إبطال قراري شطب إداري لنقابة محامي بيروت: تدخل قضائي لضمان حق الدفاع جزئيا


2019-06-14    |   

إبطال قراري شطب إداري لنقابة محامي بيروت: تدخل قضائي لضمان حق الدفاع جزئيا

في قرارين صادرين بتاريخ 29\10\2018 و28\3\2019، أبطلت محكمة استئناف بيروت-الغرفة الحادية عشرة، الناظرة في الدعاوى النقابية، قرارين صادرين عن مجلس نقابة المحامين في بيروت بشطب محاميين إداريا من جدول النقابة لأسباب مسلكية1. وقد استند القراران إلى عدم تأمين حقوق الدفاع للمحامين المقرر شطبهم.

للتذكير، كانت محكمة الاستئناف كرّست لأول مرة صلاحية مجلس النقابة بشطب محام إداريا لأسباب مسلكية في القرار الإعدادي الصادر في 21\5\2015 وذلك في إطار الطعن المقدم من النائب والوزير السابق نقولا فتوش ضدّ قرار شطبه من الجدول العام، إنطلاقاً من المادتين 5 و7 من قانون تنظيم مهنة المحاماة. فاستندت المحكمة إلى هاتين المادتين اللتين تنصّان على أن طلبات الإنتساب إلى النقابة تقدم إلى المجلس الذي عليه التثبت من توفر شروط مزاولة مهنة المحاماة وخصوصاً “التمتع بسيرة توحي الثقة والاحترام”. وانطلاقاً من ذلك، اعتبرت المحكمة أنه يعود لمجلس النقابة “التحقق دائماً من استمرار توافر شروط” مزاولة المهنة، وأنه تطبيقاً لمبدأ توازي الاجراءات parallélisme des formes، يعود له شطب من لم تعد تتوفر فيه هذه الشروط.

شطب عى خلفية الإدعاء ضد قاضٍ؟

بالعودة إلى قراري محكمة الإستئناف، يتبيّن من الوقائع في القضية الأولى أن نقيب المحامين في بيروت كان قد أحال المحامي موضوع الإجراء إلى “المجلس التأديبي بسبب تجاوزه حدود الدفاع عن موكلته (…) ولا تزال الإحالة عالقة أمام المجلس المذكور”. وأن المحامي تلقى اتصالاً من مفوض قصر العدل في نقابة المحامين في بيروت “سأله عن ما فعله مع أحد القضاة، فأبلغه بأنه تقدم بشكوى بوجهه أمام الهيئة العامة لمحكمة التمييز، فطلب منه مفوض القصر التراجع عن هذه المراجعة قبل الساعة الثانية عشر ظهراً وإلا سيشطب من جدول المحامين فرفض ذلك وتقدم بنفس اليوم بكتاب خطي ملحق بالمراجعة الآنف ذكرها لهيئة التفتيش القضائي، وعند الساعة الثانية بعد الظهر من نفس اليوم اتصل به مفوض قصر العدل وسأله ما إذا كان قد عمل بنصيحته أجابه بالنفي، فأقفل الخطّ إلى أن تبلّغ قرار شطبه عن الجدول العام للمحامين”. واعتبر المحامي أن القرار هذا “مستوجب الفسخ لتجاوز مجلس النقابة اختصاصه الوظيفي”. كما أنه يخالف “أحكام المادة 59 من قانون تنظيم المهنة معطوفة على المواد 98 وما يليها من القانون المشار إليه باعتبار أنه يعود للمجلس التأديبي، وليس لمجلس النقابة فرض العقوبات التأديبية، وأنه ليس من ضمن مهام مجلس النقابة شطب المحامين عن الجدول”. بالمقابل استندت نقابة المحامين للدفاع عن قرارها على كون ” المستأنف كان عرضة للعديد من الملاحقات الجزائية والمسلكية مراراً، وأنه امتهن الأعمال المخالفة للقانون فغدا مكررا لذلك، وأنه يستدل من القرار وجود عدة أذونات ملاحقة جزائية بحق المستأنف، وأنه شخص لا يشرف نقابة المحامين وقد فقد السيرة التي توحي بالثقة والإحترام المفروضة بمقتضى المادة 5 بند 4 من قانون تنظيم المهنة الأمر الذي يتيح لمجلس النقابة شطبه إداريا”.

وجاء قرار محكمة الإستئناف الصادر بتاريخ 29\10\2018 ليبطل قرار الشطب الإداري مستنداً إلى سبب شكلي متمثل بعدم احترام أصول التبليغ، مما قوّض تأمين حقّ الدفاع للمحامي من خلال دعوته أصولاً للمثول أمام مجلس النقابة للاستماع إليه، وهذه الأصول محددة في المادة 116 من قانون تنظيم المهنة (رقم 8/70) معطوفة على المادة 112 من النظام الداخلي للنقابة. وترتبط المادة 116 بوجوب أن تبلغ أوراق مجلس النقابة وقرارته وأحكام المجلس التأديبي وفقا للأصول المنصوص عليها في هذا القانون وللأصول التي يحددها النظام الداخلي للنقابة. أما المادة 112 فتشير إلى الوسائل المقبولة في تبليغ المحامي، تحديداً أنه يبلّغ “إما مباشرة وإما بواسطة أحد أفراد عائلته الراشدين والمقيمين معه وإما بواسطة موظف مكتبه وفي حال التعذر يتم التبليغ بواسطة اللصق على باب مكتبه أو على لوحة الإعلانات في نقابة المحامين في مركزها الرئيسي”. فقد جاء في القرار: “لا يمكن أن يعتبر الإتصال الهاتفي، الذي جرى بين مفوض القصر والمستأنف الذي على أساس مضمونه استند مجلس النقابة لإصدار قراره المستأنف، كدعوة للمستأنف للحضور أمامه وإبداء دفاعه وأن ذلك يعتبر تبليغاً، كون أن أصول التبليغ المحددة في المادة 116 من قانون تنظيم المحاماة معطوفة على المادة 112 من النظام الداخلي للنقابة، نصت على أن تبلغ الدعوات العائدة إلى كل من مجلس نقابة المحامين وفقاً للأصول المبنية في المادة 112 المشار إليها، وليس من هذه الأصول الإتصال الهاتفي (وإن اعتمد عادةً، إذ أن ذلك يعتبر على سبيل الزمالة والمجاملة بين المحامين)”. ويكتسي هذا القرار أهمية فائقة طالما أنه يضع حدّا للممارسة السائدة في هذا المضمار والتي تقوم على الاستدعاء من خلال الهاتف حصرا.

وشدّدت المحكمة في تعليلها على قيمة حق الدفاع، كما على خضوع قرارات مجلس النقابة إليه معتبرةً أن “الإجتهاد والفقه الحديثين يتّجهان إلى توسيع نطاق حقوق الأفراد والحماية المتوفرة لهم انطلاقاً من اعتبار مبادئ المحاكمة العادلة وحقوق الدفاع مبدأ عاماً منبثقاً عن حق طبيعي، بحيث يفرض تطبيق هذه المبادئ بحدها الأدنى على الأقل على أشخاص أو هيئات مخولة اتخاذ قرارات أو تدابير مؤثرة بحقوق الغير”. وهذا ما كنّا قد بيّناه في تعليقنا على قضية “فتوش”2.

شطب على خلفية قرار تأديبي سابق؟

أما في القضية الثانية، فمن اللافت جداً أنه يتبيّن من الوقائع أن قرار الشطب الإداري جاء بعد صدور قرار عن المجلس التأديبي في نقابة المحامين قضى بإيقاف المحامي عن مزاولة المهنة لمدة سنة كاملة، بعد صدور حكم عن القاضي المنفرد الجزائي في بعبدا بحقه. وكان المحامي قد أدلى أمام محكمة الإستئناف أن “كافة الأفعال والواقعات التي استند إليها (قرار الشطب) قد سبق ولوحق بها المستأنف أمام المجلس التأديبي الذي قضى بشطب المستأنف لمدة سنة من جدول المحامين المتدرجين ونفذ المستأنف عقوبته كاملة”. وطلب المحامي بإبطال القرار “لمخالفته مبدأ الوجاهية كون مجلس نقابة المحامين في بيروت قد قرر شطبه من جدول المحامين المتدرجين دون دعوته أو الإستماع إلى دفاعه”.

أما نقابة المحامين فبرّرت عدم استدعائها المحامي والإستماع إليه بكونه “لا يجوز للمحامي أن يستلهم حق الدفاع المقدس عندما يرتكب أفعالا جرمية”.

وجاء قرار محكمة الإستئناف الصادر في 28\3\2019 ليبطل قرار الشطب الإداري معلّلا: “أن مجلس نقابة المحامين لم يدعُ المستأنف لسماع دفاعه بشأن التدبير المتخذ بحقه، ولم يتبين أن المستأنف تمكن من إيداع ملاحظاته أو مناقشة ما بني عليه قرار المجلس المستأنف، أو تمت دعوته لتمكينه من ذلك أمام مجلس النقابة وهو الجهاز المخول عند اجتماعه باتخاذ القرار المتعلق بمصير انتساب المحامي للنقابة. وحيث بالتالي، فإن القرار المستأنف صدر دون مراعاة الحد الأدنى من حقوق الدفاع التي تشكل حقاً جوهرياً وأدى إلى التعرض لحق أساسي من حقوق الإنسان” مضيفاً أن “حق الدفاع المكرس في مختلف المواثيق الآنف ذكرها هو من الحقوق الطبيعية والمبادئ الأساسية أو المبادئ العامة وقد صنفته محكمة التمييز اللبنانية ضمن المبادئ القانونية الأساسية، كما أكد المجلس الدستوري على أنه يتمتع بقيمة دستورية”. كما اعتبرت المحكمة أن “خطورة التدبير الممكن أن يتّخذ من المجلس المذكور (مجلس النقابة) الذي قد يصل إلى الشطب الإداري نهائياً من جدول المحامين، وبالتالي الحرمان من ممارسة مهنة المحاماة (…)، تستتبع بالنظر لخطورتها ومدى تأثيرها على حق أساسي وجوهري، التقيد بالحد الأدنى من تأمين حق الدفاع تأمين فرصة للإستماع إلى المطلوب اتخاذ التدبير الإداري بحقه”. ”كما شدّدت المحكمة على أن “ارتكاب المستأنف للمخالفات المبيّنة من النقابة (…) لا يعني حرمانه من حقوق الإنسان لمجرد ارتكابه للمخالفات المشار إليها”.

تكريس آلية الشطب الإداري

وإن جاء القراران لافتين لجهة تكريسهما حقّ الدفاع والأصول الواجب احترامها في سبيل حمايته – وهو من الضمانات الجوهرية للمحاكمة العادلة – في معرض استخدام آلية الشطب الإداري، إلا أنهما لم يذهبا إلى حدّ تصحيح المسار ووضع حدّ للانحراف في استخدام هذه الآلية في المسائل المسلكية. وعلى العكس، من الممكن اعتبار أن موقف محكمة الإستئناف هذا يمضي أكثر في تكريس استخدامها وتدعيم نشوء أداة تأديبية موازية مع ما يحمل ذلك من خطورة على صعيد توفير ضمانات المحاكمة العادلة للمحامي3. وما يزيد خطورة النتيجة هذه أن مهنة المحاماة تحتّم استقلالية المحامي وترتبط ارتباطاً وثيقاً بالحريّات وبالمحاكمة العادلة. فاعتبرت محكمة الإستئناف في القضية الأولى (29/10/2018) أنه “عملا بكون مجلس النقابة مختصاً بإدارة شؤون المهنة والسهر على مسلك المحامين، فإنه يكون للمجلس التحقق دائما من استمرار توافر شروط المادة 5 الآنفة الذكر طوال فترة انتساب المحامي إلى النقابة، وليس فقط عند تقديم طلب التسجيل في النقابة، وذلك بمعزل عن أي ملاحقة تأديبية، إذ أن التثبت المشار إليه نابع من واجبات مجلس النقابة بمراقبة شؤون النقابة والمنتسبين إليها والتحقق من توافر شروط الانتساب بشكل دائم ومستمر”. كما استعادت المحكمة التعليل الذي استندت إليه في قضية “فتوش” لتخلص إلى اعتبار أن القرار الذي اتخذته النقابة يتمتّع بالصفة الإدارية وليس بالصفة التأديبية مما يستبعد معه تطبيق كافة قواعد وأصول المحاكمة النقابية التأديبية، وإلى ” تكريس حق مجلس النقابة باتخاذ القرار المستأنف بالشكل الإداري”. أما في القضية الثانية (28\3\2019) استندت المحكمة، مستعيدة تعليلاً مشابهاً، على “الصلاحيات الممنوحة إلى مجلس النقابة لجهة الإشراف على إدارة النقابة، لا سيما حق المجلس المذكور في التحقق دائما من استمرار توافر شروط المادة 5 الآنفة الذكر طوال فترة انتساب المحامي إلى النقابة”.

وكانت “المفكرة” قد بيّنت في تعليقها على القرار في قضية “فتوش” الأسباب التي تجعل من غير الجائز استخدام آلية الشطب الإداري كأداة تأديبية موازية إذ أن النتيجة المباشرة لذلك تتمثل في حرمان المحامي من ضمانات المحاكمة العادلة. فآلية الشطب الإداري (المادة 15 من النظام الداخلي للنقابة معطوفة على المادتين 5 و7- تنظيم مهنة) تخلو من أي من هذه الضمانات، في حين أن الآلية التأديبية (المواد 96 وما يليها – تنظيم مهنة) تتضمن عددا من الضمانات (تشكيل المجلس التأديبي ومبدأ تناسب العقوبة والخطأ وأصول المحاكمة أمامه وتنظيم حقوق الدفاع وطرق مراجعة قراراته) وإن بقيت غير كافية.

وفي هذا الإطار، بيّنت “المفكرة”، استناداً إلى مطالعة المقرر العام لدى مجلس شورى الدولة الفرنسي بخصوص قضية شطب طبيب لأسباب مسلكية4، أن معيار التفريق بين اللجوء إلى الآليتين (الإدارية والتأديبية) هو “موضوعية” الظرف: إذا كان المراد استخلاص النتائج المتأتية عن ظرف موضوعي يُفقد المحامي أحد الشروط القانونية لممارسة مهنته (مثلاً : ممارسته أعمالاً لا تأتلف والمحاماة أو عدم اتخاذه مكتباً في نطاق النقابة الجغرافي أو عدم دفع بدلات اشتراكه إلخ…)، فإن الآلية الإدارية كافية، أما إذا كان من الضروري التدقيق في سلوك ما وتوصيف الإخلال أو الخطأ فهذا من صلب صلاحيات المجلس التأديبي. فماذا يعني في القضية الأولى (29/10/2018) اعتبار النقابة أن المحامي موضوع قرار الشطب ” شخص لا يشرف نقابة المحامين”؟ وكيف يتمّ قياس ذلك عملياً؟ وما هو معيار الشرف هنا؟

هذا مع العلم أن المادة 4 من النظام الداخلي للنقابة، تحيل في المسائل المسلكية، إلى الأحكام التأديبية: فـ “كل مخالفة لأحكامه، أو لأحكام قانون تنظيم مهنة المحاماة، أو لأعراف المهنة وتقاليدها وآدابها، وكل إقدام على أي عمل أو مسلك يمس شرفها وكرامتها (…)، تعرض المحامي المخالف للعقوبات المنصوص عليها في المادة 99 من قانون تنظيم المهنة”.

1 وأضحى عدد القرارات الصادرة عن محكمة الإستئناف بإبطال قرارات مجلس النقابة ثلاثة. رجاءً أنظر:

http://www.mahkama.net/?p=13117

2 للأطباء، أنظر CEDH, 23 juin 1981, Le Compte, Van Leuven et De Meyere, n° 6878/75, n° 7238/75, série A n° 43, GACEDH, n° 21، للمحامين أنظرCEDH, 30 nov. 1987, n° 8950/80, H c/ Belgique, série A n° 127. وقد لحق مجلس شورى الدولة  الفرنسي بالاجتهاد الأوروبي، أنظر CE, ass., 14 févr. 1996, n° 132369, Maubleu : JurisData n° 1996-050019 ; Rec. CE 1996, p. 34, concl. M. Sanson ; JCP G 1996, II, 22669, note M. Lascombe et D. Vion, 

3 فبحسب إجتهاد أوروبي راسخ، تخضع العقوبة التأديبية الصادرة عن نقابة مهنية والتي تؤثر على الحق بمزاولة المهنة لمقتضيات المحاكمة العادلة (للأطباء، أنظر CEDH, 23 juin 1981, Le Compte, Van Leuven et De Meyere, n° 6878/75, n° 7238/75, série A n° 43, GACEDH, n° 21، للمحامين أنظر CEDH, 30 nov. 1987, n° 8950/80, H c/ Belgique, série A n° 127. وقد لحق مجلس شورى الدولة  الفرنسي بالاجتهاد الأوروبي، أنظر CE, ass., 14 févr. 1996, n° 132369, Maubleu : JurisData n° 1996-050019 ; Rec. CE 1996, p. 34, concl. M. Sanson ; JCP G 1996, II, 22669, note M. Lascombe et D. Vion, ).قد ذهبت المحكمة الأوروبية لحقوق الانسانالى اعتبار أن أي تقييد يمسّ حقوقاً مدنية يجب أن يكون مقترناً بامكانية دحضه من خلال آلية قضائية (أنظر CEDH, gde ch., 17 sept. 2009, n° 74972/01, Enea c/ Italie, JCP G 2010, doctr. 70, F. Sudre).

4 R. Keller (rapporteur public), Le Conseil national de l’ordre des médecins peut par une décision de nature administrative radier un médecin du tableau pour des raisons de moralité, AJDA 2010, p. 2050.

انشر المقال

متوفر خلال:

المرصد القضائي ، لبنان ، محاكمة عادلة وتعذيب ، مقالات



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *