أين الجلّاد في قضية زياد عيتاني؟ محكمة التمييز العسكرية لا تراه


2021-04-16    |   

أين الجلّاد في قضية زياد عيتاني؟ محكمة التمييز العسكرية لا تراه

أصدرت محكمة التمييز العسكرية حكمها النهائي في ملف تلفيق تهمة التعامل مع إسرائيل للمسرحي زياد عيتاني وصدّق الحكم على الحكم الابتدائي بالنسبة لعقوبة المقدّمة السابقة في قوى الأمن الداخلي سوزان الحاج بجرم “إهمال إفادة رؤسائها عن مخطط غبش رغم علمها بذلك”، وحبسها شهرين وتغريمها 200 ألف ليرة وإبطال التعقّبات عنها بجرائم التدخّل في ملف التلفيق. وأدانت المحكمة غبش بالسجن لثلاث سنوات مع الأشغال الشاقة ومن ثم تخفيف العقوبة إلى الأشغال الشاقة لسنة ونصف السنة، بعدما كان مداناً بالجرم نفسه انما بالسجن لسنة واحدة. 

صدر الحكم مساء أمس الثلاثاء بعد انتهاء رئيس محكمة التمييز العسكرية القاضي طاني لطّوف من جلسة الاستماع إلى المتضرّر زياد عيتاني الذي حضر إلى المحكمة بصفة شاهد، من ثمّ ترافع وكلاء المدعى عليهم كما ترافع معاون مفوّض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي غسّان خوري. 

زياد عيتاني: العنصر في أمن الدولة قال لي “تلقَّ هدية سوزان الحاج”

كانت جلسة أمس الفرصة الأخيرة لزياد عيتاني لأن يدلي بإفادته أمام المحكمة قبل أن تتوجّه لإصدار الحكم. وقبل أن يبدأ إفادته برّر القاضي لطّوف لعيتاني أسباب عدم طلبه الاستماع لإفادته سابقاً، بأنّ القوانين التي ترعى المحاكمات العسكرية لا تسمح للشاكي أن يمثل فيها. وأضاف متوجهاً إلى عيتاني بالقول: “طلبنا حضورك اليوم، ونحن لا يمكننا سوى أن نتسمع إليك كشاهد على سبيل المعلومة من دون تحليفك اليمين، وهذا فقط ما يسمح به القانون”. 

وبعدما أكد عيتاني على موافقته على ما أدلى به أمام المحكمة العسكرية الدائمة، أكدّ للمحكمة أنّه تقدّم بشكوى لدى النيابة العامّة التمييزية عام 2018 ضدّ الحاج وغبش وأربعة عناصر من أمن الدولة بجرائم الافتراء الجنائي، والتعذيب، وإسائة استعمال السلطة، وإفشاء سرية التحقيق، والتزوير وتأليف عصابة أشرار. وأوضح أنّ النيابة العامّة التمييزية أحالت الشكوى حينها لدى مفوّض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي السابق بيتر جرمانوس، “لكنني رفضت أن أمثل أمامه وطلبت أن أمثل أمام قاضٍ عدلي”. ويُضيف، “استمع لي النائب العام الاستئنافي القاضي زاهر حمادة مرّة واحدة ومنذ ذلك الحين لم يحصل أيّ تطوّر في هذا المجال”. 

ومن ثم انتقل عيتاني ليدحض ما أفادت به الحاج سابقاً بأنّها لم تكن على معرفة بهوية المسرحي زياد عيتاني وكانت تعتبر أنّها على خصومة مع زياد عيتاني الصحافي في موقع “أيوب نيوز”، وقال إنّه “تواصل معها عبر mention  على تويتر تعليقاً على وضعها إشارة إعجاب على تغريدة شربل خليل وسألها: “بصير هيك ستنا؟” لتجيبه: “بالخطأ عزيزي”. والعامل الثاني الذي استعان به زياد ليؤكد معرفة الحاج به هو اتصاله بزوجها المحامي زياد حبيش بهدف أن يوضح له أنّ لا علاقة له بالخبر الذي نشر على موقع “أيوب نيوز” حول إعجاب الحاج بتغريدة خليل، لكنّ حبيش أغلق الهاتف بوجهه بعدما عرّفه عن نفسه.  

وشرح عيتاني أنّ معرفة الحاج به تقاطعت في مكان آخر، وذلك خلال خضوعه للتحقيق لدى جهاز أمن الدولة حيث جرى ذكر اسم الحاج أمامه مرتين. ويقول: “حين كنت معلّقاً، دخل العنصر الأمني جبران ميسي وتوجّه لي بالسؤال: “أنت كيف بتاخذ سكرين شات للايك سوزان الحاج؟”. أجبته أنّه ليس أنا، فردّ عليّ، بلا أنت قمت بذلك بالتعاون مع أسعد بشارة. وأضاف، “من ثم قال لي ميسي حرفياً: “تلقَّ هديتها”. 

ومرّة ثانية جرى ذكر الحاج أمامه خلال التحقيقات، إذ أفاد عيتاني أنّ “ميسي دخل إلي مرّة وقال لي: “سأخفف عنّك إذا قلت أنّ المجنّدة الإسرائيلية (الوهمية) طلبت منّك التنقير على الحاج”. وأضاف عيتاني، “في اليوم التالي جرى حديث بين العنصر في أمن الدولة إيلي برقاشي وميسي أمامي، فقال الأول للثاني: أفضل عدم ذكر الحاج في التحقيقات”. ولفت إلى أنّه قبل خروجه من مركز جهاز أمن الدولة توجه إلى ميسي بالقول: “أنا بفضلك عرفت مين عمل فيي هيك”. 

ومن ثم أكدّ عيتاني أنّه “لا يوجد أي دليل أنني كنت ملاحقاً من قبل أمن الدولة منذ العام 2013، من خلال مذكرة تقدم بها الجهاز أمام المحكمة العسكرية الدائمة تنفي الأمر”. وشرح عيتاني “تعرّضت لتشويه السمعة التي تلاحقني حتى اليوم، أنا بالحقيقة تعرّضت لخمسة أيام من الضرب خلال توقيفي، ولم أتمكّن من أن أقول الحقيقة أمام القاضي بيتر جرمانوس”. وأضاف، “اليوم هذه هي فرصتي الوحيدة لأتكلم بعد كل هذا التشهير الذي لحق بي”. 

وتابع عيتاني أنّ المقدّمة الحاج لها سوابق في ملفّات مشابهة مشيراً إلى معرفته بشاهد تلقّى تهديداً منها عام 2015 بأنّها ستلفّق له ملف عمالة. وعرض عيتاني على رئيس المحكمة تقديم مذكرة تتضمن معلومات حول هذا الشاهد ورقم هاتفه ليتمّ التواصل معه لأجل سماع شهادته بالإضافة إلى تقديم مذكّرة تتضمّن كافة المعلومات التي يريد عيتاني أن تطّلع عليها المحكمة، إلّا أنّ القاضي لطّوف رفض استلامهما معتبراً أنّ هذا الأمر خارج صلاحيته. 

“حكم تسوية” 

في مرافعته، رأى القاضي خوري أنّ النيابة العامّة التمييزية حين ميّزت حكم البداية “كان هدفها تصحيح ما سبق، أي ما هو قائم على تغاضي القضاء العسكري عن الجرم الرئيسي المرتكب الذي أودى بنتيجته اعتراف زياد عيتاني بجرم لم يرتكبه بعد مواجهته بأدلّة مزيفة”. وهنا أشار إلى أنّ “هذا الهدف لا يعني الجدل في نوايا الحاج، وبدلاً عن ذلك يتوجّب على القضاء العسكري أن يجيب عن السؤال كيف وصل عيتاني إلى الادلاء بهذا الاعتراف”. وهنا جاء طلب القاضي خوري المستغرب في هذا المجال وهو “أن تلجأ محكمة التمييز بعد إصدار حكمها إلى إحالة الحكم إلى النيابة العامّة لأجل ملاحقة الآخرين الذين يشتركون في هذه الجرائم”. فقاطعه القاضي لطّوف سائلاً إياه: “لماذا انتظرت إلى اليوم لتقدّم هذا الطلب؟”.  فأجابه القاضي خوري: “أنا أطلب تصحيح الخلل في حكم المحكمة العسكرية الدائمة”. وكان لافتاً أنّه أتى على وصف الحكم بأنّه “حكم تسوية”. 

واستمر الأخذ والرد بين القاضي خوري والقاضي لطّوف حول هذا الطلب المتأخر من النيابة العامّة ما يكشف عن عدم قناعة القاضي لطّوف بطلبه. وعاد القاضي خوري وشرح أنّه “يطلب إحالة الأوراق إلى النيابة العامّة العسكرية لإجراء التحقيقات والملاحقات اللازمة بخصوص كلّ من ساهم بارتكاب جرم تلفيق تهمة العمالة لزياد عيتاني ومن ضمنهم عناصر في جهاز أمن الدولة، وذلك سنداً للمادة 270 من أصول محاكمات جزائية”. ولم يظهر لدى القاضي خوري في مرافعته أي رغبة في طلب إدانة الحاج، إنّما ترك الأمر للمحكمة أن ترى ما إذا كانت أفعال الحاج هي أفعال جرمية، وأمّا بالنسبة لغبش فطلب إدانته وفقاً للقرار الاتهامي. 

واعتبر وكيل الحاج نقيب المحامين السابق رشيد درباس أنّ ما قاله القاضي خوري بخصوص الحكم بأنّه حكم “تسوية” يمسّه بالشخصي، وأضاف أنه: “في محكمة البداية جئت لأخاصم الحق العام فلم يترك لي سبيلاً”. ويقصد مرافعة مفوّض الحكومة السابق لدى المحكمة العسكرية القاضي السابق بيتر جرمانوس الذي ترافع حينها مدافعاً عن الحاج. وأضاف درباس: “أمّا اليوم فوجئت أنّ الحق العام يتّهمني بإجراء تسوية، فيخاصمني شخصياً”. وأضاف، “الحكم صدر باسم الشعب اللبناني في المحكمة العسكرية الدائمة”. وشدد درباس على أنّه “عند اتهامي بأنني عقدت تسوية من قبل النائب العام فمن حقي أن أدافع عن تاريخي، وأنا لا أدخل على الكواليس، وما ‘بطبّق’ قاضي”. 

وثم انتقل درباس إلى الدفاع عن المقدّمة الحاج في المرافعة وأشار إلى أنّ “الادعاء على الحاج في الجرائم التي أسنده إليها القرار الظني، هو ادعاء بجرم بلا جسم”. وشرح بأنّ غبش زجّ باسم الحاج في هذا الملف لأهداف تصبّ في مصلحته الشخصية، وأشار إلى التغيير في إفادة غبش لأكثر من مرّة أمام المحكمة وفي التحقيقات الأوّلية. وطلب كف التعقّبات عن الحاج لعدم كفاية الدليل.

المزيد من المرافعات حول جريمة لا مجرم فيها

ومن جهته ترافع وكيل الحاج أيضاً المحامي مارك حبقة، وشرح بأنّ الحاج تعرّضت لمحاكمتين، محاكمة الكرنفال الإعلامي، والمحاكمة أمام القضاء. ونفى حبقة أن تكون الحاج قد “شدّت عزيمة غبش لتلفيق ملف عمالة لزياد عيتاني، حسبما ورد في القرار الظني”. وأحال الأمر إلى “إخفاء 20 ألف رسالة من الملف”. واعتبر أنّ “ما قام به غبش واضح أنّه لأهداف مالية، فهناك رسائل تثبت أنّه تلقى 2000 دولار أميركي من جهاز أمن الدولة لإيجاد دليل على عيتاني”. 

وفي مرافعة وكيل غبش المحامي جهاد لطفي، تطرّق فيها إلى أنّ “غبش بتوجيهات من أمن الدولة قام بتعقب ورصد زياد عيتاني”. واعتبر أنّ موكله لم يرتكب أي جرم، بل قام بما يقوم به أي تقني، وطلب إعلان براءته “لأننا أمام جريمة مستحيلة لم تستكمل عناصرها، واستطراداً فإنّ ما قام به لو كان جرماً فانما ينطبق على المادة 402 عقوبات وليس المادة 403″، فطلب تغيير الوصف الجرمي في هذا المجال عدا عن منحه أوسع الأسباب التخفيفية والاكتفاء بمدّة توقيفه. 

من جهته حين أعطي الكلام له، اكتفى غبش بالطلب من المحكمة البراءة وأن تأخذ بعين الاعتبار أنّ زوجته حامل بتوأم وهي بصدد الولادة قريباً. ولم يأتِ على الدفاع عن نفسه أمام الاتهامات التي ساقها ضدّه درباس بأنّه “زجّ اسم الحاج لمصلحة شخصية”. ومن جهتها، تكلّمت الحاج، واعتبرت أنّها تعرّضت لمظلومية. وأضافت، “منذ اللحظة الأولى وأنا أقول إنّه لا علاقة لي بهذا الملف”. واعتبرت أنّه “طيلة ثلاث سنوات وأنا أتعرّض للمحاكمة بصوت الإعلام، عبر مقالات صحافية بعيدة كل البعد عن الموضوعية”.

انشر المقال

متوفر من خلال:

أجهزة أمنية ، احتجاز وتعذيب ، استقلال القضاء ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، قرارات قضائية ، قضاء ، لبنان ، محاكم عسكرية ، محاكمة عادلة ، محاكمة عادلة وتعذيب



لتعليقاتكم