أيّ محاكمة عادلة أمام القضاء العسكري في لبنان؟


2024-06-06    |   

أيّ محاكمة عادلة أمام القضاء العسكري في لبنان؟

يثير القضاء العسكري جدلًا قانونيًّا واسعًا حول مدى قدرته على تلبية متطلِّبات العدالة لجهة ضمان المحاكمة العادلة أمام محكمة مستقلّة وفقًا لمقتضيات المعايير الدولية. وفي لبنان، يحتلّ القضاء العسكري حيّزًا هامًّا من النظام القضائي اللبناني. فبالرغم من صفته الاستثنائية، فإنّه يتمتّع بصلاحية جدّ واسعة لملاحقة عدد كبير من الجرائم، لا تقتصر على تلك التي يرتكبها الموظّفون العسكريّون في إطار الوظيفة، بل تمتدّ إلى عدد كبير من الجرائم التي يرتكبها عناصر الأجهزة العسكرية والأمنية والمدنيون، بمن فيهم القاصرون.

وفي ظلّ بروز خطاب حقوقي وسياسي في لبنان يطالب بالحدّ من اختصاص القضاء العسكري، بخاصّة في ما يتعلّق بمحاكمة المدنيين وقضايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، ارتأت “المفكّرة القانونية” المساهمة في هذا النقاش في بُعده الحقوقي من خلال تقييم مدى التزام القضاء العسكري في لبنان بمبادئ المحاكمة العادلة وفقًا للمعايير الدولية. وتأتي هذه الورقة البحثية الأولى ضمن سلسلة من الأوراق التي تبحث في دور القضاء العسكري في محاسبة جرائم التعذيب. 

تستند هذه الورقة البحثية إلى مراجعة الإطار القانوني الدولي واللبناني المتعلّق بالقضاء العسكري وإلى مقابلات نوعية أُجريت خلال شهر تمّوز 2023 مع ستّة قضاة ومحامين وصحافيين، كما وإلى أعمال “المفكّرة” المستمرّة في رصد العمل القضائي والبرلماني. بالإضافة إلى ذلك، تستند الورقة إلى مراجعة خمس قضايا تعذيب عُرضت أمام القضاء العسكري، وهي الشكاوى المقدّمة من زياد عيتاني (2018)، خلدون جابر وحسن شعيب (2019)، “الحدّاد” وهو اسم مستعار (2021) وعائلة بشّار السعود (2022).

الخلاصات

تخلُص الدراسة إلى أنّ القضاء العسكري في لبنان لا يضمن الحقّ في المحاكمة العادلة للمتّهَمين بارتكاب الجرائم التي تدخل ضمن صلاحياته و لضحايا هذه الجرائم، إن كانوا من المدنيين أو من غير المدنيين، للأسباب التالية:

1-لا يضمن التنظيم القانوني للقضاء العسكري شروط الاستقلالية والحياد الظاهرَين للمحاكم العسكرية، بخاصّةٍ في ظلّ تشكيل هيئات المحاكم العسكرية بأغلبية من الضبّاط من دون وجود معايير موضوعية لتعيينهم أو اشتراط الكفاءة القانونية، وفي ظلّ خضوعهم لسلطة الأسلاك التي ينتمون إليها والسلطة التنفيذية (وزير الدفاع).

2-لا تضمن أصول المحاكمات أمام القضاء العسكري ضمانات المحاكمة العادلة بشكل كافٍ بخاصّة لجهة الآتي:

2.1- بالرغم من إقرار القانون مبدأ علنية المحاكمات أمام القضاء العسكري، إلّا أنّه يُجيز للمحكمة العسكرية أن تحظر نشر وقائع الجلسات أو ملخّص عنها إذا رأت موجبًا لذلك، من دون وضع ضوابط واضحة لإمكانية إصدار هذا الحظر. كما أنّ وجود المحاكم العسكرية داخل ثكنات عسكرية يؤدّي عمليًّا إلى تقييد إمكانية وصول الجمهور إلى قاعات المحاكم إلّا بإذن من رئيس المحكمة. 

2.2- لا يضمن القانون حقوق الدفاع واستقلالية المحامين أمام القضاء العسكري، لا سيّما لجهة الإجازة للمحاكم بتعيين محامين عسكريين للدفاع عن المدّعى عليهم من دون أن يتمتّع هؤلاء بالاستقلال والكفاءة اللازمة، كما والإجازة لرئيس المحكمة العسكرية بممارسة صلاحيات تأديبية بحقّ المحامين المدنيين من خلال منعهم من دخول المحكمة مُوَقّتًا في حال ارتكابهم خطأً مسلكيًّا جسيمًا. بالإضافة إلى ذلك، تتقاعس أجهزة القضاء العسكري عن ضمان حقوق الدفاع في مرحلة التحقيقات الأوّلية وحسن تطبيق المادّة 47 من أصول المحاكمات الجزائية.

2.3- لا يتمتّع المحكوم عليه بحقّ استئناف الأحكام الصادرة عن المحكمة العسكرية في القضايا الجنحيّة والجنائية، ممّا يحرمه من الحقّ في إعادة النظر في حكم الإدانة وفي العقوبة التي تصدرها ضدّه هيئة قضائية أعلى. كما يحصر القانون بشكل واسع حقّ المدّعى عليه في الطعن في القرارات الصادرة عن قضاة التحقيق العسكري، في حين يُتيح لمفوّض الحكومة لدى المحكمة العسكرية الطعن في جميع هذه القرارات، ممّا يمسّ بمبدأ المساواة أمام القضاء وتكافؤ الفرص القانونية.

2.4- لا يفرض القانون على المحاكم العسكرية إصدار أحكام معلَّلة تتضمّن تبريرًا كافيًا لها، ممّا يُعيق إمكانية ممارسة حقّ الطعن واستخلاص مبادئ لاجتهاد هذه المحاكم.

3- يُغيّب قانون القضاء العسكري ضحايا الجرائم الخاضعة لصلاحيته بشكل تامّ من خلال منعهم من الادّعاء الشخصي والمشاركة في إجراءات التحقيق والمحاكمة أمامه، ممّا يُعيق تمكّنهم من التأثير في مسار المحاكمات ونتيجتها التي تؤثّر على حقوقه. كما تقضي الممارسة الحالية بمنع الضحايا من الوصول إلى المستندات القضائية المتعلّقة بقضيّتهم، ممّا يعيق حقّهم في الإنصاف القانوني. 

التوصيات

انطلاقًا من ذلك، توصي الدراسةُ السلطاتِ القضائية العسكرية والعدلية بتفسير النصوص القانونية الحالية على نحوٍ يتلاءم مع مبادئ وضمانات المحاكمة العادلة المنصوص عنها في الدستور اللبناني والاتفاقيات الدولية الملزمة للبنان. كما توصي مجلس النوّاب اللبناني بوجوب إجراء مراجعة شاملة للقوانين الناظمة للقضاء العسكري بهدف:

-حصر اختصاصه في الجرائم ذات الطابع العسكري البحت التي يرتكبها أفراد الجيش، ومنع انعقاد صلاحيته للنظر في الجرائم التي يرتكبها المدنيون والقاصرون والأشخاص المتّهَمون بارتكاب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، ومنها جرائم القتل والاختفاء القسري والتعذيب؛  

-ضمان استقلالية القضاة في القضاء العسكري عن السلطة التنفيذية وقيادات الأجهزة العسكرية والأمنية؛

-إدراج ضمانات المحاكمة العادلة في أصول المحاكمات العسكرية، وحقّ ضحايا الجرائم الخاضعة لاختصاص القضاء العسكري في المشاركة في إجراءات التحقيق والمحاكمة.

لتحميل الدراسة بصيغة PDF

انشر المقال



متوفر من خلال:

قضاء ، المرصد القضائي ، محاكم عسكرية ، استقلال القضاء ، لبنان ، دراسات ، المهن القانونية



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية
زوروا موقع المرصد البرلماني