المبادرة التشريعية الأولى لإصلاح شامل للقضاء العسكري (2): تعزيز ضمانات المحاكمة العادلة من دون الاستقلالية


2023-12-08    |   

المبادرة التشريعية الأولى لإصلاح شامل للقضاء العسكري (2): تعزيز ضمانات المحاكمة العادلة من دون الاستقلالية
رسم رائد شرف

بتاريخ 30 أذار 2023، تقدّم النائبان جورج عقيص وجورج عدوان من كتلة الجمهورية القوّية باقتراح قانون لتعديل قانون القضاء العسكري لعام 1968، وهي أوّل مبادرة تشريعية لمراجعة هذا القانون بشكل شامل من أجل إصلاحه. فعلى خلاف الاقتراحات المقدّمة سابقاً، لم يكتفِ هذا الاقتراح بالحدّ من اختصاص القضاء العسكري لجهة محاكمة المدنيين، بل ذهب أيضاً في اتجاه تعديل تنظيم هذا القضاء وأصول المحاكمات لديه. وقد برر ذلك في أسبابه الموجبة، بتوسّع اختصاص القضاء العسكري في العقود الأخيرة ليشمل محاكمة المدنيين في جرائم عدّة “بشكل يتنافى مع مفهوم المحاكم العسكرية وفقاً للقانون الدولي، وبشكل يناقض المعايير العالمية للمحاكمة العادلة، بحيث خرجت المحكمة العسكرية عن وظيفتها القضائية كمحكمة استثنائية”، وأصبحت وفقاً للمنظمات الحقوقية الدولية “عامل مزعزع للاستقرار القانوني في لبنان”.

يهدف الاقتراح إلى تعديل كامل للكتابين الأوّل والثاني من قانون القضاء العسكري المتعلّقين بتنظيم القضاء العسكري وأصول المحاكمات الجزائية العسكرية، من دون أن يعدّل في الكتاب الثالث الذي ينصّ على الجرائم العسكرية وعقوباتها. وفي نيسان 2023، شكّلت لجنة الإدارة والعدل النيابية لجنة فرعية برئاسة النائب جورج عقيص (أحد مقدمّي هذا الاقتراح) لدراسة هذا الاقتراح، بالإضافة إلى الاقتراح المقدّم من النائب بلال عبد الله (2021) للحدّ من اختصاص القضاء العسكري، علماً أنّ “المفكّرة” كانت رصدت ورود اقتراحات سابقة إلى المجلس النيابي تتعلّق باختصاص القضاء العسكري مقدّمة من النوّاب ايلي كيروز (2013)، وسامي جميّل (2016)، وبولا يعقوبيان (2019) من دون أن يتبيّن مدى شمولها ضمن دراسة اللجنة. وقد أتت هذه الاقتراحات كترجمة للخطاب الحقوقي الذي يطالب بالحدّ من صلاحية القضاء العسكري في ما يتعلّق بمحاكمة المدنيين، عملاً بمبدأ “القاضي الطبيعي”.

مواكبة لهذا النقاش التشريعي الهام، تقدّم “المفكّرة القانونية” أبرز ملاحظاتها على الاقتراح المقدّم من النائبين عدوان وعقيص من خلال مراجعة التعديلات المقترحة فيه، وذلك على ضوء المعايير الدولية التي يطمح الاقتراح ترجمتها في نظام قانون القضاء العسكري، بالإضافة إلى الممارسات القضائية الحالية التي رصدتها “المفكّرة”. وكنا قد تناولنا في الجزء الأوّل ملاحظاتنا حول تعديل الاقتراح لاختصاص القضاء العسكري، فيما نتناول في هذا الجزء الثاني ملاحظاتنا حول تعديله لبنيان القضاء العسكري (1) وأصول المحاكمات أمامه (2).

1.    تعديل بنيان القضاء العسكري من دون ضمانات الاستقلالية

يُدخل الاقتراح تعديلات جوهرية على بنيان القضاء العسكري وتكوينه بحيث يُصبح شبيهاً لتنظيم القضاء الجزائي العادي، ويحدّ من سلطة وزير الدفاع على القضاة، إلا أنّه لم يُدخل ضمانات كافية لضمان  استقلالية المحاكم والقضاة (وهو مبدأ دستوري) وكفاءتها. وعليه، أبقى على هيمنة الضبّاط على تشكيل المحاكم وخضوعهم لأسلاكهم، ولم يضع أي شروط لضمان تعيين القضاة على أساس الكفاءة.

ومن أبرز التعديلات التي يُدخلها الاقتراح، في حال إقراره، لهيكلة القضاء العسكري نذكر الآتي:

  • إلغاء “المحكمة العسكرية” بهيئتيها الجنحية والجناحية، واستبدالهما ب “محكمة استئناف عسكرية” التي تنظر في استئناف الأحكام الصادرة عن القضاة المنفردين العسكريين في قضايا الجنح وبعض المخالفات، و”محكمة جنايات عسكرية” التي تنظر في قضايا الجنايات والجنح المتلازمة معها،
  • إنشاء “هيئة اتهامية عسكرية” تقوم بالمهام المناطة بالهيئة الاتهامية العادية أي ممارسة سلطة الاتهام في الجنايات (بدلاً من قاضي التحقيق العسكري) والنظر في الطعون في قرارات قضاة التحقيق (بدلاً من تعدد المراجع في الممارسة الحالية بين محكمة التمييز الجزائية ومحكمة التمييز العسكرية والهيئة الاتهامية في بيروت وفقاً لطبيعة القرار المطعون فيه) والبت في طلبات إعادة الاعتبار (بدلاً من محكمة التمييز العسكرية)، مع الإشارة إلى أن بعض القضاة الباحثين يشككون بفعّالية دور الهيئة الاتهامية العادية كسلطة اتهام.
  • إلغاء محكمة التمييز العسكرية واستبدالها ب “غرفة عسكرية لدى محكمة التمييز” يكون من اختصاصها النظر في نقض الأحكام الصادرة عن محكمة استئناف الجنح ومحكمة الجنايات العسكرية.

بالإضافة إلى ذلك، يستبدل الاقتراح تسمية “مفوّض الحكومة لدى المحكمة العسكرية” بتسمية “النائب العام لدى محكمة الاستئناف العسكرية” ويضعه تحت رقابة “النائب العام لدى الغرفة العسكرية لدى محكمة التمييز” أي النائب العام التمييزي أو من ينتدبه من دون تعديلات هامّة لمهامهم. كما يستبدل تسمية “السلطة العسكرية العليا” ب “المجلس العسكري”.

يسمح هذا البنيان المقترح بإدخال بعض ضمانات المحاكمة العادلة المتوّفرة أمام القضاء العادي لا سيما لناحية الحق في التقاضي على درجتين، وهو ما سوف نعود إليه أدناه. إلا أنّه يُخشى أن يواجه وضعه موضع التطبيق عقبات طالما أنه يفترض إنشاء هيئات قضائية جديدة، مع ما يستتبع ذلك من موارد بشرية وإدارية ومالية في غياب أي إرادة سياسية  لمعالجة أزمة القطاع العام الحادّة حالياً. ويكفي بأن نذّكر بواقع القضاء الإداري اليوم، إذ لم تعمد القوى السياسية الحاكمة على إنشاء المحاكم الإدارية في المحافظات لغاية اليوم رغم مرور 23 عاماً على إقرار القانون رقم 227/2000، ما أدى إلى تكدس الدعاوى الإدارية لدى مجلس شورى الدولة وحرمان المواطنين من وسيلة لردع التجاوزات المضرّة لاستخدام السلطة العامّة. 

وبالرغم من ايجابيات اعتماد هذا البنيان القضائي، لم يعالج الاقتراح الإشكالية الأساسية التي تطال تنظيم القضاء العسكري، والتي ترتبط بغياب معايير الاستقلالية بخاصّة لجهة تشكيل المحاكم العسكرية وآلية تعيين قضاتها، مكتفياً بالحدّ من سلطة وزير الدفاع عليهم.

هيمنة الضبّاط على تشكيل المحاكم

يُبقي الاقتراح على تشكيل المحاكم العسكرية بأغلبية من الضبّاط. ففيما تتألف محكمة الجنايات العسكرية المقترحة من خمسة أعضاء، اثنين من القضاة في الملاك العدلي (قضاة عدليين) وأحدهما رئيساً وثلاثة من الضباط، تتألف محكمة الاستئناف العسكرية والهيئة الاتهامية من ثلاثة قضاة، قاضٍ عدلي رئيساً وضابطين عضوين. كما يُضيف الاقتراح ضابطيْن إلى جانب ثلاثة قضاة عدليين لتشكيل الغرفة العسكرية لدى محكمة التمييز. أمّا فيما يتعلّق بالقضاء العسكري المنفرد، فقد انتهى الاقتراح إلى قلب المبدأ المنصوص عليه في القانون الحالي في اتجاه تكريس تعيين ضابط في هذا المركز بما يخالف التوجه نحو تعزيز المحاكمة العادلة. ففيما يجيز القانون الحالي تعيين القضاة المنفردين العسكريين من القضاة العدليين أو من الضباط المجازين في الحقوق، ينصّ الاقتراح على تعيينهم من الضباط على أن يُعين قضاة عدليّون في هذه المراكز فقط في حال تعذّر تعيين ضباط فيها. وما يزيد من قابلية هذا الأمر للانتقاد أن صياغة المادة إنما توحي بأن الضبّاط أعلى شأناً من القضاة العدليين أو أقله أكثر أهلية منهم للقيام بهذه الوظيفة القضائية.

وتشكّل هيمنة الضبّاط على تشكيل المحاكم العسكرية سببًا موضوعيًّا للشكّ في حياديتها واستقلاليتها، إن كان بالنسبة إلى عناصر الأجهزة الأمنية والعسكرية أو بالنسبة إلى المدنيين. فالاستقلالية والحيادية لا تُقاسان بناء على معايير ذاتية فقط (كالاستناد إلى آراء القاضي المسبَقة ومصالحه الشخصية في قضيّة ما)، إنّما تُقاسان بشكل موضوعيّ، أي وفق حياد المحكمة الظاهر الذي يفرض عليها أن توفّر الضمانات الموضوعية الكافية لتبديد أيّ شكّ في حيادها. وهذا ما كرّسه اجتهاد المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان لجهة مبدأ “الاستقلالية الظاهرية”، إذ يكفي توافر أسباب موضوعية لنشوء شكوك مشروعة عند أحد الأطراف بشأن استقلال القاضي وحياديته للقول بأنّ المبدأ قد خُرق، وذلك انطلاقًا من أهمِّية إيحاء المحاكم في مجتمع ديمقراطي بالثقة العامة. كما شددت “مبادئ ديكو” (التي تشكّل المرجع الدولي الأساسي لتقييم التشريعات المتعلّقة بالمحاكم العسكرية) أنّه على ضوء “نظريّة المظهر” يجوز للمتقاضي أن يعتبر، ولأسباب وجيهة، القاضي العسكري ضابطًا يمكن أن يكون “حكمًا وخصمًا” في أيّ قضيّة تمسّ المؤسَّسة العسكرية.

يسجّل بالمقابل للاقتراح أنه ينصّ على إلغاء إمكانية توّلي الضبّاط رئاسة هذه الهيئات القضائية، كما هي الحال حالياً في المحكمة العسكرية الدائمة حيث يكون الأعضاء الضبّاط دون رتبة رئيسها، مما قد يُساهم في تعزيز قدرة هؤلاء على مخالفة آراء رئيس المحكمة طالما أنّه لم يعودوا خاضعين له تراتبياً.

إلغاء معايير الكفاءة

لا يشترط الاقتراح لتعيين الضبّاط في المحاكم حيازتهم لإجازة في الحقوق أو اشتراكهم في أي تدريب على العمل القضائي أسوة بالقضاة العدليين وفقاً لما تفرضه المعايير الدولية، بل يكتفي باعتماد مبدأ “الأفضلية للمجازين في الحقوق”. حتّى أنّه يذهب إلى حدّ إلغاء شرط الإجازة في الحقوق التي ينصّ عليها القانون الحالي فيما يتعلّق بتعيين قضاة التحقيق العسكري والقضاة العسكريين المنفردون واستبدالها بمبدأ الأفضلية للمجازين بالحقوق. في المقابل، يُبقى على شرط الإجازة بالنسبة للضبّاط الذين قد يتم تعيينهم لمعاونة النائب العام العسكري.

من هذا المنطلق، يذهب الاقتراح هنا أيضاً في اتجاه مخالف للمعايير الدولية إذ تنصّ مبادئ الأمم المتّحدة بشأن استقلالية القضاء على أنّه ينبغي للّذين يشغلون الوظائف القضائية أن يكونوا “من ذوي النزاهة والكفاءة، وحاصلين على تدريب أو مؤهّلات مناسبة في القانون” (المبدأ رقم 10). كما أشارت “مبادئ ديكو” إلى ضرورة تمتُّع القضاة في المحاكم العسكرية بالكفاءة والحصول على التدريب القانوني المطلوب من القضاة العاديين، معتبرة الكفاءة القانونية للقضاة العسكريين “مكوِّنًا أساسيًّا في استقلاليتهم وحيادهم” (المبدأ رقم 13).

الحدّ من سلطة وزير الدفاع

يحدّ الاقتراح بشكل واسع من سلطة وزير الدفاع الوطني على القضاة في القضاء العسكري، ويُلغي البند الذي يعطي وزير الدفاع تجاه المحاكم العسكرية جميع الصلاحيات المعطاة لوزير العدل تجاه المحاكم العدلية. وهو ما يتلاءم بشكل عام مع المعايير الدولية التي توصي بأن تكون المحاكم العسكرية منفصِلة مؤسّساتيًّا عن السلطتين التنفيذيّة والتشريعيّة، بهدف تجنُّب أيّ تدخُّل في عمليّة إقامة العدل، بما في ذلك تدخُّل السلطات العسكرية.

فيما يتعلّق بالقضاة العدليين، يُلغي الاقتراح أي دور لوزير الدفاع في تعيينهم أو توجيه ملاحظات إلى مجلس القضاء الأعلى بشأن التشكيلات المقترحة في هذا الخصوص، علماً أنّ القانون الحالي ينصّ على أنّه يتم تعيينهم بموجب مرسوم بناء على اقتراح وزيري العدل والدفاع الوطني وموافقة مجلس القضاء الأعلى. إلا أنّه ورغم توقيع الاقتراح من قبل رئيس لجنة الإدارة والعدل وأحد أعضائها البارزين، فإنّه عاد ليعتبر تعيين القضاة في القضاء العسكري حاصلاً بموجب “مرسوم” التشكيلات القضائية، رغم أنّ اقتراح قانون استقلالية القضاء العدلي الذي أعدّته لجنة الإدارة والعدل كان أجاز إمكانية صدور مشروع التشكيلات القضائية المعدّ من مجلس القضاء الأعلى من دون حاجة إلى مرسوم في حال انقضاء فترة زمنية معينة من تاريخ إيداعه لدى وزارة العدل من دون صدوره فعلياً. هذا مع العلم أن الاقتراح يُبقي الغموض قائماً بشأن مدى وجوب الاستحصال على توقيع وزير الدفاع على “المرسوم” مما يُهدد بمنح الوزير إمكانية تعطيل صدور التشكيلات برمّتها. ومن هنا كان من الأنسب أن يحيل الاقتراح بخصوص تعيين القضاة العدليين لدى القضاء العسكري إلى أحكام القانون العدلي من دون زيادة، وذلك منعاً لأي تضارب في النصوص.

بالإضافة إلى ذلك، يُلغي الاقتراح امكانية إعادة هؤلاء القضاة إلى القضاء العدلي “في أي وقت كان” لينصّ على عدم جواز إعادتهم إلا بعد مرور سنتين على تعيينهم في القضاء العسكري، مما يُساهم في تعزيز استقلاليتهم بالرغم من عدم اشتراط موافقتهم على نقلهم، علماً أنّ مبدأ عدم نقل القاضي إلا برضاه هو إحدى أهم ضمانات استقلالية القضاء.

أما بالنسبة للقضاة الضبّاط، فيُلغي الاقتراح آلية تعيينهم بموجب قرار منفرد من وزير الدفاع بناء على اقتراح السلطة العسكرية والمديرين العامين للأجهزة الأمنية (الأمن الداخلي والأمن العام وأمن الدولة والضابطة الجمركية)، ويستبدلها بمرسوم يصدر في بدء كل سنة بناء على اقتراح المجلس العسكري والمديرين العامين للأجهزة الأمنية. كما يُلغي إمكانية تعديل قرار التعيين “في أي وقت من السنة” ويُضيف إمكانية تعيينهم لمدّة ثلاث سنوات، وحصر إمكانية عزلهم بالأسباب المسلكية أو لسبب العجز أو عدم القدرة على أداء المهام المناطة بهم.

إلا أنّ الاقتراح لا يضع أي ضوابط لآلية تعيين الضبّاط القضاة ولا ينصّ على أي معايير موضوعية لتعيينهم باستثناء الرتب، ما يضعهم عرضة للتسويات والتوافقات السياسية التي تعطّل اليوم التشكيلات القضائية والإدارية والدبلوماسية. كما يُبقي على خضوعهم لأنظمة الأسلاك العسكرية والأمنية التي ينتمون إليها، ما يشكّل مسّاً باستقلاليتهم. وتبعاً لإلغاء الاقتراح لتبعية هؤلاء الضباّط القضاة لوزير الدفاع، أخضعهم بالمقابل إلى رقابة المجلس العسكري (بدلاً من مجلس القضاء الأعلى) ومنع ملاحقتهم جزائياً أو تاديبيباً فيما يتعلّق بوظيفتهم القضائية إلا بعد أخذ إذن من المجلس العسكري.

وكان اجتهاد المحكمة الأوروبية لحقوق الانسان قد اعتبر أنّه لا يمكن اعتبار المحكمة مستقلّة وحيادية في حال كان أحد أعضائها تابعًا للسلك العسكري وخاضعًا للتأديب العسكري ومُعيَّنًا من قبل رؤسائه ولا يتمتّع بالضمانات الدستورية الممنوحة للقضاة العاديين. كما تشير “مبادئ ديكو” إلى أنّه “يجب حماية الاستقلال القانوني للقضاة في المحاكم العسكرية من حيث علاقتهم بالتسلسل الهرمي العسكري حمايةً دقيقة، وتجنّب أيّ تبعية مباشرة أو غير مباشرة، سواء كان الأمر يتعلّق بتنظيم وسير نظام العدالة أو تطوّر الحياة المهنية للقضاة العسكريين” (المبدأ رقم 13).

يسجّل أيضاً أن الاقتراح يُلغي صلاحية وزير الدفاع بالطلب من النيابة العامّة تمييز الأحكام القضائية (المادة 79). في المقابل، يُبقي على سلطته بتعيين ضبّاط ورتباء من خارج الشرطة العسكرية للقيام بوظائف الضابطة العدلية العسكرية بناء على اقتراح المجلس العسكري (المادة 19)، وهو النصّ الذي يستند عليه حالياً من أجل توسيع مهام مديرية مخابرات الجيش وإعطاء الصلاحية لضبّاطها بالقيام بالتحقيقات العدلية العسكرية. كما يُبقى الاقتراح على سلطة وزير الدفاع بتحديد السجن الذي يجب توقيف المدعى عليه فيه، وصلاحيته بتقرير وقف تنفيذ الأحكام الصادرة عن المحاكم العسكرية بعد استطلاع رأي المجلس العسكري وموافقة مجلس الوزراء.

بالإضافة إلى ذلك، يُلغي الاقتراح صلاحية وزير الدفاع بتعيين المساعدين القضائيين في القضاء العسكري وإجراء مناقلاتهم بين المحاكم العسكرية، فيضع تعيينهم بعهدة وزير العدل بناء على توصية مجلس القضاء الأعلى، ومناقلاتهم في عهدة القاضي العدلي الذي يترأس الغرفة العسكرية المُنشأة بموجبه لدى محكمة التمييز (المادة 16).

2.    تعزيز ضمانات المحاكمة العادلة في أصول المحاكمات العسكرية

وفقاً لأسبابه الموجبة، يعطي الاقتراح “كل الضمانات المنصوص عنها في قانون أصول المحاكمات الجزائية الى الملاحقين أمام المحاكم العسكرية وفرض على هذه الأخيرة تعليل أحكامها ومراعاة حقوق الدفاع إلى أبعد الحدود.” بالفعل، يتضمن الاقتراح إصلاحات هامّة تهدف إلى تعزيز ضمانات الدفاع للملاحقين أمام القضاء العسكري عبر توسيع حقوق الطعن، وفرض تعليل الأحكام العسكرية، وتعزيز استقلالية المحامين، بالإضافة إلى تعزيزه حقّ ضحايا الجرائم العسكرية في المشاركة في الإجراءات القضائية العسكرية، وفقاً لما سنقوم بتفصيله أدناه.

توسيع حقوق الطعن والحقّ في التقاضي على درجتين

تبعاً لتعديله لبنيان القضاء العسكري عبر إنشاء هيئات قضائية جديدة كما أسلفنا، يمنح الاقتراح للملاحقين أمام القضاء العسكري إمكانية الطعن استئنافاً وتمييزاً بالقرارات الصادرة عن هيئاته القضائية وفقاً لشروط مشابهة للأصول المتبعة أمام القضاء العادي. وإن كان هذا التعديل يٌوّسع من حقوق الطعن، إلا أنّه يبقي إمكانية الطعن استئنافاً داخل هيكلية القضاء العسكري في حين أنّ “مبادئ ديكو” توصي بأن يقتصر اختصاص المحاكم العسكرية على الدرجة الأولى وأنّ تُقدَّم الطعون ضدّ قرارتها، بما فيها الاستئناف، أمام المحاكم العادية انطلاقًا من ضرورة دمج المحاكم العسكرية في النظام القضائي العام (المبدأ 17).

ففي مرحلة المحاكمة، يمنح الاقتراح المحكوم عليه الحقّ في طلب استئناف الأحكام في قضايا الجنح العسكرية أمام محكمة الاستئناف العسكرية المُنشأة بموجبه، وهو أمر غير متاح اليوم للمحكومين بجنح من قبل المحكمة العسكرية خلافاً للحق بالتقاضي على درجتين المكّرس بموجب الفقرة 5 من المادة 14 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية. كما يُوّسع الاقتراح من أسباب تمييز الأحكام الصادرة في قضايا الجنايات العسكرية أمام الغرفة العسكرية لدى محكمة التمييز المُنشأة بموجبه.

وفي مرحلة التحقيق، يمنح الاقتراح المدّعى عليه الحقّ في طلب استئناف قرارات قاضي التحقيق العسكري أمام الهيئة الاتهامية العسكرية المُنشأة بموجبه، كما الحقّ في طلب تمييز القرارات الصادرة عن الهيئة الاتهامية العسكرية أمام الغرفة العسكرية لدى محكمة التمييز، ومنها القرارات المتعلّقة بردّ الدفوع الشكلية، في حين أن القانون والاجتهاد والممارسة الحالية لا تُجيز للمدّعى عليه إلّا الطعن في قرارات قضاة التحقيق العسكري المتعلّقة بالصلاحية (أمام محكمة التمييز الجزائية) وباخلاء السبيل (أمام محكمة التمييز العسكرية).

فرض تعليل الأحكام العسكرية

لعلّ أهّم الإصلاحات التي يتضمنها الاقتراح هو إلزام كافّة المحاكم العسكرية بتعليل أحكامها “تعليلاً كافياً لا لبس فيه ولا غموض ولا تناقض” (المادة 71  من الاقتراح) خلافاً لما هي الحال حالياً. فيُلغي الاقتراح لائحة الأسئلة التي يجب أن يطرحها رئيس المحكمة على أعضائها خلال المذاكرة والتي ترد في نماذج الأحكام المعتمدة حالياً، ويُعدّل في لائحة الأمور التي يجب أن تتضمّنها الأحكام، فيُضيف إليها على سبيل المثال: تلخيصاً واضحاً للمرافعات وللوقائع المستخلصة من التحقيقات ومن إجراءات المحاكمة، تفنيداً للأدلة والأسباب الموجبة للتجريم أو لعدمه، وبيان ماهية الجرم وتحديد الوصف القانون المنطبق عليها وذكر للمادة القانونية التي تثبته. كما يُلزم المحاكم بأن “تبتّ في كل دفع سبق لها ضمّه للأساس وفي كل سبب من أسباب الدفاع”، وهو أمر تتجاوزه المحاكم العسكرية حالياً في معظم القضايا بحجّة “سرعة العدالة” إذ تُصدر أحكامها في اليوم عينه لجلسة المحاكمة الختامية.

ويشكّل موجب تعليل الأحكام القضائية أحد مبادئ حسن سير العدالة وإحدى ضمانات المحاكمة العادلة الأساسية كونه يُلزم القضاة بأن يستندوا في تحليلهم إلى حجج موضوعية ويُثبت لجميع الأطراف في الدعوى أنّه تمّ مناقشة حججها، ويشرح لها أسباب ردّها أو الأخذ بها، وتاليًا يساهم في تعزيز استعدادها للقبول بالحكم وفي تمكينها من ممارسة حقوق الطعن وفي تطوير الاجتهاد القضائي.

تعزيز استقلالية المحامين

من أبرز الإصلاحات التي يُدخلها الاقتراح المرتبطّة بحقوق الدفاع هي إلغاء إمكانية تعيين ضباط للدفاع عن المدّعى عليهم الذين لم يختارون محامياً. يشار هنا إلى أن القانون الحالي للقضاء العسكري يُجيز تعيين ضبّاط من الذين يُعيّنهم وزير الدفاع من دون أي معايير موضوعية بما فيها اشتراط الإجازة في الحقوق، وهي ممارسة لا تتلاءم مع المعايير الدولية نظرًا إلى عدم استقلال هؤلاء الضبّاط عن السلطة العسكرية، وإلى عدم تمرّسهم بالشؤون القانونية والقضائية (المبدأ 6 من المبادئ الاساسية بشأن دور المحامين والمبدأ 15 من مبادئ ديكو). وبذلك، يؤدي الاقتراح في حال إقراره إلى إلغاء فئة “المحامي العسكري”. 

بالإضافة إلى ذلك، يُلغي الاقتراح المادة 59 من قانون القضاء العسكري التي تُجيز لرئيس المحكمة العسكرية ـ”منع المحامي من دخول المحكمة العسكرية لمدّة أقصاها ثلاثة أشهر إذا ارتكب خطأً مسلكيًّا جسيمًا قبل المحاكمة أو في أثناء الجلسات”، والتي تشكّل خطرًا جسيمًا على حقوق الدفاع واستقلالية المحامين والحصانات المنوطة بمهنة المحاماة خلافاً للمعايير الدولية. وقد استُخدِم هذا النصّ في أيلول 2022 بحقّ المحامية هلا حمزة التي حُرمت لمّدة ثلاثة أشهر من الدخول ليس فقط إلى المحكمة بل إلى مجمل حرمها الذي يتضّمن دوائر قضائية أخرى.

يبقى أن نشير إلى أنّ الاقتراح أغفل إصلاح بعض البنود الأخرى في قانون القضاء العسكري التي لا تضمن حقوق الدفاع بشكل كافٍ، نذكر منها على سبيل المثال: المهل القصيرة المنصوص عليها في المادتين 40 و58 لتبليغ المّدعى عليه بقرار الاتهام أو مواد الادعاء (ثلاثة ايّام) وللاطلاع على الملف (24 ساعة) قبل موعد الجلسة والتي لا تُعتبر مهلاً كافية لتحضير الدفاع المناسب، والمادة 55 المتعلّقة بعلنية الجلسات التي لا تضع ضوابط واضحة لإمكانية إصدار المحاكم العسكرية حظر على نشر وقائع الجلسات أو ملخّصٍ عنها، والمادة 58 التي لا توضح الجهة التي تصنّف أوراق الملف القضائي بالسرِّيةً أو المعايير والإجراءات المتّبعة لذلك.

تعزيز مشاركة الضحايا في الإجراءات القضائية العسكرية

يُبقي الاقتراح على حصر صلاحية القضاء العسكري بدعوى الحقّ العام من دون السماح للمتضرِّر من جريمةٍ اتّخاذ صفة الادّعاء الشخصي أمامه (خلافاً لما هي الحال أمام القضاء العادي)، وهو ما يحرم ضحايا الجرائم العسكرية من أن تتمثّل أمام القضاء العسكري كطرف أو كمدَّعٍ. لكنّ الاقتراح يحاول التعويض عن هذا الإقصاء لدور المتضرِّر من خلال إقرار حقّه بأن يقدّم “جميع وسائل الإثبات… بما فيها أسماء الشهود… ومذكرات خطية توضيحية” وذلك أمام كافّة المراجع القضائية العسكرية وخلال كافة مراحل الدعوى (المادة 25 من الاقتراح).

وعليه، يؤدّي الاقتراح إلى تعزيز دور الضحية مخولاً إياها المشاركة، ولو بطريقة غير اعتيادية، في الإجراءات القضائية وقدرتها في التأثير على سير المحاكمة، وإن كانت لا تزال غير قادرة على تقديم طلبات أو المشاركة الفاعلة في إجراءات المحاكمة أو الترافع أو الطعن بالأحكام الصادرة عن القضاء العسكري إذ تبقى ملزمة بنتيجتها لدى مطالبتها بالتعويض أمام المحاكم المدنية. وقد وثّقت “المفكّرة” نتائج حرمان الضحيّة من المشاركة في الإجراءات القضائية في قضايا التعذيب بشكل خاص، أبرزها قضية زياد عيتاني حيث حصر القضاء العسكري المسؤولية بشخصَين (الرائد سوزان الحاج وإيلي غبش) باختلاق الأدلّة بحقّه من دون ملاحقة عناصر أمن الدولة المشتبه بارتكابهم التعذيب بحقّه. كما ظهرت مؤخراً في قضية مقتل بشار السعود حيث حُرم وكيل ورثته، المحامي محمد صبلوح، عدّة مرّات من تقديم أدلة مباشرة إلى المحكمة العسكرية أو عبر مفوّض الحكومة.

يبقى أن نشير إلى أنّ الاقتراح أغفل النصّ صراحة على حقّ الضحية بالحصول على نسخة عن ملفّ دعوى الحقّ العام، حيث تقتصر الممارسة الحالية على السماح للضحيّة بالحصول على نسخة طبق الأصل عن الأحكام المُبرمة الصادرة عن القضاء العسكري لكي يتسنّى لها المطالبة بالتعويض أمام القضاء المدني، كما حصل مع عيتاني وورثة السعود، مما يحرم الضحية من الوصول إلى معلومات هامّة وضرورية تتعلّق بقضيّتها وتمكّنها من ممارسة حقوقها بالانتصاف القانوني. كما أنّه أبقى على صلاحية قيادات الجيش والأجهزة الأمنية بتحريك الدعوى العامّة في حال كان كان المتضرّر من موّظفيها ويتوّقف الحقّ العام على اتخاذه صفة الادعاء الشخصي.

خلاصة:

في نهاية التدقيق في مضمون الاقتراح، أمكن تسجيل الخلاصات الآتية:

  • يضيّق الاقتراح من صلاحية القضاء العسكري من خلال إخراج العديد من الجرائم المرتكبة من المدنيين أو المرتكبة من موظفي الجيش والأجهزة الأمنية وبخاصة لجهة الجرائم التي لا تتعلّق بالوظيفة من اختصاصه. إلا أنّ تحديد اختصاص القضاء العسكري كما جاء في الاقتراح يبقى مخالفاً للمعايير الدولية من زوايا عدة. فعدا عن أنه يُبقي على صلاحية القضاء العسكري للنظر في بعض الجرائم المرتكبة من قبل المدنيين (كالإرهاب والأسلحة وإثارة النعرات الطائفية) وفي الجرائم المرتكبة من قبل الأجهزة الأمنية المتعلقة بالوظيفة، فإنه يُبقي على هذه الصلاحية في ما يتصل بالجرائم المرتكبة بحقّ المدنيين والتي تشكّل انتهاكاً جسيماً لحقوق الإنسان وفقاً للقانون الدولي كالقتل والتعذيب والإخفاء القسري.
  • يُدخل الاقتراح تعديلات جوهرية على بنيان القضاء العسكري وتكوينه بحيث يُصبح شبيهاً لتنظيم القضاء الجزائي العادي ويحدّ من سلطة وزير الدفاع على القضاة، إلا أنّه لم يُدخل ضمانات كافية لتعزيز استقلالية المحاكم والقضاة، لا سيّما من خلال إبقائه على هيمنة الضبّاط على تشكيل المحاكم وخضوعهم لأسلاكهم، وعدم فرضه معايير موضوعية لتعيينهم أو اشتراط مبدأ الكفاءة والإجازة في القانون. هذا فضلاً عن تضمين الاقتراح ما يشير إلى اعتبار الضباط أعلى شأناً من القضاة أو على الأقل أكثر أهلية للقيام بالوظيفة القضائية.
  • يُعزز الاقتراح ضمانات المحاكمة العادلة وحقوق الدفاع في أصول المحاكمات العسكرية لا سيّما من خلال توسيعه حقوق الطعن بالقرارات القضائية الصادرة عن القضاء العسكري وفرض تعليلها وتعزيز استقلالية المحامين وقدرة الضحايا على المشاركة في الإجراءات القضائية العسكرية. إلا أنّه يُبقي ممارسة حقوق الطعن داخل القضاء العسكري في حين أن المعايير الدولية توصي بأنّ تُقدَّم الطعون ضدّ قرارت المحاكم العسكرية أمام المحاكم العادية.

للاطّلاع على اقتراح القانون، إضغطوا هنا

انشر المقال



متوفر من خلال:

المرصد البرلماني ، محاكم عسكرية ، البرلمان ، تشريعات وقوانين ، لبنان ، مقالات ، محاكمة عادلة ، قضاء



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية