أي مستقبل ينتظر الكرنتينا بعد انفجار مرفأ بيروت؟ (1/3) تهجير حرب لم تنته


2020-12-09    |   

أي مستقبل ينتظر الكرنتينا بعد انفجار مرفأ بيروت؟ (1/3) تهجير حرب لم تنته
.(الدمار في الكرنتينا بعد انفجار مرفأ بيروت (تصوير سهير عاصي مبسوط

يعيد الانفجار المأساوي الذي حصل في مرفأ بيروت في 4 آب 2020 موضوع تهجير الطبقات الفقيرة والمتوسطة من بيروت، ببعده الطائفي، الى النقاش. فعلاوة عن الأرقام المهولة للقتلى والجرحى، تسببت جريمة المرفأ بأضرار كبيرة في الأحياء المجاورة له (وحتى تلك البعيدة عنه) وشردت حوالي 300,000 شخصا. رغم فظاعة الحدث، شاعت الأنباء من بعده حول توجه سماسرة العقارات إلى المناطق الأكثر تضررا علهم يجدون من هم في أمسّ الحاجة إلى السيولة ليشتروا منه عقاره. توجس الكثيرون من مشروع إعادة إعمار على غرار مشروع سوليدير، وترافق تخوف البعض مع خطاب طائفي مناطقي. رأى مثلا النائب المستقيل نديم الجميل أن الانفجار طال المسيحيين في دائرة بيروت الأولى وبالتالي الوجع الذي تسبب به “هو وجع مسيحي أولا” و”بيروتي ثانيا” و”لبناني أخيرا”. واعتبر عضو “تكتل لبنان القوي” الوزير السابق نقولا الصحناوي أن الانفجار استهدف مناطق ذات كثافة مسيحية (مثل تفجيري هيروشيما وناغازاكي!). وهذا ما أعرب عنه أيضا عضو “تكتل الجمهورية القوية” النائب جورج عقيص الذي تخوف من المتاجرة بالدمار الذي حلّ في مناطق تراثية ذات أكثرية مسيحية مما قد يشوّه وجه بيروت الثقافي والتعايش الطائفي فيها.

على خلفية هذه المخاوف، أقر مجلس النواب في 30 أيلول 2020 قانونا يرمي إلى “حماية المناطق المتضرّرة بنتيجة الانفجار في مرفأ بيروت ودعم إعادة اعمارها” (القانون رقم 194) المُقدّم من نواب “تكتل الجمهورية القوية”. يرمي القانون وفق ما جاء في أسبابه الموجبة إلى “حماية المواطنين وحقوقهم من أي استغلال” و”درء الخطر المحدق بمصير الأبنية التراثية في بيروت، ومنع هدمها”. فضلا عن إبقائه تعريف التراث مبهما، يثير هذا القانون العديد من التساؤلات من ناحية تقييده، مع بعض الاستثناءات، التصرّف (لمدّة سنتين) بالعقارات الموجودة ضمن المناطق العقارية الأكثر تضررا (التي حددهها بالمرفأ، الصيفي، المدوّر، والرميل).

وهو يثير بالأخص علامات استفهام حول دوافع تطبيقه في منطقة “الكرنتينا”، الواقعة ضمن منطقة المدور العقارية بين مرفأ بيروت من ناحيتي الغرب والشمال، نهر بيروت من ناحية الشرق وأوتوستراد شارل حلو من ناحية الجنوب. فالكرنتينا لا تضم أبنية تراثية مدرجة على لائحة الجرد العام لوزارة الثقافة كباقي المناطق المتضررة، وان كانت حيا تراثيا بالمفهوم الأوسع للتراث. وهي من أكثر أحياء بيروت فقرا وإهمالا وتداخلا من حيث استعمالات أراضيها. أغلب سكانها اليوم، حسبما يصفهم مختار المدوّر فرنسوا الجلخ، هم “أغراب” من العمال الأجانب واللاجئين السوريين 1. إضافة إلى ذلك، الكرنتينا هي إحدى أكثر المناطق في بيروت

التي عانت خلال الحرب الأهلية (1975-1990). آثار الحرب لم تغادرها وكذلك الجيش اللبناني الذي دخلها بعد الحرب، عكس أغلبية عائلاتها الأساسية التي تهجرت منها ولم تتمكن من العودة. موقعها المميز على المدخل الشرقي لبيروت والمحاذي للمرفأ جعلها هدفاً للعديد من المشاريع التطويرية المؤجلة. جدلا، موقعها المميز هو أيضا السبب في المحاولات المستمرة لتهجير سكانها. تتناول هذه المقالة هذه الإشكالية. وتعرض في جزئها الأوّل لمحة عن تاريخ الكرنتينا والمأساة التي حلّت بها وبسّكانها من جراء الحرب، ويكشف في الجزء الثاني عن ارتباط وضعها “تحت الدرس” في تسعينات القرن الماضي بمشروع مرسوم “منسي” لتأسيس مؤسسة عامة بإسم “قدموس” تهتمّ بتطويرها كجزء من مشروع بديل لمشروع “لينور”. أخيراً، يتوقف الجزء الثالث عند الإهمال القاتل الذي يهدّدها ومستقبلها في ضوء مخطّطات إعادة اعمار وتطوير مرفأ بيروت.

حي “البؤساء”

كما هو معلوم، اسم “الكرنتينا” مشتق من كلمة “La Quarantaine” الفرنسية، أي “المِحجر الصحي”، نسبة إلى المِحجر الذي أنشأه فيها إبراهيم باشا بن محمد علي خلال الحكم المصري لبلاد الشام (1831-1840) بغاية عزل المصابين بمرض الطاعون من ركاب السفن القادمة إلى بيروت 2. تُعرف “الكرنتينا” ايضا باسم “المسلخ” نظرا إلى المسلخ الذي افتُتح فيها في أواخر القرن التاسع عشر بعدما استقرت فيها قبيلة بدويةٌ عربية من رعاة الماشية 3. إضافة إلى “عرب المسلخ”، الذين يحملون الجنسية اللبنانية، ارتبط اسمها تاريخيا باللاجئين الأرمن والأكراد والفلسطينيين والعمال السوريين والقادمين من الريف اللبناني بحثاً عن لقمة العيش. عليه، وُصِمت الكرنتينا بالحي الفقير المكون من خليط سكاني من الوافدين والمهجّرين والمحتلين الذين يقيمون في خيم وتخشيبات وبيوت تنك أُنشئت على أملاك الآخرين. غير أن هذه الصورة النمطية التي رافقتها حتى بداية الحرب اللبنانية، ليست إلا صورة متجزأة من ماضيها الذي يصفه بعض أبنائها القدامى “بزمن العز”. فأحياؤها المجاورة للمخيمات تميزت بالكثير من “البيوت الجميلة” المملوكة رسميا من عائلات لبنانية من المسيحيين الذين أقاموا في جزئها الغربي، ومن المسلمين السنة (عرب المسلخ خاصة) الذين أقاموا في جزئها الشرقي 4.

18 كانون الثاني 1976 كان نقطة تحول في تاريخ الكرنتينا. أودت المجزرة المروعة التي حصلت ذلك اليوم فيها بمئات القتلى من سكان أحيائها الفقيرة التي سُويت بالأرض. وصف وقتها داني شمعون، أحد قادة الميليشيات المسيحية التي شاركت في الحرب اللبنانية وهاجمت الكرنتينا ثم سيطرت عليها، المجزرة “بعملية عسكرية موجزة” لاستعادة الممتلكات الخاصة، مضيفا: “الأمر يبدو قاسياً لأننا طهرنا الأكواخ من هنا. هذه ملكية خاصة والآن يمكن استخدامها للتطوير. إننا نفتقر بشدة إلى الأرض وأنا متأكد من أن الناس سيستخدمونها من أجل التطوير المناسب”5.

مسألة “أكواخ” الكرنتينا التي أُقيمت على “أملاك الغير” واستعادة هذه الممتلكات بهدف تطوير الضاحية الشرقية لبيروت لم تكون وليدة الحرب. فقد أثارت الرهبانية اللبنانية المارونية هذا الأمر في خريف عام 1965. وعلت الأصوات المستنكرة لوجود مخيمات اللاجئين والبيوت المسقوفة بالقصدير عقب المؤتمر الوطني الذي عقدته الرابطة المارونية ذلك العام 6. في هذا السياق، اعتبر النائب الأب سمعان الدويهي في كلمة ألقاها في البرلمان في معرض بحث وتصديق المشروع الوارد بالمرسوم رقم 2087 بتعديل قانون إسكان المعوزين وذوي الدخل المحدود، أن بيروت هي التي أوجدت هؤلاء “البؤساء” لتصبح “آفة كل لبناني وكل متبطل وبطال وفقير”. وقد نعتها الدويهي، من وجهة نظر السائح والاجنبي الزائر، “بمدينة تنبع في أحشائها الأقذار” معزيا السبب إلى مساكن “البؤساء”. واعترض على تدخل الحكومة لتأمين السكن للذين “تركوا القرية طلباً للرزق” في بيروت، و”الغرباء”، والذين “دخلوا البلاد خلسة” و”اغتصبوا الأراضي”. وتمنى أن يكون هناك “مخطط سليم” لبيروت تتبناه الحكومات المتعاقبة بدل الاعتماد على الارتجالية في معالجة الأمور و”مخطط كامل شامل لكل قرية لبنانية” للحد من الهجرة إلى المدينة.

مصادرة الأرض

بعد أكثر من خمسة وخمسين عاما على كلمة الدويهي، لا زالت بيروت ومحيطها دون “مخطط سليم”. وبعد أكثر من أربعة وأربعين عامًا على مجزرة الكرنتينا، وثلاثين عاما على انتهاء الحرب لا زالت الكرنتينا مُهجرة كأن حربها لم تنتهِ. إضافة إلى الآلاف من غير اللبنانيين الذين شردتهم المجزرة، تسبّب القصف العنيف الذي تعرّضت له خلال الحرب بتدمير الكثير من بيوتها وتهجير قسري لأغلبية سكانها اللبنانيين. عادت منهم فقط بضع عشرات العائلات بعدما أصبح ذلك ممكنا في 1994، معظمهم من المسيحيين الذين كانوا يقطنون قسمها الغربي والذين لم تتضرر منازلهم بشكل كبير. أما قسمها الشرقي، فتعرّض لخراب شامل ولم تتمكن أغلب عائلاته من العودة. فلقد استقر به الجيش اللبناني عندما دخلها في 1993، متخذا من المجلس الحربي الذي بنته القوات اللبنانية خلال الحرب ثكنة عسكريّة له ليتوسع من بعدها على عقارات خاصة وأخرى تملكها بلدية بيروت أو تخص الدولة اللبنانية.

من ناحية أولى، حال القانون رقم  322الصادر في 24 /3/1994 (الذي سمح  للمهجر بالبناء ضمن عقار لا يستوفي الشروط القانونية للبناء) دون عودة مهجّري الكرنتينا الذين دُمّرت منازلهم إليها، إذ لم يشمل سكان المدن بالاستثناءات والإعفاءات التي أعطاها للمهجرين العائدين إلى بيوتهم في القرى والبلدات اللبنانية (إعفاء من رسوم رخصة إعادة تشيد البناء المهدم، تنظيم وضعية المهجر الذي يملك حصة شائعة في عقار، وتسوية مخالفات البناء). رغم المحاولة، لم تتمكن لجنة مهجري المدور ــــ الكرنتينا من تعديل هذا القانون قبل صدوره 7. جلّ ما حصل قسم من مهجري المنطقة عليه كان تعويضات مادية لتمكينهم من شراء الشقق في مكان آخر، بحجة أن المنطقة لا تتسع لهم جميعا 8. إلا أن هذه التعويضات كانت واهية ولم تمكنهم من ضمان المسكن اللائق والعيش الكريم. أما سبب استثنائهم من القانون المشار إليه أعلاه فيعود، حسب مصدر في وزارة المهجرين، إلى أن معظم البناء الذي كان قائما في المنطقة قبل الحرب لم يكن مرخصا ولا “حضاريا” ولكون “معظم العقارات صغيرة لا تسمح بالبناء”، فضلا أن لا أحد يرغب بإعادة “بناء خوازيق عند المدخل الشمالي لبيروت” 9.

ومن ناحية ثانية، تبقى عودة مهجري الكرنتينا مرهونة بإخلاء الجيش اللبناني لعقاراتهم. الوعد الذي أعطتهم إياه قيادة الجيش بالإخلاء في 2009 لم ينفذ إذ ارتبط بإنشاء ثكنة جديدة في مكان آخر 10. غير أن هناك من يُؤكد أنه من الصعب جدا أن ينقل الجيش الثكنة من مكانها المحاذي لمرفأ بيروت لأسباب أمنية متعلقة “بحماية المدخل الشرقي لبيروت” 11. من ناحيته، اعتبر وزير الداخلية الأسبق بشارة مرهج، وفق ما نقلت عنه شبكة أريج، أن الأسباب الحقيقية التي تُعيق نقل الثكنة إلى مكان آخر هي “طائفية غير معلنة – على اعتبار أن المهجرين مسلمون والمنطقة ذات غالبية مسيحية ويقع فيها مقر الرابطة المارونية”، إضافة الى “أن الدولة مرتبكة بالنسبة إلى التخطيط للمنطقة، سواء بالنسبة إلى ضمها إلى مشروع لينور (مشروع اقتصادي يقضي في جانب منه بردم شاطئ البحر في مناطق عدة)، أو بالنسبة إلى توسعة المرفأ ليشملها”.

الإرباك في التخطيط يفسر لماذا وُضعت المنطقة “تحت الدرس” في 1996 وجُمدت عقاراتها ومُنع البناء الجديد فيها، مما شكل عائقا ثالثا أمام عودة من دُمرت منازلهم في الحرب وأدى الى تبخيس أسعار أراضيهم. يؤكد سكان المنطقة أنه “هناك شبكة تستغل الناس” مستفيدة من يأسهم من إمكانية استعادة ممتلكاتهم وحاجتهم إلى السيولة. المفارقة أنّ بعض مهجري المنطقة ممن أقام الجيش في عقاراتهم تلقوا في السنوات السابقة عروضا للبيع بواسطة سماسرة. حتى أن إحدى العائلات، أيضا حسب تقرير أريج، تمكنت من بيع أرضها بعدما جرى تغيير مكان سور الثكنة لإتمام عملية البيع. كذلك تمكن بعض النافذين من الحصول على رخص بناء رغم إشارة “تحت الدرس” على عقارات المنطقة 12، مما يشير إلى وجود الاستثناءات وإلى أن السمسرات العقارية أتت لتكمل عملية التهجير السكاني التي بدأتها الحرب.

***

قراءات أخرى

للمزيد عن التحولات الحضرية للمنطقة ووضعها الراهن والجهات الفاعلة الاساسية فيها، راجع دراسة محترف التجدد المديني (2013-2014). المشروع المديني لمنطقة المدور. اعداد قسم التنظيم المديني، معھد الفنون الجميلة – الجامعة اللبنانية.

[1] إيلده الغصين، المدوّر والكرنتينا: الأرض “الملعونة”، جريدة الاخبار، 25 آذار 2019.

[2] زكريا الغول، بيروت خلال حكم محمد علي باشا، جريدة اللواء،11  تشرين الأول 2019.

[3] ديالا لطيف، النّازحون داخلياً في شرقيِّ بيروت ضدُّ السُّلطة اللبنانية، نشرة الهجرة القسرية، تشرين الأول 2019.

[4] أريج، مهجرو «الكرنتينا» يملكون أغلى عقارات لبنان… ويعيشون في أقبية! 5 نيسان 2013.

[5] مقابلة مع دوري شمعون ضمن تقرير أعده التلفزيوني البريطاني في 1976. أعاد نشره حبيب بطاح ضمن مقال بعنوان: Remembering Karantina… who does?

[6] Traboulsi. Fawwaz. 2007. A History of Modern Lebanon. Pluto Press, London.

[7] تقرير أريج المذكور أعلاه بالإشارة الى حديث مع المحامي حسن مطر.

[8] وليد زهر الدين، اغلاق ملف التهجير: لبنان هل يعني العودة للمنازل؟، البيان، 3 أيار 2001، بالإشارة الى حديث مع مروان حمادة.

[9] مصدر في وزارة المهجرين، كما نقلت عنه رجانا حمية، الكرنتينا: 34 عاماً والمنتظرون ينتظرون، جريدة الاخبار، 19 كانون الثاني 2010.

[10] رسالة بإمضاء قائد الجيش العماد جان قهوجي بتاريخ 4/ 7/ 2009، أشار اليها تقرير اريج المذكور أعلاه.

[11] تقرير أريج المذكور أعلاه كما نقل عن الوزير أكرم شهيب الذي نقل بدوره عن قائد الجيش العماد جان قهوجي.

[12] رجانا حمية، المرجع أعلاه.

انشر المقال

متوفر من خلال:

أملاك عامة ، اقتصاد وصناعة وزراعة ، الحق في السكن ، بيئة وتنظيم مدني وسكن ، بيئة ومدينة ، تحقيقات ، حراكات اجتماعية ، حركات اجتماعية ، حقوق العمال والنقابات ، سياسات عامة ، عدالة انتقالية ، عمل ونقابات ، قضايا ، لا مساواة وتمييز وتهميش ، لبنان ، لجوء وهجرة واتجار بالبشر ، مجزرة المرفأ ، مسائل ، مساواة ، ملكية خاصة



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *