أي آثار للإحالة إلى هيئة غير موجودة؟ ملاحظات حول نفاذ قانون الوصول إلى المعلومات


2017-10-24    |   

أي آثار للإحالة إلى هيئة غير موجودة؟ ملاحظات حول نفاذ قانون الوصول إلى المعلومات

بتاريخ 10/2/2017 صدر القانون رقم 28/2017 المُتعلِّق بالحق في الوصول إلى المعلومات[1] مُكرِّساً حق كل شخص طبيعي أو معنوي في الوصول إلى المعلومات والمستندات الموجودة لدى الإدارة والإطلاع عليها[2] وفقاً لأصول دقيقة حدّدها ونظّمها تأميناً لتنفيذه من جهة وضماناً لعدم إساءة استعمال الحق من جهة أخرى.

إلا أن المُلفِت في القانون المذكور هو ما نصّت عليه المادة 19 منه[3] والتي أعطت "الهيئة الإدارية المستقلة المحدّدة في قانون إنشاء الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد" حق النظر في طعن صاحب العلاقة بقرار رفض الوصول إلى المعلومات الصريح أو الضمني الصادِر عن الإدارة، فضلاً عن تخصيص الفصل الخامس من القانون المنوَّه عنه لصلاحيات تلك الهيئة. وقد نصّت المادة 23 منه[4] على أن الهيئة تُصدِر قراراً ملزماً خلال مهلة شهرين من تاريخ تقديم الشكوى بالموافقة على تسليم المستند أو برفض ذلك وتكون قراراتها قابلة للطعن أمام مجلس شورى الدولة الذي يطبّق بشأنها الأصول الموجزة، وكل ذلك رغم عدم إقرار قانون إنشاء الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد وبالتالي عدم وجود هذه الهيئة. وقد طُرِح التساؤل حول جدوى وفاعلية طرق الطعن والمراجعة التي نصّ عليها قانون حق الوصول إلى المعلومات رقم 28/2017 وما إذا كانت الإحالة فيه إلى قانون غير موجود وهيئة غير مُنشأة وفرضِهِ مراجعتها قبل الطعن أمام مجلس شورى الدولة من شأنها تعطيل أحكام القانون المذكور والحيلولة دون مُراجعة القضاء الإداري مباشرة في سبيل طعن بقرارات رفض الوصول.

في الحقيقة، يهمّنا بداية أن نُشير إلى أنها ليست المرّة الأولى التي يُحيل فيها المشرِّع، في القوانين التي يُقرّها، إلى قانون غير موجود أو لم يصدُر بعد. ومن الأمثلة على ذلك، القانون رقم 123/2010 تاريخ 23/7/2010 [5] الذي فتح اعتماد في موازنة مجلس النواب لعام 2010 على الرغم من عدم إقرار قانون هذه الموازنة، والقانون رقم 172/2011 تاريخ 29/8/2011[6] الذي فتح اعتماد في موازنة العام 2011 لإنشاء سجون، قبل تصديقها بصراحة عنوانه ونصّ مادّته الأولى. وإذا كان هذا الأسلوب في التشريع غير مألوف إلا أنه وفي ظلّ اعتماده من قِبَل المشرِّع بشكل متكرِّر في عدد من القوانين الصادرة عنه، فإنه يقتضي التعامل مع هذا الأسلوب ووضع الحلول اللازمة للإشكاليات الناشئة عنه بما يؤمِّن تنفيذ القوانين الصادرة وتلافي العقبات الناتجة عنه قدر الإمكان.

وبالعودة إلى قانون حق الوصول إلى المعلومات رقم 28/2017 فإننا نرى أن إعطاء "الهيئة الإدارية المستقلة المحدّدة في قانون إنشاء الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد" حق النظر في الطعون بقرارات رفض الوصول إلى المعلومات الصريحة أو الضمنيّة، لا ينزَع يد القضاء الإداري أي مجلس شورى الدولة عن النظر في هذه الطعون ولا تشكِّل مراجعة الهيئة مرحلة واجبة السلوك قبل مراجعة القضاء الإدراي وذلك للأسباب التالية:

  1. لأن اجتهاد القضاء الإداري مُستقِرّ على أن الحق في مراجعة القضاء هو حق دستوري وأساسي لا يمكن إنكاره ولكل إنسان الحق بالمُطالبة بحقّه والدفاع عنه أمام القضاء المُختصّ وفقاً للأصول والقواعد التي ينصّ عليها القانون، وإنّ نصّ القانون على إعطاء الحق في الإعتراض أمام هيئات أخرى غير القضاء المختصّ لا يمكن أن يؤدي إلى إقفال باب اللجوء إلى هذا القضاء[7]، وبالتالي فإنه يبقى لصاحب العلاقة الخيار في مُراجعة "الهيئة الإدارية المستقلة المحدّدة في قانون إنشاء الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد" أو اللجوء مباشرة إلى مجلس شورى الدولة طعناً بقرار رفض الوصول إلى المعلومات،
     
  2. لأن المادة 12 (ب) من قانون حق الوصول إلى المعلومات رقم 28/2017، أجازت الطعن مباشرة أمام مجلس شورى الدولة بالقرار الضمني برفض إطلاع صاحب العلاقة على أسباب القرارات الإدارية غير التنظيمية، ولم توجِب عليه مُراجعة الهيئة قبل ذلك،
    وإن كل ذلك يعني أن المشرِّع لم يحظِر الطعن المُباشَر أمام مجلس شورى الدولة بشأن قرارات رفض الوصول إلى المعلومات وإنما أجاز لصاحب العلاقة بناء على رغبته وفي حال شاء ذلك مراجعة "الهيئة الإدارية المستقلة المحدّدة في قانون إنشاء الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد" ووضَع أصولاً للطعن بقرارات هذه الهيئة نفسها ضماناً للحق الدستوري بمُراجعة القضاء مهما كان الطريق الذي سلكه صاحب العلاقة.
     
  3. لأنه في مُطلق الأحوال استقرّ العلم والإجتهاد على إرجاء تنفيذ أحكام النصوص التشريعية الجديدة عند استحالة تطبيقها وذلك ريثما توضَع هذه النصوص موضِع التنفيذ. وهذا ما يُسمّى بحالة الإستمرارية القسرية أو الحكمية للقانون القديم (Survie forcée de la loi ancienne) [8]. ومن الثابت أنه في ضوء استحالة تطبيق الأحكام القانونيّة الجديدة المنصوص عليها في قانون الحق في الوصول إلى المعلومات رقم 28/2017 والمتعلِّقة بالطعن بقرارات رفض الوصول إلى المعلومات أمام "الهيئة الإدارية المستقلة المحدّدة في قانون إنشاء الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد" كوْن هذه الهيئة غير موجودة ولم يتمّ إقرار قانونها بعد، فإنه يقتضي إرجاء تنفيذ هذه الأحكام الجديدة، وبالتالي تطبيق النصوص القانونية القديمة ولا سيّما تلك الواردة في نظام مجلس شورى الدولة التي تُتيح لهذا المجلس حق النظر في المراجعات المُقدّمة إليه مباشرة طعناً بقرارات رفض الوصول بالمعلومات دون المرور بأي مرجع آخر. ويشار إلى أن حق المجلس بالنظر في مثل هذه المراجعات وفقاً للنصوص القديمة ثابت بالقرار التاريخي الصادر عن مجلس شورى الدولة برقم 420/2013-2014 تاريـخ  4/3/2014 في قضية لجنة أهالي المخطوفين والمفقودين في لبنان وجمعية دعم المعتقلين والمنفيين اللبنانيين – سوليد/الدولة – رئاسة مجلس الوزراء.

 


[1] – منشور في الجريدة الرسمية عدد 8 تاريخ 16/2/2017.
[2] – تُراجَع المادة الأولى من قانون الحق في الوصول إلى المعلومات رقم 28/2017 تاريخ 10/2/2017 التي تنصّ على أنه:« يحق لكل شخص، طبيعي أو معنوي، الوصول الى المعلومات والمستندات الموجودة لدى الإدارة والاطلاع عليها، وفقاً لأحكام هذا القانون، مع مراعاة عدم الاساءة في استعمال الحق».
[3] – ينصّ البندين (ب) و (ج) من المادة 19 من قانون الحق في الوصول غلى المعلومات رقم 28/2017 تاريخ 10/2/2017 على أنه:« ب – على الإدارة أن تبلغ قرار رفض الوصول الى المعلومات الصريح الى صاحب العلاقة، الذي له خلال مهلة شهرين أن يراجع الهيئة الادارية المستقلة المحددة في قانون إنشاء الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد. ج – إن الرفض الضمني للوصول الى مستندٍ ما، يكون قابلاً للطعن وفقاً للاصول المذكورة في الفقرة السابقة» .
[4] – تُنص المادة 23 من قانون الحق في الوصول إلى المعلومات رقم 28/2017 تاريخ 10/2/2017 على أنه:« أ – تُصدر الهيئة الادارية قراراً ملزماً، خلال مهلة شهرين من تاريخ تقديم الشكوى، بالموافقة على تسليم المستند أو برفض ذلك. وتبلغه فوراً الى الادارة المختصة. ب – إن قرارات الهيئة قابلة للطعن أمام مجلس شورى الدولة الذي يطبق بشأنها الأصول الموجزة».
[5] – منشور في الجريدة الرسمية عدد 36 تاريخ 29/7/2010.
[6] – منشور في الجريدة الرسمية عدد 41 تاريخ 3/9/2011.
[7] – يُراجَع لطفاً:مجلس شورى الدولة،قرار رقم 538/2003-2004، تاريخ 21/4/2004،د.عامر حسن منصور/الدولة – رئاسة مجلس الوزراء (إدارة التفتيش المركزي) .
[8] – يُراجَع لطفاً:مجلس شورى الدولة،قرار رقم 642/2016-2017، تاريخ 16/5/2017،نقابة خبراء السير في لبنان /الدولة – وزارة العدل؛منشور في مجلة العدل،العدد 3،العام 2017،ص:1232-1235 .

انشر المقال

متوفر خلال:

لبنان ، مقالات



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *