أي حماية للنساء من التحرش الجنسي في أماكن العمل في مصر؟


2020-09-03    |   

أي حماية للنساء من التحرش الجنسي في أماكن العمل في مصر؟
رسم رواند عيسى

في بداية شهر يوليو الماضي، انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي في مصر العديد من الشهادات التي تتهم شابا يدعى أحمد بسام زكي بارتكابه لوقائع عنف جنسي ما بين تحرش واغتصاب وابتزاز. وخلال عدة أيام من نشر هذه الشهادات على وسائل التواصل الاجتماعي، أصدر المجلس القومي للمرأة بيانا يعلن فيه تدخله ومطالبته للجهات المعنية بسرعة التحقيق في الأمر. وفي 5 يوليو، ألقت الشرطة المصرية القبض على أحمد بسام ذكي وتمت إحالته للنيابة العامة التي أمرت في 6 يوليو بحبسه أربعة أيام احتياطيًّا على ذمة التحقيقات. كانت هذه الواقعة بمثابة الشرارة التي فجرت أكبر حملة مصرية غير منظمة لمناهضة التحرش والعنف الجنسي منذ حملة”me too ” (وأنا أيضا)، العالمية لتشجيع النساء على الحكي عن وقائع العنف الجنسي. وتوالت شهادات النساء على وسائل التواصل الاجتماعي بلا انقطاع خلال شهر يوليو، خاصة مع التشجيع والدعم الواضح لهذه الحملة من قبل مؤسسات الدولة الرسمية وعلى رأسها النيابة العامة والأزهر الشريف ودار الإفتاء المصرية. كما تمايز خطاب تلك المؤسسات بعض المبررات النمطية التي كانت تلقي اللوم على النساء في قضايا العنف الجنسي. ولكن سرعان ما أخذت هذه الحملة منحى خاصا عندما طالت شهادات النساء عدداً من العاملين في مؤسسات المجتمع المدني وما ترتب على تلك الشهادات من نتائج. ففي 9 يوليو الماضي أعلنت مؤسسة حرية الفكر والتعبير في بيان منشور على موقعها الإلكتروني” أنها “قررت فصل أحد موظفيها استنادا إلى ما نشره على حسابه بأحد مواقع التواصل الاجتماعي، والذي يعد اعترافاً بارتكاب انتهاكات وجرائم جنسية تجاه نساء”. وفي 10 يوليو أصدر المركز الإقليمي بيانا يعلن فيه إيقاف أحد الموظفين المتهمين في وقائع تحرش عن العمل بالمركز لحين الفصل في الاتهامات المنسوبة إليه. وفي 13 يوليو أصدر مركز بلادي للحقوق والحريات بيانا يعلن فيه إيقاف أحد مديري المشروعات لحين الفصل في شكاوى التحرش المنسوبة إليه.

وعلى جانب آخر، نشرت مدونة بإسم”دفتر حكايات” في 17 أغسطس شهادة تتهم صاحبتها صحفيًا استقصائيًا، لم تذكر اسمه مكتفية بذكر اﻷحرف اﻷولى منه «هـ ع»، بمحاولة اغتصابها قبل تسع سنوات. وتوالت الشهادات ضد ه.ع، حتى صرح الصحفي هشام علام بأنه المقصود من تلك الشهادات مهدداً بالملاحقة القضائية ضد كل من يروج لتلك الشهادات[1].

وفتحت تلك الشهادات الباب للحديث عن التحرش الجنسي في الأوساط الصحفية والإعلامية، وفي أماكن العمل. وحول مدى إمكانية تطبيق سياسات حازمة لمناهضة العنف ضد النساء داخل بيئة العمل، خاصة في ظل قصور التشريعات الحالية لمعالجة الطبيعة الخاصة لتلك الجرائم وصعوبة إثباتها.

مناهضة التحرش في التشريعات المصرية

في عام 2014 أصدر الرئيس السابق عدلي منصور القرار الجمهوري رقم 50 لسنة 2014 والذي قضى بتعديل بعض مواد قانون العقوبات المصري وعدل نص المادة 360 مكرر أ، وغلظ عقوبة “التعرض للغير في مكان عام أو خاص أو مطروق بإتيان أمور أو إيحاءات أو تلميحات جنسية أو إباحية سواء بالإشارة أو بالقول أو بالفعل” لتصبح الحبس مدة لا تقل عن سنة وبغرامة لا تقل عن خمسة آلاف جنيه ولا تزيد عن عشرة آلاف جنيه بدلاً من الحبس لستة أشهر وبغرامة لا تقل عن ثلاثة آلاف جنيه ولا تزيد على خمسة آلاف جنيه.

كما تم إضافة مادة جديدة 306 مكرر ب، والتي ذكرت لأول مرة كلمة “التحرش” في قانون العقوبات المصري. وقررت الفقرة الثانية من المادة 306 مكرر ب، تشديد العقوبة في حالة “…أو كانت له سلطة وظيفية أو أسرية أو دراسية على المجني عليه أو مارس عليه أي ضغط تسمح له الظروف بممارسته …..” لتكون العقوبة الحبس مدة لا تقل عن سنتين ولا تجاوز خمس سنين والغرامة التي لا تقل عن عشرين ألف جنيه ولا تزيد على خمسين ألف جنيه.

وكانت هذه أول إشارة صريحة في قانون العقوبات لاعتبار “السلطة الوظيفية” من أسباب تشديد عقوبة الجاني في جريمة التحرش. ولكن لم ينتبه المشرع في هذا القانون لمعالجة بعض الجوانب المتعلقة بالطبيعة الخاصة لجرائم العنف الجنسي داخل أماكن العمل؛ حيث يصعب إثبات أغلب تلك الوقائع لحدوثها داخل أماكن خاصة ومغلقة؛ وبالتالي صعوبة وجود شهود على تلك الوقائع.

لماذا يختلف التحرش في أماكن العمل؟

في 2014، أظهرت دراسة للاتحاد العام لعمال مصر أن 30% من السيدات العاملات في مصر يتعرضن للتحرش الجنسي، وفقاً لدراسة صادرة عن الاتحاد العام لعمال مصر في 2014. ووفقا لتقرير صادر عن الاتحاد الدولي للنقابات “تعاني ما بين 40 %إلى 50 % من النساء من تلميحات جنسية غير مرغوب فيها أو ملامسة جسدية أو غيرها من أشكال التحرش الجنسي في أماكن العمل”[2].

قد تبدو مشكلة العنف الجنسي داخل أماكن العمل جزءًا من مشكلة العنف الجنسي تجاه النساء وتتماثل معها نظريا، ولكنها تختلف اختلافا نوعيا عن أشكال العنف الجنسي الأخرى. ذلك أن العنف الجنسي داخل أماكن العمل لا يمثل اعتداء على حرية النساء الجنسية أو الاعتداء على أجسادهن وسلامتهن وحسب، ولكن تتعدى آثار هذا العنف لتصل لحق النساء في العمل ذاته. فبالرغم من الاستحقاقات التي حصلت عليها النساء في مجال العمل ومناهضة سياسات العمل التمييزية على المستوى الحقوقي والقانوني والاجتماعي طوال العقود السابقة على مستوى العالم، إلا أن العنف الجنسي داخل أماكن العمل يظل مشكلة قد تفرغ هذا الاستحقاق من مضمونه. وهذا يرجع إلى خوف النساء من فقدان الوظيفة وبالتالي الأمان الاقتصادي والاجتماعي، إلى جانب الوصم الاجتماعي الذي تتعرضن له عند الإبلاغ عن التحرش في المجال العام. ذلك بالإضافة إلى فقدان الأقدمية الوظيفية وإمكانية الحصول على توصيات مهنية من المديرين السابقين في أماكن العمل. هذه الموازنات هي بالضبط ما يشجع المتحرشين داخل أماكن العمل على استهداف زملائهن أو مرؤوسيهن وتمنيهم بالإفلات من العقاب. ومن هنا يكتسب التحرش داخل أماكن العمل بعدا أشد قسوة وشعورا أثقل وطأة من القهر وإحساسا طاغيا بالمساومة الضمنية بل والصريحة أحيانا.

وكما يمكن الربط بين التحرش الجنسي وجوانب أخرى للصحة العقلية، بما فيها الغضب، والشك الذاتي، الذي من المحتمل أن يؤثر على خبرات العمل المستقبلي للنساء ضحايا التحرش. وبالتالي يؤثر التحرش الجنسي على نتائج العمل المباشرة، مثل: انخفاض الرضا الوظيفي وزيادة التغيب والإنسحاب من العمل[3]، وتدهور العلاقات مع زملاء العمل.[4] على الجانب الآخر، يضجر كثير من أصحاب الأعمال من قيامهم بمسؤولياتهم تجاه توفير بيئة عمل آمنة للنساء؛ بل يطلق بعضهم على النساء المطالبات بذلك “مثيرات الشغب” اللاتي يلحقن الضرر بالإنتاج، أو سُمعة المؤسسة.[5]

وأدت هذه العوامل إلى إجراء منظمة العمل الدولية للعديد من المناقشات بشأن العنف القائم على النوع داخل أماكن العمل في الدورة ال 316 لمجلس إدارة منظمة العمل الدولية في نوفمبر 2012 والدورة ال 317 في مارس 2013، في سبيل توفير بيئة عمل آمنة للنساء. هو ما أسفر في  2019 عن إصدار اتفاقية خاصة للقضاء على العنف والتحرش في العمل.  وتنص بنود الاتفاقية على “ضرورة اعتماد الحكومات لقوانين ولوائح تعرف العنف والتحرش المبنية على النوع الاجتماعي في مجال العمل، كما تفرض على أصحاب العمل اتخاذ الخطوات المناسبة لمنع العنف والتحرش، بما يشمل اعتماد سياسة خاصة بمكان العمل، وإدراج العنف ضمن اجراءات السلامة المهنية والصحية”. لم توقع مصر حتى اللحظة على الاتفاقية[6]؛ وهو ما يدفعنا للتساؤل حول مدى حماية القانون المصري للنساء داخل العمل.

قانون العمل وتوفير بيئة عمل آمنة للنساء

بالرغم من أن قانون العمل المصري رقم 12 لسنة 2003 يعني ببعض الحقوق والواجبات الهامة بين أصحاب الأعمال والعاملين/ات مثل الأجور والمكافآت والإجازات والفصل التعسفي، ولكنه لا يتفهم الطبيعة الخاصة لقضايا العنف الجنسي المبنية على النوع والتي تستلزم اتخاذ بعض التدابير الخاصة لتوفير بيئة عمل آمنة للنساء بالشكل الذي يحفظ حقوقهن ويحافظ على انتظام سير العمل والنمو الاقتصادي. وبالتالي نلاحظ غيابا تاما لنصوص واضحة بإلزام أماكن العمل بوضع سياسة لمناهضة التحرش، أو لنصوص هدفها توفير بيئة عمل سليمة للعمال والموظفين بشكل عام وللنساء بشكل خاص.

ويمكن الإستناد إلى المادة رقم 58 التي تنص على أنه يجب “على صاحب العمل أن يضع لائحة تنظيم العمل والجزاءات التأديبية موضحا بها قواعد تنظيم العمل والجزاءات التأديبية مصدقا عليها من الجهة الإدارية المختصة، وعلى هذه الجهة أخذ رأي المنظمة النقابية التي يتبعها عمال المنشأة قبل التصديق على اللائحة…”، لدفع أصحاب الأعمال بإدراج سياسة لمكافحة التحرش داخل اللائحة.

ولكن غاب هذا الأمر تماما عن أجندة أولويات النقابات المهنية والعمالية، وهو الأمر الذي أدى إلى غياب تمثيل النساء في المناصب العليا والقيادية داخل مجالس إدارة النقابات. فعلى سبيل المثال، وحسب ورقة حديثة من مؤسسة نظرة للدراسات النسوية، نلاحظ “غياب التمثيــل النســائي في نقابة الصحفيين عــن المجلســين المنتخبيــن للتجديــد النصفــي، المجلــس الأول فــي 24 مارس 2017 والمجلــس الثانــي المنتخــب فــي 15 مارس 2019. كما لــم تمثــل الصحفيــات فــي المجلســين علــى الرغــم مــن أن نســبة الصحفيــات العضــوات أكثــر مــن 35% مــن إجمالــي أعضاء/عضــوات الجمعيــة العموميــة للنقابــة.”[7] وفي نقابة المحامين، لم تمثل النساء داخل مجلــس نقابــة المحاميــن طوال مجالس النقابة المتعاقبة حتى عام 2019. وهو الأمر الذي لا نعتقد سيتحسن خلال الفترة القادمة؛ حيث لم يتضمن التعديل الأخير لقانون المحاماة أي تدبيــر إيجابــي لضمــان تمثيــل المحاميــات فــي مجلــس النقابــة” [8].

سياسات العنف الجنسي داخل أماكن العمل

تعاني النساء أثناء سيرهن في إجراءات التقاضي الرسمية في وقائع العنف الجنسي لعدة إشكاليات قد تمنعهن من المضي قدما في إجراءات التقاضي أو قد تحبطهن من جدوى الاستمرار فيها. ومن أهم تلك الإشكاليات غياب التمثيل النسائي المناسب داخل مؤسسات العدالة الرسمية، بدءًا من الشرطة، ومرورا بالنيابة العامة، وانتهاء بالقضاء. ومن شأن غياب هذا التمثيل واضطرار تعامل الناجيات مع ممثلي هذه المؤسسات من الرجال إلى تشكيل ضغوط نفسية قد تثنيهن عن الإبلاغ، خاصة في الفترة الأولى التي تلي تعرضهن للعنف الجنسي الذي يتسم بالتوتر والإنزعاج الشديد. ذلك بالإضافة إلى غياب الآليات القانونية لحماية خصوصية بيانات المبلغات في تلك القضايا والتي غالبا ما تتسرب إلى ذوي المتهمين أو إلى الصحافة ووسائل الإعلام. بالإضافة إلى صعوبة إثبات وقائع العنف الجنسي داخل أماكن العمل وفقا لقانون العقوبات الذي لا ينظم حتى الآن قواعد مرنة لتيسير إثبات هذه الوقائع. وهنا تبرز أهمية سياسة مكافحة التحرش والعنف الجنسي داخل أماكن العمل، ووضع آليات لتقديم شكاوى ضد المتحرش/ المعتدي. قد دفعت هذه الإشكاليات الحالية في القانون المصري بعض المؤسسات وأصحاب الأعمال للتعويل على إصدار سياسات داخلية لمناهضة العنف الجنسي داخل مكان العمل من أجل معالجة هذا القصور ولمحاولة تشكيل لجان تحقيق تراعي في تشكيلها تنوع الجنس وتقدم رؤية تقدمية تتفهم بشكل أكبر طبيعة العنف الجنسي ضد النساء.

تجارب واعدة

في 2014، أصدرت جامعة القاهرة، قرارا باتخاذ سياسة مناهضة للتحرش في الجامعات المصرية وقامت باتخاذ التدابير اللازمة للوقاية والتوعية ونشر ثقافة الاحترام والمساواة، وإنشاء آلية لمناهضة التحرش واتخاذ الإجراءات المناسبة لمساعدة المتضررين؛ لتكون بذلك أول جامعة مصرية تدشن سياسة لمناهضة العنف الجنسي. ووفقاً لهذه السياسة، تتشكل لجنة من تسعة من أعضاء هيئة التدريس والهيئة المعاونة من المهتمين والمتخصصين وممثل عن اتحاد الطلاب، على أن يكون 75% من أعضاء اللجنة من النساء، وتختص اللجنة بتنفيذ سياسات مناهضة التحرش في الجامعة وإدارة العمل اليومي ووضع خطط برامج التدريب والتوعية والتنسيق مع وحدة الدعم النفسي بكلية الآداب والوحدات المتخصصة.

وقامت اللجنة بالتحقيق في ثلاث حالات تحرش خلال العام الأول، و12 حالة في العام الثاني، ثم 37 حالة في العام الثالث. وقد أدت جهود اللجنة لفصل ما لا يقل عن ثلاثة أساتذة على خلفية تهم تتعلق بالتحرش.

وأدى ذلك إلى تبني جامعات أخرى لسياسة مكافحة التحرش مثل جامعة بني سويف.

كما أطلقت مؤسسة خريطة التحرش في يونيو 2016 حملة عبر صفحتها على “فيسبوك”، تحت عنوان “اسألي قبل ما تشتغلي واضمني حقك في شغل آمن؛ وهي الحملة التي تستهدف القضاء على التحرش الجنسي في أماكن العمل من خلال توعية النساء المقبلات على العمل بحقوقهن.

كما وقعت “خريطة التحرش” في نفس العام، بروتوكول تعاون مع “مكتب محرم للسياسات العامة والاتصال الإستراتيجي”، لتصميم وإطلاق مبادرة مجتمعية تحت عنوان “الشركات الآمنة” بهدف القضاء على ظاهرة التحرش في أماكن العمل بمصر.

ولا شك أن تطبيق سياسات عامة تناهض العنف ضد النساء داخل أماكن العمل، وطرح النقاش بين العاملين/ات حول مفاهيم التحرش والعنف الجنسي وطرقه وأساليبه، من شأنها أن تشجع النساء على الإبلاغ عن وقائع التحرش، بالإضافة لتوفيرها لبيئة عمل صحية وأمنة لتواجد وعمل النساء داخل اماكن العمل.

  • لجان التحقيق في وقائع التحرش

كما أشرنا، لا يزال القانون المصري يعاني من بعض القصور في التعامل مع قضايا العنف الجنسي. وهو ما يترتب عليه أهمية سياسات مناهضة العنف الجنسي داخل أماكن العمل، وآليات تلك السياسة من لجان تحقيق لبحث شكاوى النساء وتوفير بيئة عمل آمنة لهن.

 ولا شك أن إنشاء لجان للتحقيق في وقائع التحرش والاعتداء الجنسي داخل أماكن العمل أمر هام، من أجل خلق بيئة عمل سليمة. ولكن بالنظر لعمر عمل تلك الآليات فيمكن القول إن أمامها الكثير من التجارب والخبرات العملية والنظرية اللازمين لتطورها واستقرار قواعدها حتى تكون آلية موازية ومكملة لدور مؤسسات العدالة الرسمية.

فهذه اللجان لا تعدو كونها لجان تحقيق إدارية تستمد شرعيتها من علاقات العمل بين طرفي الشكوى. وبالتالي قد يصعب عمل تلك اللجان في حالة استقالة أحد طرفي الشكوى قبل الإبلاغ والبدء في إجراءات التحقيق في واقعة العنف الجنسي. وفي حالة الإدانة، فإن أقصى قرار عقابي تملكه تلك اللجان هو فصل المتهمين بارتكاب الجريمة. وإذا كان هذا كافيا لبعض الناجيات في وقائع التحرش اللفظي على سبيل المثال فهو غير كافٍ على الإطلاق في وقائع الإعتداء الجنسي أو الإغتصاب أو الإبتزاز، وهي وقائع تمثل خطورة كبيرة وتستدعي قدرا أكبر من العقاب ووسيلة تنفيذ جبرية لا تتوافر إلا لدى مؤسسات العدالة الرسمية.

وقد تبرز أمام هذه اللجان مشكلة تعريف بعض صور جريمة “التحرش”، حيث أنه ليس معرّفاً بشكل مرن في القانون المصري. وبالتالي قد يختلف تعريفه من لجنة إلى أخرى ومن واقعة إلى أخرى وفقا لمرجعية عمل تلك اللجان. ويرجع ذلك لاختلاف منهجية ورؤى واضعي تلك السياسات، تجاه قضايا معقدة وحساسة مثل تقدير الحدود الفاصلة في التواصل الإنساني المسموح بين الجنسين ومراعاة السياق العام والخاص لكل واقعة، وكيفية التحقق من توافر ركن الرضا إلى آخره من التفاصيل اللازمة للفصل في هذه الشكاوى. وهو الأمر الذي قد يؤدي إلى مشاكل في تجريم وعقاب بعض وقائع العنف الجنسي.

وبالتالي، رغم أهمية تشكيل هذه اللجان للحفاظ على بيئة عمل سليمة، وتوفير آلية للنساء ضحايا التحرش في اللجوء لها بدلاً من ترك عملهن كحل وحيد، إلا أنها لا يمكن أن تكون بديلاً عن مؤسسات العدالة الرسمية في قضايا الاعتداء الجنسي، بل يجب اعتبار كون هذة الآلية في إطار موازٍ لعمل مؤسسات العدالة الرسمية، والعمل على تطويرها للوصول لأكبر قدر ممكن من الاستقرار والتطوير في آلياتها وقواعد ومنهجيات عملها. كما يمكن أن تساعد نتائجها في قضايا التحرش، إذا قررت الضحية اللجوء للقضاء حتى بعد تطبيق العقاب الإداري على الجاني.

ومن الضروري ألا يجرفنا الحماس والعمل على تطوير سياسات مناهضة العنف الجنسي ضد النساء وآليات عمل تلك السياسات، عن توجيه نظر المشرع المصري لأوجه القصور الموجودة في التشريعات المصرية وضرورة العمل على تفاديها، لتطوير التشريعات بالشكل الذي يتلاءم مع تنوع وتطور صور جرائم العنف الجنسي وخطورة آثارها على النساء في المجال العام، وبيئة العمل.


[1]  راجع نشرة مدى مصر بتاريخ 19 أغسطس 2020.

[2]  التحرش الجنسي في أماكن العمل، تحرير منى عزت، إصدار/مرصد الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للنساء في العمل.

[3]  راجع دراسة ” تقدير التكلفة الاقتصادية للعنف ضد المرأة في المنطقة العربية” إصدار منظمة الأمم المتحدة للمرأة.

[4] HEATHER MCLAUGHLIN, CHRISTOPHER UGGEN, and AMY BLACKSTONE. “THE ECONOMIC AND CAREER EFFECTSOF SEXUAL HARASSMENT ON WORKING WOMEN”GENDER & SOCIETY, Vol 31 No. 3, June, 2017 333–358.

آثار التحرش الجنسي الاقتصادية والمهنية على المرأة العاملة(*)

ترجمة: شهرت العالم

[5] المصدر السابق

[7]  أوضاع النساء بين وعود لم تتحقق ومجال عام مغلق، إصدار/ مؤسسة نظرة للدراسات النسوية.

[8]  المصدر السابق.

انشر المقال

متوفر خلال:

جندر وحقوق المرأة والحقوق الجنسانية ، مصر ، مقالات