً الأفعال التي تقع في أي مكان أو ظرف وُجدت فيه الضحية. وفي حين أدخل الاقتراح عنصر التكرار في صلب تعريفه للتحرّش – والمقصود هنا هو استبعاد الحالات العرضية ومعالجة النمطيات في السلوك – فهو بالمقابل استبعد هذا العنصر في حال توفّر أيّ نوع من الضغط على الضحية – أكان نفسيا أو معنويا أو ماديا أو عنصريا –، والهدف هنا هو احتساب موازين القوة في العلاقات الإجتماعية ومدى إمكانية استغلالها للحصول على منفعة ما (جنسية أو غيرها) مستمدّة من موقع السلطة، حيث يصعب على الضحية أن تتصدى لها. فضلاً عن ذلك، شمل تعريف الاقتراح عنصراً إجتماعياً لتوصيف فعل التحرّش من خلال إحالته إلى السلوك “الخارج عن المألوف”، وقد يكون الهدف هنا هو استبعاد إمكانية استغلال النص القانوني كأداة للابتزاز كما والأخذ بعين الاعتبار طبيعة العلاقات البشرية المتغايرة والتي قد تختلف بين ظرف وآخر وبين بيئة إجتماعية وأخرى. ومن أهم الملاحظات على هذا التعريف الآتية: 

(!) ملاحظة أولى: “سلوك سيئ” مفهوم أخلاقي غير قابل للضبط 

إن استخدام اقتراح القانون لكلمة “سيئ” في توصيفه للسلوك المُقترف ضمن تعريفه للتحرّش الجنسي، يشي بمقاربة أخلاقية من قبل المشرّع لإشكالية التحرّش في المجتمع أكثر مما هي مقاربة آيلة إلى حماية أشخاص وقعوا ضحايا عنف جنسي. فالمقاربة الأخلاقية تُدخل عنصراً غير موضوعيًّ لتوصيف فعل ما على أنه يشكل تحرّشاً، فضلاً عن أنها تُبعد ضحية التحرّش من قلب فلسفة النص القانوني لتستبدلها بحماية الأخلاق العامة، وهو أمر قد يؤدي إلى إقحام القانون الجزائي (وتالياً السلطات العامة) بالحياة الخاصة وإغراقه في دهاليز الأخلاقيات الفردية والإجتماعية المختلفة والمتغايرة والمعقّدة والمبهمة إلى حدّ ما، مع ما قد يتفرّع عن هذا الأمر من صعوبات في تطبيق النصّ. لا بل، أنه من مخاطر اللجوء إلى هذا التوصيف مباشرة قبل تعبير “الخارج عن المألوف”، أن يتم تأويل النص القانوني وإستغلاله لإستبعاد حالات التحرّش الجنسي التي قد تقع في أطر العلاقات الزوجية أو بمعرض الخطوبات وتالياً إعفاء المتحرّش في هذه الحالات من المحاسبة القانونية. فكان من الأنسب استبعاد هذه المقاربة لتعزيز موقع الضحية في صلب فلسفة النص القانوني.

(!) ملاحظة ثانية: تحرّش بمعزل عن روابط السلطة

من الملفت أيضا أن الاقتراح وفي حين عاقب التحرّش مهما كان المكان الذي وقع فيه وأزال عنصر التكرار في حال توفّر أي نوع من الضغط على الضحية، فهو بالمقابل لا يميّز بين أجير وصاحب عمل في حال وقع التحرّش في إطار العمل، ما يستدعي التساؤل عن مدى فعالية النص هنا. فهذا الأمر يفتح باباً واسعاً أمام أصحاب العمل لإستغلال هذا النص ضد أجرائهم. فالاقتراح لم يأخذ بعين الاعتبار طبيعة علاقات العمل غير المتساوية في لبنان (ومن البديهي التذكير بأن صاحب العمل يتمتع بسلطة مهنية ومالية على أجير يجد نفسه غالباً بوضعية تابعة له)، وساوى حيث لا يجب، ما قد يؤدي الى إفراغ اقتراح القانون من غايته المُعلنة. والواقع أن تشريعات مماثلة للتحرش (والمُشار إليها بالـ”عمودية التصاعدية”) هي جد نادرة في القانون المقارن، وهي تتطلّب طبيعة غير هرمية لعلاقات العمل، الأمر المغيّب تماماً عن الإقتصاد اللبناني اليوم. 

(!) ملاحظة ثالثة: تهميش التحرّش المعنوي

لم يتضمّن الاقتراح أحكاماً خاصة للتصدي للتحرّش المعنوي، لا سيما في إطار علاقات العمل. فيبقى أن هناك جوانب لا تحصى من التحرّش المعنوي من شأنها أن تؤثر مباشرة على التدريب المهني أو على الإستمرارية في الوظيفة أو على الترقي فيها أو على الأجر أو أن تحدث بيئة عمل تخويفية أو عدائية أو ضاغطة أو مذلة. وإن أهمية إدراج مثل هذه الأحكام تكمن في إمكانية التصدي إذ ذاك لمختلف أنواع التعسف والترهيب والتسلّط الذي يعاني منها عدد هائل من الأجراء اليوم في لبنان وهم غالباً ما يخضعون لها بسبب حالة التبعية المهنية والمالية الملاصقة لعلاقات العمل في اقتصادنا النيوليبرالي.

2- الإشكاليات التي تعتري ملاحقة ومعاقبة التحرّش:

يُعاقب الاقتراح كل من أقدم على ارتكاب جريمة التحرّش الجنسي بالحبس من شهر حتى سنة و/أو بغرامة تتراوح بين ثلاثة وعشرة أضعاف الحد الأدنى الرسمي للأجور، وقد تصل العقوبة إلى ستة أشهر كحد أدنى وسنتين كحد أقصى و/أو بغرامة تتراوح من عشرة أضعاف إلى عشرين ضعف الحد الأدنى الرسمي للأجور في حال وقع الفعل في إطار رابطة التبعية أو علاقة العمل أو في إحدى الإدارات الرسمية أو العسكرية أو المؤسسات العامة أو البلديات أو الجامعات أو المدارس أو الحضانات أو المعاهد أو الأندية أو وسائل النقل أو إذا كان المتحرّش موظفاً رسمياً.

أمّا في حال وقع الجرم على حدث أو على شخص من ذوي الاحتياجات الخاصة أو على من كان لا يستطيع المدافعة عن نفسه بسبب وضعه الصحي الجسدي أو النفسي أو في حال كان الفاعل ممن له سلطة مادية أو معنوية أو وظيفية أو تعليمية على الضحية أو استخدم الضغط الشديد النفسي أو المعنوي أو المادي على الضحية أو ارتكب الفعل شخصان أو أكثر، فيتحوّل الفعل من جنحة إلى جناية تُعاقب من سنتين إلى أربع سنوات سجن (علماً أن الاقتراح استخدم كلمة “حبس”) وبغرامة تتراوح من ثلاثين إلى خمسين ضعف الحد الأدنى الرسمي للأجور. 

مما تقدم، تُسجّل الملاحظات التالية:

(!) ملاحظة رابعة: سواد المنطق العقابي

لجأ الاقتراح حصرياً إلى المنطق العقابي لمعالجة مشاكل التحرّش، دون إيلاء أي دور للقضاء المدني أو لمجالس العمل التحكيمية أو للوساطة في قضايا حسّاسة مثل هذه. ومن المهم التنويه هنا بأهمية اللجوء إلى وسائل بديلة (وقائية) لحل مثل هذه النزاعات قبل الذهاب مباشرة الى القضاء الجزائي، نظراً لأهمية المساحة التي تحتلها وجهة نظر الضحية للفعل المقترف من ناحية أولى (فما قد يشكل تحرّشاً لشخص ما قد لا يشكل تحرّشاً لآخر)، ونظراً لأهمية المحافظة على إستقرار العلاقات الإجتماعية المختلفة، لا سيما علاقات العمل منها. فسلوك الطريق الجزائية مباشرة (مع كل ما يستتبع ذلك من علانية وتوقيف وعقوبة مقيدة للحرية) قد يغيّب عملياً أي فرضية للمحافظة على بيئة إجتماعية أو بيئة عمل سليمة (أو حتى إستمرارية العمل بحد ذاتها). فما هي حظوظ المحافظة عليها في ظل نشوء دعوى جزائية بين زملاء أو بين أجير وصاحب عمل مثلاً؟

(!) ملاحظة خامسة: معظم حالات التحرّش جناية

إن نصّ الاقتراح يترك هامشاً واسعاً للتضارب بين مختلف بنوده. ففي حين يعاقب الاقتراح الفعل المقترف في إطار رابطة التبعية أو علاقة العمل بعقوبة تصل إلى سنتين حبس وإلى غرامة عشرين ضعف الحد الادنى الرسمي للأجور، يتحوّل الفعل نفسه إلى جناية تصل عقوبتها إلى أربع سنوات وغرامة تصل إلى خمسين ضعف الحد الادنى الرسمي للأجور في الفقرة “ج-2″ من نفس المادة التي تخصّ الفاعل الذي بتمتّع بـ”سلطة مادية أو معنوية أو وظيفية أو تعليمية” على الضحية، كما وفي الفقرة “ج-4” التي تخصّ الفاعل الذي يستخدم الضغط الشديد النفسي أو المعنوي أو المادي على الضحية. وهو أمر قد يخصّ عملياً معظم حالات التحرّش، نظراً لارتباط وقوعها الوثيق مع موازين القوة في العلاقات الإجتماعية، جاعلاً من فعل التحرّش في معظم الحالات جناية دون سواها مع كل ما يتفرّع عن هذا الأمر من اختصاص لمحكمة الجنايات وتطبيق لأصول محاكمات قد لا تأتلف بتاتاً وطبيعة قضايا التحرّش الحساسة، والتي قد تردع بالتالي الضحايا عن اللجوء إلى القضاء في مثل هذه الحالات، عطفاً على أسلفته في الملاحظة الأولى أعلاه.

(!) ملاحظة سادسة: امكانية مباشرة الملاحقة من دون شكوى من الضحية

الملاحظة عينها تُسجّل بشأن مدى توقّف ملاحقة الفاعل على شكوى الضحية، إذ أن المادة 3 من الاقتراح استبعدت هذا الشرط في حال استخدم الفاعل الضغط الشديد المادي أو النفسي أو المعنوي أو العنصري على الضحية أو إذا ارتُكِب الفعل من قبل من لديه سلطة مادية أو معنوية أو وظيفية. بمعنى آخر، لم يترك الاقتراح أي هامش للضحية بالتحكم بمآل الدعوى وتالياً بإمكانية استخدامها كورقة تفاوض والعدول عنها متى تشاء، فألزمها بالتوصيف الجنائي مع ما يتبعه من تحريك لدعوى الحق العام ومن أصول للمحاكمات، والتي قد تردع جميعها الضحية عن التقّدم بشكواها وملاحقة من إعتدى عليها. وإن هذا الأمر يعزز أيضاً ما أسلفته بشأن استبعاد إقتراح القانون لموقع الضحية من قلب فلسفته ومقاربته للأمر من زاوية أخلاقية تهدف إلى حماية المجتمع والحق العام أكثر مما هي تهدف إلى حماية ضحايا التحرّش.

(!) ملاحظة سابعة: احتساب الغرامة على أساس الحد الأدنى للأجور عقوبة غير رادعة

أخيراً، وفيما أن ربط الغرامات بالحد الأدنى للأجور أمر جيد نظرياً، يبقى السؤال حول مدى فعاليّة تلك الغرامات لردع التحرّش في ظل تدهور الليرة اللبنانية التاريخي الراهن مقابل ثبات الحد الأدنى الرسمي للأجور الذي لم يتم تعديله منذ سنة 2012 والذي لا يتم مراجعته دوريا على ضوء غلاء المعيشة في لبنان.

3- إشكالية عبء الإثبات:

(!) ملاحظة ثامنة: عبء إثبات الضرر؟ 

على غرار ما قامت به اقتراحات ومشاريع القوانين السابقة في هذا المجال، لم يخفّف الاقتراح الراهن عبء الإثبات على الضحية. فقد أوجب هذا الاقتراح أيضاً إثبات تداعيات التحرّش على الضحية، لتكوين الجرم. فقد استخدم الاقتراح صيغة النتيجة الحاصلة بدل النتيجة الممكنة أو المتوقعة، مثل: “سلوك… يشكّل انتهاكاً للجسد أو للخصوصية أو للمشاعر” بدلاً من “قد يُشكّل…” أو “كلّ فعل أو مسعى… يهدف فعلياً للحصول على منفعة ذات طبيعة جنسية يستفيد منها الفاعل” إلخ. وهذا الأمر إنما يحتّم على الضحية إثبات الضرر والنيّة (“يهدف فعلياً”)، وهو أمر غالباً ما يصعب إثباته في قضايا التحرّش. ولهذا السبب خفف مشروع قانون المجتمع النسوي عبء الإثبات على الضحية معتمداً إذ ذاك أحرف التوقع (مثل “قد”) في توصيفه للنتائج الفعل المقترف، وكان من الأجدى أن يتبنى الاقتراح الراهن نفس الأسلوب.

4- إشكالية الضمانات لحماية الضحيّة، لا سيما داخل مكان العمل:

تُحظّر المادة الرابعة من اقتراح عزّ الدين كل تمييز أو مساس بالحقوق المكرّسة قانوناً يتعرّض له كل من ضحية التحرّش التي رفضت الخضوع لأفعال التحرّش ومن قام بالتبليغ عن التحرّش في الحالات التي تُحرَّك فيها الدعوى العامة من دون شكوى المتضرر أو قام بالإدلاء بشهادته في مثل هذه الحالة (لا سيما لجهة الأجر أو الترقية أو النقل أو تجديد عقد العمل أو فرض عقوبات تأديبية). 

(!) ملاحظة تاسعة: لا ذكر لموجب صاحب العمل بضمان بيئة عمل سليمة

بالمقابل، تقاعس الاقتراح عن إيجاد أي موجبات على أصحاب العمل بالذات بهذا الشأن، لا سيما إزاء تضمين نظام الأجراء الداخلي بنود خاصة للوقاية ولمعالجة ولحماية أجرائهم من أفعال التحرّش داخل مكان العمل أو في معرض ممارستهم للمهنة وتالياً ترتيب النتائج القانونية على أصحاب العمل الذين لا يحمون أجراءهم في مثل هذه الحالات.

(!) ملاحظة عاشرة: أي مسؤوليات لأصحاب العمل التعاقدية حيال أجرائهم؟ 

فضلاً عن ذلك، وفي حين أشار الاقتراح في مادته الخامسة إلى عقوبات تأديبية محتملة (ومنها الصرف) على المتحرّش، فهو لم يأتِ على ذكر ماهية عقوبة صاحب العمل المتحرّش أو الذي أخلّ بموجبه في حماية أجرائه من التحرّش، خلافاً لما أوجده مثلاً مشروع قانون المجتمع النسوي في وضعه آلية مفصلة جداً لحل النزاعات بهذا الشأن أمام مجالس العمل التحكيمية، فاتحاً أيضاً مجالاً للتوسط في هذا الإطار (وهي آلية قد تكون أنسب وأسرع لحل النزاعات الناشئة عن التحرّش)، ومكرّساً حق الضحية بالإستقالة على مسؤولية صاحب العمل. وبذلك، تكون الطريق الوحيدة المتاحة أمام الضحية لمكافحة التحرّش في اقتراح عزّ الدين، هي الذهاب إلى القضاء الجزائي.

(!) ملاحظة حادية عشرة: لا آليات واضحة لحماية الضحية والشهود تبعا للملاحقة

أخيراً، وفي حين نصّت المادة الثالثة من الاقتراح الراهن على وجوب اتخاذ جميع الاجراءات اللازمة عند الإستماع إلى الضحية في جميع مراحل التحقيق الأولي والابتدائي والمحاكمة من أجل ضمان حمايتها وحماية الشهود، فهو لم يحدد بالمقابل أي آلية لضمان تلك الحماية، خلافاً لما أوجده مثلاً قانون الإتجار بالبشر في هذا المجال. فيبقى السؤال هنا حول كيفية ضمان مثل هذه الحماية لحثّ الضحايا أو الشهود على فضح التحرّش.

5- الإشكاليات التي تعتري إنشاء صندوق خاص لمساعدة ضحايا التحرّش:

تنصّ المادة السادسة من الاقتراح على إنشاء صندوق خاص، لدى وزارة الشؤون الاجتماعية، يتولّى مساعدة ضحايا التحرّش الجنسي وضمان الرعاية لهم بما يكفل تأهيلهم واندماجهم في المجتمع، وتوفير السبل الآيلة إلى الحدّ من هذه الجرائم والوقاية منها وتأهيل مرتكبيها، على أن يُحدَّد نظام الصندوق بموجب قرار تنظيمي يصدر عن وزير الشؤون الاجتماعية لاحقاً. هنا تُسجل الملاحظة الآتية: 

(!) ملاحظة ثانية عشرة: سياسة الصناديق الفارغة

فضلاً عن ذلك، وبمعزل عن الملاحظة الأولى، أي على فرض أن هدف إنشاء الصندوق كان فعلياً لإيجاد دعم معنوي و/أو مادي لضحايا التحرّش، يبقى أن اقتراح القانون استمهل تفعيله إلى حين صدور قرار تنظيمي خاص له عن وزير الشؤون الإجتماعية، وهو أمر سبق لنا أن شاهدناه في قوانين أخرى (مثل قانون تحرير الإيجارات القديمة المعقودة قبل سنة 1992 وقانون حماية أفراد الأسرة من العنف الأسري وقانون مكافحة جرائم الإتجار بالبشر) هدفت إلى إيجاد حلول قانونية لإشكاليات إجتماعية، لكن سرعان ما يُستمهل وضع هذه الحلول قيد التنفيذ من خلال الإحالة إلى قرارات أو مراسيم تنظيمية أو تطبيقية لاحقة غالباً ما لا تصدر أو تستغرق سنوات للصدور، فتُوجد بالمقابل فراغات قانونية تشكّل بدورها عوائق بوجه تنفيذ أهداف القانون الأساسي بشكل متكامل وشامل. وهذا ما أسمته المفكرة القانونية في عدد من مقالاتها بسياسة الصناديق الفارغة

للاطلاع على الدراسة:

للاطلاع على المرافعة النموذجية لمكافحة التحرّش في مكان العمل

انشر المقال

متوفر من خلال:

أنواع القرار ، إقتراح قانون ، احتجاز وتعذيب ، البرلمان ، الحق في الخصوصية ، المرصد البرلماني ، جندر ، جندر وحقوق المرأة والحقوق الجنسانية ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، سياسات عامة ، لا مساواة وتمييز وتهميش ، لبنان ، محاكمة عادلة وتعذيب ، مساواة ، مقالات



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *