أي محكمة دستورية في تونس؟ باب للشريعة وفيتو للأقلية


2013-06-18    |   

أي محكمة دستورية في تونس؟ باب للشريعة وفيتو للأقلية

نشر مؤخرا المجلس الوطني التأسيسي التونسي الصيغة النهائية لمشروع دستور الجمهورية التونسية الذي سيحال لاحقا خلال شهر جويلية الى الجلسة العامة لمناقشة أحكامه. وبدا من خلال التقارير المرفقة للمشروع وخصوصا من التقرير العام الذي أعدته لجنة الصياغة والتنسيق أن ارساء المحكمة الدستورية كان من المسائل التي أجمع حولها كل من تدخل في صياغة المشروع. فيما كان بعث محكمة دستورية تامة الصلاحيات يتمتع قضاتها بالاستقلالية من المسائل التي تحظى بتوافق بين مكونات الطيف السياسي التونسي الممثل بالمجلس الوطني التأسيسي وذلك بالنظر لما تم استخلاصه من تجربة تعدي السلطة على علوية الدستور خلال الجمهورية الأولى، الا أن الاجماع المعلن لا يحجب وجود تجاذب سياسي حاد موضوعه المحكمة الدستورية بين الكتل النيابية وهو أمر يفند فكرة بعد المحكمة عن مجال الخلاف.
بدت الخلافات الصامتة حول مشروع المحكمة الدستورية جلية في عمل لجنة القضاء العدلي والاداري والمالي والدستوري. غير أن انتقال أحكام المحكمة الدستورية من اللجنة الفنية الى لجنة الصياغة والتنسيق أكد حضور الحسابات السياسية في نصوص الدستور التي تتعلق بالمحكمة الدستورية وكشفت عن عمق التجاذب حولها. وكانت الأحكام التي تتعلق بعضوية المحكمة الدستورية هي تحديدا حلبة الصراع السياسي التي أنهت الاجماع المعلن لتبرز الرغبة في ضمان سلطة السياسي على المحكمة الدستورية.
فتح العضوية لغير المختصين = فتح العضوية لعلماء الشريعة؟   
نص مشروع الدستور في مسودتيه الأولى والثانية على كون المحكمة الدستورية تتألف من اثني عشر عضوا من ذوي الكفاءة القانونية التي لا تقل عن العشرين سنة يتم انتخابهم من قبل المجلس التشريعي من بين 24 شخصا يتم ترشيحهم بحدود أربعة من قبل كل من رئيسي الجمهورية والحكومة وبحدود ثمانية من قبل كل من رئيس المجلس التشريعي والمجلس الأعلى للسلطة القضائية. وان حافظت المسودتان الثالثة والرابعة على ذات عدد أعضاء المحكمة، فإنه سجل تراجعا فيما يتعلق في مؤهلات أعضائها: فبخصوص اشتراط الكفاءة القانونية لقضاة المحكمة، تم الاكتفاء باشتراط أن يكون ثلثا القضاة فقط من ذوي الخبرة القانونية وفتح المجال بالتالي لثلث أعضائها المتبقين لأن يكونوا من غير المتخصصين في المادة القانونية. ويتبين من تقرير لجنة القضاء حول مشروع الدستور أن اختيار انفتاح المحكمة الدستورية على غير المختصين في القانون تم على مستوى لجنة الصياغة والتنسيق في تغيير كامل لما كان تم التوافق عليه.
كان من الجائز اعتبار التطور الحاصل في الموقف من المؤهل العلمي الفني نتيجة لما برز من سعي صلب المجلس التأسيسي للاستئناس بالتجارب المقارنة خصوصا وأن عديد المحاكم والمجالس الدستورية لا يشترط في قضاتها التخصص القانوني، الا أن تتبع تدخلات عدد من نواب المجلس الوطني التأسيسي وملاحظاتهم حول دور المحكمة الدستورية والكفاءات التي يجب أن تشترط في قضاتها يكشف أن بعض نواب الأغلبية الحاكمة يتمسكون بوجوب أن يكون من بين أعضاء المحكمة متخصصون في العلوم الشرعية لإجراء رقابة على توافق النصوص القانونية التي تنظر فيها المحكمة مع أحكام الشريعة الاسلامية وبالتالي يرجح أن تكون خلفية التراجع عن اشتراط الكفاءة القانونية بمثابة الاستجابة غير المعلنة للمطلب المذكور خصوصا وأن الدستور اعتبر في توطئته أن اعماله استندت لمقاصد الشريعة الاسلامية وذلك رغما عن التنصيص الصريح صلبه على مدنية الدولة.
وقد بيّن التعديل الذي أدخل على تركيبة المحكمة الدستورية حصول انقسام بين أعضاء المجلس بين الذين يتمسكون بكون المحكمة الدستورية ستتولى اجراء رقابة على دستورية القوانين وهي مسألة تستوجب معرفة قانونية تضمن حسن تأويل النصوص الدستورية وتطبيقها على التشريعات المعروضة، والذين يتمسكون بأن الرقابة يجب أن تتعدى النص الدستوري لتصل الى مقاصد الشريعة باعتبارها شرطا لدستورية كل نص قانوني.
ويكشف الربط بين تركيبة المحكمة الدستورية والمسألة الدينية عن توجه لدى بعض الفئات السياسية بنقل النزاعات حول فهم المقصود بمدنية الدولة اليها. وفيما تضمن التقرير العام حول مشروع الدستور الذي أعدته لجنة التنسيق والصياغة أن اتجاه اختيارها لجعل ثلث قضاة المحكمة الدستورية من غير المختصين في القانون يبرر بكون اختصاصات المحكمة الدستورية تتجاوز رقابة دستورية القوانين لتشمل رقابة حالة شغور منصب رئيس الجمهورية ومراقبة استمرار الحالة الاستثنائية التي تبرر الأحكام الخاصة والنظر في تنازع الاختصاص بين رئيس الحكومة ورئيس الجمهورية، فان عديد الآراء من داخل لجنة القضاء ومن خارج المجلس صدرت عن أخصائيين في مادة القانون الدستوري اعتبرت التوجه نحو فتح باب الترشح لعضوية المحكمة الدستورية لغير المختصين في القانون سلبية قد تسمح مستقبلا بالانقلاب على مدنية الدولة في ظل خشيتها من أن ينحصر فعليا التوسع في عضوية المحكمة لرجال الدين.
صرامة قواعد اختيار القضاة بالمحكمة الدستورية 
حدة الصراع السياسي على عضوية المحكمة الدستورية بينه اشتراط أن يتم انتخاب أعضائها بأغلبية الثلثين من قبل المجلس التشريعي، على نحو يتيح للأقلية ممارسة حق الفيتو على المرشحين الذين لا ترغب في عضويتهم صلبها. فقد نص مشروع الدستور على أن قضاة المحكمة الدستورية يتم انتخابهم من ضمن من يتم ترشيحهم بأغلبية الثلثين في انتخاب مباشر من قبل أعضاء المجلس التشريعي. وفي صورة عدم تحصل الأعضاء المترشحين على الأغلبية الواجبة، يعاد فتح باب الترشحات وتتم الانتخابات مجددا بذات الأغلبية المشترطة الى أن يتم اختيار كامل الأعضاء دون تحديد لعدد جلسات الانتخاب ودون طرح لإمكانية تجاوز الاغلبية المشترطة في صورة استحالة التوصل لتحقيقها.
رفض أعضاء اللجان الفنية بالمجلس التأسيسي منح ثقتهم لأي من الجهات التي عينوها كجهة اقتراح لتعيين قضاة المحكمة الدستورية واختار واضعو مسودة الدستور أن تكون العضوية في المحكمة الدستورية رهينة حصول المترشح على تزكية ثلثي أعضاء المجلس التشريعي عبر عملية انتخابية. ويكشف الاختيار خاصة في جانبه الذي يفرض اعادة الانتخابات بشكل غير محدد الى أن يتحصل المترشح على أغلبية الثلثين عن عمق الصراع السياسي حول المحكمة الدستورية. فالمعارضة نجحت في فرض تصور يقوم على منح ثلث أعضاء المجلس النيابي لصلاحية هامة في اختيار أعضاء المحكمة الدستورية بشكل يبدو غير مسبوق وقد يؤدي الصراع السياسي المذكور مستقبلا في حال غياب التوافقات السياسية بين الأغلبية والمعارضة الى تعطيل آليات تعيين قضاة المحكمة الدستورية.
كشف تعاطي المجلس التأسيسي مع عضوية المحكمة الدستورية عن انهيار الاجماع الذي أعلن في كافة الوثائق التي صدرت عن المجلس في خصوص هذا الهيكل اذ بدا جليا أن الاطراف النيابية حاولت من خلال صياغة تصوراتها حول الكفاءة التقنية لقضاة المحكمة من جهة وحول أساليب اختيار قضاة المحكمة من جهة أخرى فرض توجهات تحدد مستقبلا ملامح قضاة المحكمة الدستورية أيديولوجيا وسياسيا وهو أمر يبرز حدة الوعي لدى الطيف السياسي بأهمية الدور المناط بالمحكمة الدستورية ورغبة كل شق منه لتضمين أحكام دستورية تخدم تصوره مستقبلا. فالأغلبية الحاكمة تصدت لسيطرة رجال القانون على المحكمة لتضمن مستقبلا تواجد اصوات داخل المحكمة توالي اختياراتها الفكرية التي تعتبر أن من شروط دستورية النص القانوني توافقه مع الأحكام الشرعية فيما اختارت المعارضة أن تضمن لنفسها حق فيتو على اختيار الأعضاء ولو أدى ذلك الى ايجاد تعقيدات في آليات اختيار القضاة. ويخشى أن تؤثر الحسابات السياسية مستقبلا على عمل المحكمة التي من المنتظر أن تكون الراعية لمبادئ علوية الدستور.

انشر المقال

متوفر من خلال:

مقالات ، تونس ، دستور وانتخابات



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية