أوضاع المزارعين في الهرمل في ظلّ التجريم الحالي لزراعة القنّب


2023-07-05    |   

أوضاع المزارعين في الهرمل في ظلّ التجريم الحالي لزراعة القنّب
رسم رائد شرف

بعد أن نشرنا الملخّص والمقدمة والفصل الأول من دراسة “تشريع زراعة القنب الطبي في لبنان وآثاره على الأوضاع المعيشية لمزارعي الهرمل”، ننشر هنا الفصل الثاني من الدراسة على أن نستكمل نشر الأجزاء الأخرى في الأيام المقبلة. 

الفصل الثاني :أوضاع المزارعين في الهرمل في ظلّ التجريم الحالي لزراعة القنّب

لا بدّ في البداية من الإشارة إلى قيام معظم مزارعي الحشيش في الهرمل بأنشطة زراعية موازية لزراعة القنّب، للاستهلاك الشخصي أو للبيع، وبخاصّةٍ أشجار الفاكهة مثل التفّاح والكرز والمشمش واللوز، بالإضافة إلى الخضار أو الحبوب، للاستهلاك المنزلي بشكل أساسي، مثل الخيار والطماطم والبطاطا والفاصوليا والبازّلاء والخسّ.

يؤمّن معظم المزارعين سبل عيشهم من محاصيل أراضيهم الزراعية، وبشكل شبه كامل من زراعة القنّب؛ إذ لا يُخصّص للزراعات الأخرى، الموجّهة بشكل أساسي للاستهلاك الشخصي، إلّا جزء بسيط من الأراضي المستثمرة، وهي غالبًا ما تأخذ طابع الزراعة الاستكشافية أو التجريبية، لأنّها عرضة لمخاطر عديدة، كخسارة المحصول نتيجة موجات الثلج أو الصقيع، أو لنقص الجودة بسبب أمراض الزرع أو عدم ملاءمة العناصر المناخية، وما عداه. على الرغم من كلّ ذلك، يعمد المزارعون إلى تخصيص جزء من مجهودهم الإنتاجي لزراعات هامشية إلى جانب زراعة القنّب، وفي طليعتها البطاطا والتفّاح، ولكنّهم، في أحيان كثيرة، لا يحصّلون أيّ مردود مادّي من استثمارهم، إذ كثيرًا ما يقضي مرض الجحفيل مثلًا على موسم البطاطا بأكمله، أو تضرب موجة صقيع مبكرة موسم التفّاح. 

لذا يخشى المزارع تكبُّدَ أعباء هائلة من مجهود واستثمار في زراعات محفوفة بالمخاطر، بخاصّةٍ أنّها غالبًا ما تستهلك كثيرًا من الماء الذي يندر في بعض الجرود، ممّا يقلّص من قدرته على زراعة القنّب الذي يبقى، أوّلًا وأخيرًا، مصدر الرزق الأساسي، إن لم يكن الوحيد.

يخبرنا أحد المزارعين مثلًا عن محاولته زراعة البطاطا خلال عام 2020، والتي باءت بالفشل من جرّاء مرض الجحفيل وانعدام الشروط المناخية في تلك السنة في منطقة جباب الحمر.  

“تستهلك البطاطا الكثير من الماء، وتُتعِب الأرض، تأخذ الكثير من الغذاء من أرضنا. تخسر المحصول وتحتاج أيضًا إلى “ترييح” الأرض قبل إعادة زرعها. هذا كلّه خسارة علينا، ولكن ما يزال بعضنا يحاول. كلّ سنة يأتي من يزرع أو يضمن الأراضي لزراعة البطاطا”.

في جباب الحمر أيضًا، ثمّة من يزرع القمح، أو قُلْ من يشقى جاهدًا ويعاكس الطبيعة لزراعته. بين حقلَين ضخمَين من حقول القنّب الحاملة الأرزاق، حيث عشرات العاملين والعاملات المنهمكين بجمع الحصاد، حقلٌ مهجورٌ بانَتْ فيه سنابلُ قمح ميتة لن يأتيَ أحد لقطافها هذه السنة.

في منطقة السّوح، استحدث أحد المزارعين مشاريع تجليل وريّ أرض شحيحة المياه، بهدف استصلاح مساحة 200 دونم، واستعان بخبرات مهندسين زراعيين لاختيار الزراعة المناسبة للتربة وطبيعة المناخ، مُستخدمًا الريّ الحديث بتقنيّة التنقيط. سعى صاحب المشروع إلى إدخال زراعات جديدة في المنطقة، وعلى رأسها زراعة العنب. فبعض العشائر في مناطق الشمال، منطقة بشرّي مثلًا، نجحت، وَفقَ تقديره، في قطفِ عنب ممتاز للأكل ولإنتاج مشروب العرق.

“قد ننجح نحن أيضًا. ففي بشرّي، استفاد المزارعون من وجود جمعيّات أهلية ساعدت ووجّهت، ونحن نحاول بأنفسنا. بالفعل، اشترط إطلاق هذا المشروع الزراعي حفر آبار مياه في تلال جرديّة قاحلة. قد يكلّف حفر البئر بحثًا عن الماء عشرات آلاف الدولارات، من غير أن تكون أكيدًا من النتيجة”.

إلّا أنّ عمق الآبار في منطقة السّوح يتراوح بين 400 و500 متر، ممّا يحتّم على صاحب الأرض تكبُّدَ نفقات تشغيليّة باهظة لرفع الماء، بخاصة مع ارتفاع أسعار الوقود، ذلك أنّ ضغط الماء أضعف وساعات الجرّ أكثر، بالإضافة إلى تكلفة الحفر؛ في ظلّ هذا الواقع، يحتاج المزارع إلى سنوات من الربح لتحصيل نفقات الاستثمار. خلاصةً، يستثمر هذا المزارع أموالًا طائلة في مشروع قليل الربحية ومليء بالمخاطر، بغياب أيّ ضمانة لمجهوده الاستثماري إلّا ما خصّصه من أرضه لزراعة القنّب.

وهذا ما يتردّد على ألسنة العديد من المحاورين: “لسنا من اختار هذه الزراعة. الأرض هي التي تختار”، أو “طبيعة هذه المنطقة هي التي تحتّم هكذا خيارات. نحن نسعى دائمًا إلى زراعة إضافية، لكنّ الأرض تخالفنا”،…

كذلك نعرض مثالًا آخر، وهو مزارع من مرجحين يملك أرضًا خضراء خصبة بالمياه. يزرع التفّاح الأحمر والخسّ، والفاصوليا والبندورة، أملًا في بيعها في أسواق الخضار في مدينة الهرمل. يقول لنا إنّ ارتفاع أسعار الخضار حاليًّا في لبنان يشجّع على تنويع مصادر العيش. وقد كان محصول السنة ينبئ بالخير، إلى أن أتتْ موجة برد قارسة: “خسرنا السنة بأسبوع واحد”.

يؤكّد لنا هذا المزارع أنّ أكثر ما يعانيه مزارعو الجرد هو احتكار التجّار والوسطاء، وذلك في بيعهم محصول الحشيش وفي تصريفهم الزراعات الشرعية.

“إن لم تكن مُنتَجاتنا ذات جودة، نوعيةً وشكلًا، فإنّها لا تعود صالحة للبيع. أوّلًا بسبب تكاليف نقلها؛ فالبيك-آب يتطلّب دائمًا أعباء إضافية للوصول إلى هنا، والتجّار في أسواق الخضار مُحتكرون، وإذا تركت البضائع مع أحد البائعين، فقد لا أحصّل تكاليف النقل. أفضّل أن تموت بأرضها”.

أيُّ السياساتِ تُعَدُّ الأفضلَ لإدخال الزراعات البديلة؟ هل تكمنُ في تقديم البدائل النقديّة أو في تشريع زراعة آمنة للقنّب؟

يعكس وضع المزارعين الذين تحدّثنا عنهم سابقًا حال العديد من سكّان جرود الهرمل، الذين يرون في القنّب ما يراه أيّ فلاح في زراعته الفُضلى، بوصفها الرهان الأوّل لضمان الحدّ الأدنى من شروط الاستثمار والاستمرار، والقاعدة التي يتمّ على أساسها تنويع الزراعات ومصادر الدخل. وبشكل آخر، تُعَدّ زراعة القنّب شرطًا مسبقًا ليختبر المزارع تنويع زراعته البديلة، وهي الحدّ الضامن لوجود حقول تجريبية في زراعات مغايرة، ذلك أنّ هذه الأخيرة تبقى دائمًا متقلّبة، وغير أكيدة، ومحفوفة بالمخاطر، ومرتبطة بتكاليف أعلى وبربحيّة مشكوك فيها. 

بالإضافة إلى ذلك، تتمتّع الحشيشة بميزة سهولة التخزين من سنة إلى أخرى، فلا تحتاج إلى برّادات أو تكاليف إضافية لحفظها للموسم المقبل، ممّا يجعلها سلعة شديدة الأمان من ناحية اقتصادية، في أرضٍ لم تصل إليها لغاية اليوم شبكات كهرباء الدولة، يتعذّر تخزين أيّ من الزراعات الأخرى.

خلاصة القول، إنّ إقناع المزارعين بإمكانية التوقّف عن زراعة القنّب يتطلّب أن يُعرض عليهم ما هو أكثر من زراعات بديلة، أعني البديل النقدي، أو التعويض المادّي عن الدخل الذي تؤمّنه زراعة القنّب التي تُعَدّ المصدر الأكثر أهمّية من مصادر الدخل. في ظلّ الظروف القاسية التي يشقى فيها المزارع الجردي لتأمين قوته، تشكّل هذه الزراعة الضمانة لاستمراريّة الأسرة اقتصاديًّا، وبهذا يكون اعتماد زراعات بديلة منها، وإن كانت مربحة جدًّا، تحوّلًا من حالة دخل مؤكّد إلى حالة دخل غير مؤكّد.

بمعنى آخر، إنّ انتقال المزارع إلى اعتماد زراعة بديلة يفترض بدايةً ضمان دخله المؤمّن حاليًّا من زراعة القنّب، كأن يحصل مثلًا على نصف المقابل النقديّ لإنتاجه السنوي، فيتمكّن بالتالي من المغامرة بالنصف الآخر. ينبغي هنا الإشارة إلى أنّ كلّ المزارعين الذين قابلناهم أعربوا عن استعدادهم للتخلّي عن نصف مدخولهم بغية الانتقال إلى زراعة مشرّعة من الدولة. وهذا يعني أنّ طمأنينة النفس والانتقال إلى نمطٍ إنتاجي لا يخالف القوانين السائدة يبرّر في نظرهم التضحية بنصف أرباح الزراعة غير المرخّصة.

قد يجد هذا الواقع تفسيره في فشل السياسات السابقة التي سعت إلى إدخال الزراعة البديلة، كالكستناء والزعفران والفستق الحلبي، والتي لم تبلغ يومًا أهدافها المرجوّة. يعزو الباحثون هذا الفشل إلى غياب التخطيط وعجز الدولة عن فرض بدائل جدّية للقنّب، إلّا أنّنا نرى أنّ العامل الأساسي يكمن في وجود استحالة مبدئية لتلك الزراعات البديلة في ظلّ غياب ضمانات مسبقة على شكل تعويضات مادّية ونقدية للمُزارعين أنفسهم؛ إذ إنّ برامج الزراعات البديلة ترتكز على مبدأ إيجاد بديلٍ لزراعة مربحة ومضمونة المردودية، أعني زراعات بديلة قد تكون ذات ربحية عالية إلّا أنّها غير مضمونة الإنتاج أو الربحية. 

لقد أثبتت البرامج التجريبية التي أطلقها الدكتور حسان مخلوف أنّ زراعة الزعفران مثلًا ممكنة جدًّا في تلك المناطق الجردية. وخير دليلٍ على ذلك انتشار أزهار الزعفران البرّية في أماكن الجرد كلّها، والتي ما تزال حتّى اليوم شاهدًا على ذاك الماضي الذي تمّ فيه اختبار الزراعات البديلة، من دون تقديم أيّ ضمانات للمزارعين، كالقدرة على التصدير أو خلق الأسواق المحلّية لتصريف زراعتهم.

يؤكّد لنا هذا الأمر أيضًا خبيرٌ في ملفّات التعاونيات في المنطقة، بحيث يشير إلى مُزارع في منطقة القاع القريبة، استطاع أن يحصد مؤخّرًا 5 كلغ من الزعفران عالي الجودة. غير أنّه، بالرغم من بلوغ سعر الزعفران عشرة آلاف دولار أميركي للكيلوغرام الواحد في الأسواق العالمية، يعجز عن تسويق محصوله بنصف السعر، بالرغم من محاولته الاتّصال بتجّار في إيران وفي دول الخليج .

ما يمكن أن نستخلصه هو أنّ برامج الزراعات البديلة تسلك نهج اختيار الشكّ بديلًا من اليقين، أو مبدأ تعريض المزارعين لخطر التخلّي عن دخل ثابت من أجل البحث عن دخل مُتوقّع شديد التقلّب وعرضةً للانحلال.

وفي غياب شروط تقديم البدائل النقدية للمزارعين اليوم، بسبب العجز المالي في موازنة الدولة، يصبح تشريعُ زراعةٍ آمنة للقنّب الشرطَ الوحيد الذي قد يتيح تأمين مداخيل آمنة للمزارعين، ممّا يسمح أيضًا بتطوير زراعات أخرى لتنويع الإنتاج.

خلاصة القول، تتطلّب الزراعات النوعية في معظم الأحيان مهارات وكفايات زراعية قد يفتقر إليها المزارعون المحلّيون نظرًا إلى غياب الاختصاص، ولأنّها تُعدّ أصلًا زراعات دخيلة على بيئة المنطقة. هذا ما يرويه لنا مثلًا مزارع عن تجربته مع زراعة حبّة البركة، هو نفسه يعتمد اليوم حصرًا على زراعة القنّب البعلي غير المرويّ بالماء والتي تتطلّب منه الحدّ الأدنى من المجهود. فقد بادر مع زوجته إلى زراعة حبّة البركة بالتعاون مع برنامج وزارة الزراعة في بدايات القرن الحالي، مخصّصًا لها جزءًا من أراضيه. 

“لم نعرف كيف نهتمّ بها، ولكنّ الأرض كلّها بركة. حصدنا ولم نتمكّن من بيعها. تكمن المشكلة في أنّنا لا نعرف كيف نستعملها. شو بطبخ بحبّة البركة؟ أكلنا منها ولم نعلم ماذا نأكل”.

يخبرنا مزارع آخر عن تجربته مع شجر الفستق الحلبي.

“تتطلّب العناية بشجر الفستق الكثير؛ استقدموا معلّمين من سوريا. السوريون يبرعون في تلك الزراعة. ثمّ رحل المعلّمون السوريون مع انتهاء البرنامج. نحن لم نتعلّم شيئًا. المهندسون الزراعيون القادمون من بيروت استفادوا أيضًا. نحن لم نلمس أيّ إفادة”.

يشعر المزارعون، بشكل عام، أنّهم استخدموا أراضيهم كحقول تجارب لزراعة نوعية، لم يكن الهدف منها إنماء المنطقة بقدر ما كانت تهدف إلى دعم خطاب سياسيّ يُحاك بين بيروت ودمشق ولا يُعنى بشؤونهم. يشهد على ذلك غياب مشاريع جرّ المياه إلى جردهم أو قُلْ “تفشيلها”. يروي لنا أحدُ كبار المزارعين، يملك أرضًا زراعية تفوق مساحتها 500 دونم وقد تصل إلى 2000 دونم إذا أضيفَتْ إليها أراضي عائلته التي يُعنى بها أيضًا، تجربته مع مشاريع الريّ المُموّلة من الاتّحاد الأوروبّي؛ 

“بنوا الخزّانات ولم يأتِ الماء، ثمّ مدّوا الأنابيب وطلبوا وصلها بآبارنا، قالوا لكي يجرّبوا. وصلنا الماء، نحن، من آبارنا ومن أرضنا، جرّوا الماء وضخّوه في الأنابيب. التقطوا صورًا تذكارية كإثباتات للمجتمع الدولي وللمانحين. ذهبوا ولم نسمع بهم منذ ذلك الحين. لم يحفروا يومًا أيّ بئر بحثًا عن الماء. لم يهتمّوا يومًا بالبنى التحتية، بالأرض أو بباطن الأرض. يقتصر همّهم على ما يظهر للعيان: خزّانات، أنابيب، وماء يُضخّ في الأنابيب”.

 يُمكن من فشلِ التجارب في اعتماد الزراعة البديلة استخلاص العبر لإنجاح الاستثمار الزراعي في الهرمل، من ناحية ضرورة تأمين التدريبات اللازمة، وبشكل مُستدام، للمزارعين المحلّيين، من خلال أطر تعاونية فاعلة نابعة من حاجات المزارعين، ومن خلال تقديم الخدمات الأساسية التي يفتقر إليها معظمهم، كالمعدّات والآلات وتقنيّات الريّ، بالإضافة إلى مهارات استصلاح الأراضي لزراعة بديلة أو ناشئة قد يفتقد الأهالي اليوم حسنَ الاعتناء بها.

إنتاج القنّب ومصادر تأمين الدخل للمزارعين

خصّصنا جزءًا من بحثنا هذا لدراسة النموذج الإنتاجي لزراعة القنّب في جرود الهرمل. وبما أنّ التقديرات تتطابق بين المزارعين الإثني عشر، يمكن اعتبار التقديرات الإنتاجية موثوقًا بها لدرجة كبيرة.

يبيع جميع المزارعين القنّب الأخضر من دون أيّ معالجة صناعية، ويعمل بعضهم أيضًا في المعجون أو الزهرة أو المُنتَج الاستهلاكي النهائي. 

تختلف إنتاجية الأرض وتأمين مصادر الدخل للمزارعين بحسب اختلاف طبيعة الأراضي المُستثمَرة وخصوبتها، وشروط الإنتاج والريّ. تُعَدّ الأراضي المنحدرة في التلال أقلّ خصوبة وإنتاجية، إلّا أنّها تتأقلم مع إنتاج القنّب البعلي المعروف بجودة أعلى من القنّب المرويّ بالماء في السهول، ويُباع أيضًا بأسعار أعلى مع تكلفة إنتاج قليلة جدًّا نظرًا إلى غياب الريّ أو حتّى الرشّ أو استخدام الأسمدة. 

يصعب إذًا تقدير الإنتاج البعلي، وذلك لاختلافه بشكلٍ كبير بين أرض وأخرى، أو لاختلافه في الأرض نفسها من سنة إلى أخرى. ما يجدر قوله هنا أنّ الزراعة البعلية قليلة التكلفة مقارنةً بالزراعة المرويّة، أو قُلْ إنّها من دون تكلفة، إلّا أنّ إنتاجها ضعيف بحيث يكون أقلّ بثلاثين مرّة تقريبًا من إنتاج الأرض المرويّة، لكنّه يُباع بأسعار باهظة مقارنة بالزراعات المرويّة، تبلغ أحيانًا ثلاثة أضعاف السعر المُعتمد للقنّب المرويّ .

يتعارف المزارعون على وحدات قياس تسهّل احتساب إنتاج المحاصيل المرويّة، ومقارنة إنتاجية الأراضي الزراعية. بشكل عامّ، يسمح كلّ دونم بإنتاج ما يقارب 256 كلغ من نبات القنّب الأخضر (الحشيش الأخضر)، وهي الشتلات الخضراء التي يتمّ حصدها في شهر أيلول، وقد تُباع أحيانًا “بأرضها”، أي كنبات أخضر غير معَدّ للاستخدام بما يشبه الإنتاج الخام لنبتة القنّب. يقدَّر إذًا إنتاج كلّ دونم، كحدّ وسطي، بقنطار من القنّب الأخضر (256 كلغ)، وهي وحدة القياس الأولى. إلّا أنّ هذا التقدير هو أقرب إلى المعيار الوسطيّ. فبعض الأراضي الخصبة في السهل قد تحقّق أحيانًا لصاحبها إنتاجًا أعلى، كقنطار ونصف مثلًا، أو ما يقرب القنطارَين في أحيان أخرى.

في المقابل، في حال لم يعمد المزارع إلى بيع محصوله أخضر، فإنّه يحوّله حينها، صناعيًّا، ليصبح حشيشة الكيف الصالحة للاستخدام من خلال استخراج الزهرة وتحويلها إلى معجونة الحشيش، وهي تُقاس بالهكة أو الهؤة. يعطي كلّ قنطار من القنّب الأخضر هؤة واحدة من حشيش الكيف تقريبًا، وتُباع بأسعار تفوق سعر النبات الأخضر نظرًا إلى صغر حجمها وسهولة نقلها وكلفة تصنيعها . 

بمعنى آخر، بإمكان صاحب دونم من الأرض إنتاج قنطار من القنّب الأخضر ليبيعه بسعر يتراوح بين 150 و175 دولارًا أميركيًّا، بحسب الأسعار السائدة في أيلول عام 2021، أو أن يحوّل قنطار القنّب الأخضر إلى هؤة من حشيشة الكيف ليبيعها بسعر 225 دولارًا أميركيًّا . 

لا يسعنا إلّا التسليم بأنّ أسعار الصرف، كما أسعار السلع، قد تغيّرت منذ فترة العمل الميداني، وهي تتغيّر بحدّة متسارعة منذ ذلك الحين، إلّا أنّنا، في دراستنا، لا نسعى إلى تقدير القيمة السوقية المتقلّبة للإنتاج أو التكاليف، وإنّما إلى احتساب حجم الإنتاج ونسبة التكاليف الإنتاجية من قيمة المحصول. مع العلم أنّنا سنتطرّق إلى احتساب المردود النقدي بالليرة اللبنانية أو بالدولار الأميركي في سياق لاحق في ظلّ ارتفاع أسعار الصرف وارتفاع تكاليف الإنتاج وأسعار البيع. 

صورة جوية لحقول الحشيشة البعلية في جرود الهرمل (تصوير علي عواد)

تكاليف إنتاج القنّب مقارنة بزراعات بديلة 

يحتاج كلّ دونم إلى ساعة فلاحة واحدة، لحراثة الأرض ووضع البذار، وتبلغ كلفتها على صاحب الأرض نحو 250 ألف ليرة لبنانية في فترة تنفيذ عملنا الميداني، في أيلول عام 2020، أي ما يعادل 12.5 دولارًا أميركيًّا بحسب سعر الصرف السائد في ذلك الحين .

أمّا تكاليف اليد العاملة، وهي سوريّة بشكل أساسي، فقد ارتفعت كثيرًا في العام 2021 على أثر انهيار الليرة. يستقدم المزارع “فان” أو “بيك آب” من سوريا ينقل 15 عاملًا وعاملة للعمل مدّة 6 ساعات يوميًّا. يتقاضى صاحب “الفان” أو “البيك آب” ومعه الشاويش 100 ألف ليرة لبنانية أو 5 دولارات أميركية عن كلّ عامل وعاملة بغضّ النظر عن أعمارهم أو جنسهم، و400 ألف ليرة لبنانية أو عشرين دولارًا أميركيًّا أجرة النقل، لترتفع تكلفة اليد العاملة في موسم الحصاد إلى مليون وتسعمئة ألف ليرة لبنانيّة أو 95 دولارًا أميركيًّا آنذاك، قد تُضاف إليها تكاليف إطعام العاملين والعاملات التي يتحمّلها المزارع أيضًا. 

يشكّل الأطفال نصف العمّال السوريين، كما رأينا، إذ تتراوح أعمارهم بين العاشرة والرابعة عشرة؛ يأتي بعضهم من شمال سوريا، من حلب أو من مناطق أكثر بعدًا، لتُضاف 8 ساعات من المواصلات إلى ساعات العمل الستّ الفعليّة، فيرتفع وقت العمل في اليوم إلى أربع عشرة ساعة.

بالإضافة إلى تكلفة الفلاحة، يحتاج المزارع إلى كيس واحد من الأسمدة لكلّ دونم، بكلفة 700 ألف ليرة لبنانية أو 35 دولارًا أميركيًّا، كما يحتاج إلى نصف تنكة مازوت لريّ دونم واحد مدّة ساعة واحدة، مع العلم أنّه يكرّر هذه العملية 6 مرّات في الموسم . 

وقد تنخفض كلفة الإنتاج في بعض المزارع الغنية بالماء لتشكّل ثلث الإنتاج الزراعي؛ وقد ترتفع إلى النصف في الأراضي الزراعية التي تحتاج إلى استهلاك كمّية أكبر من المازوت لاستخراج الماء. في الحالتَين، تبقى تكاليف إنتاج القنّب في الهرمل منخفضة جدًّا إذا ما قورَنت بمُنتَجات زراعية أخرى. فعلى سبيل المثال، قد تبلغ تكاليف إنتاج البطاطا في الهرمل خمسة أضعاف تكاليف إنتاج القنّب بسبب غياب تكاليف البذار والتخزين، وقلّة تكاليف العناية بالتربة أو الريّ، وتنعدم تلك الأخيرة في حالة الزراعات البعليّة بسبب انعدام الحاجة إلى الريّ. 

مساهمة جرود الهرمل في خلق الثروات من خلال إنتاج حشيشة الكيف

يمكننا تكوين فكرة تقريبيّة حول الناتج الزراعي للحشيش في جرود الهرمل إذا اعتمدنا الإنتاج الإجمالي في سهل مرجحين كمقياس، باعتباره السهل الأوسع والأكثر وفرة للماء في الهرمل.

فسهل مرجحين غنيّ بالماء نسبيًّا، بحيث يستخرج بعض المزارعين الماء من عمق 20 مترًا تقريبًا. بحسب المسح الجغرافي المُوضَّح في الخرائط المُرفقة، تبلغ مساحة السهل 5700 دونم، 80% منها مزروعة. ووفق المعطيات التي أوردناها أعلاه، يصل إنتاج السهل إلى 4560 قنطارًا من القنّب الأخضر، أي ما يفوق 1167 طنًّا.

مع اعتماد سعر الصرف السائد في تلك الفترة، أي 20000 ليرة لبنانية للدولار الأميركي الواحد، ومع اعتماد سعر المبيع المتوافق عليه عام 2021 وهو 3 ملايين ليرة لبنانية للقنطار، يمكن تقدير مُجمل الإنتاج الزراعي للحشيش في سهل مرجحين بما لا يقلّ عن 13 مليار ليرة لبنانية سنويًّا أو 680 ألف دولار أميركي سنويًّا.

سهل مرجحين كما بدا على خرائط غوغل

تشكّل هذه المداخيل قيمة المخرجات لمجمل المزارعين في مرجحين، في حين تشكّل تكاليف الإنتاج ثلث قيمة هذا المحصول. وقد يُعَدّ هذا العائد زهيدًا جدًّا إذا ما قارنّاه بمجمل الأرباح التي تجنيها شبكات الإتجار والتهريب والتصدير، والتي قد يستحيل تقديرها، وإنّما تشكّل، بدون شكّ، أضعاف ما يحصّله المزارع من ربح زهيد. وللتذكير، تقدّر دراسات الأمم المتّحدة أنّ سعر الحشيش المَبيع بالتجزئة في لبنان هو الأعلى في المنطقة، كما يظهره الجدول المقارن، الأمر الذي يشير إلى أنّ أرباح الوسطاء والمروّجين هي التفسير الوحيد لارتفاع أسعار السوق لا تكاليف الإنتاج. 

  جدول رقم 2 – سعر غرام الحشيشة المبيعة بالتجزئة بالدولار

      هولندا      اليونان      فرنسا      تشيكيا      تركيا      كرواتيا    الأردن    لبنان          
7.5 $/غ13.2 $/غ9.3 $/غ13 $/غ6.6 $/غ7.9 $/غ7 $/غ15 $/غ

احتكار التجّار والوسطاء لشراء المحصول الزراعي 

يهدف المزارع إلى تسويق الإنتاج السنوي بشكل كامل، إمّا من خلال بيع القطاف الأخضر، الحشيش-النبتة التي تمّ قطافها حديثًا من غير أيّ تصنيع، أي بيعها “بأرضها” كما هو متعارف عليه، وإمّا من خلال طبخها، لاستخراج الزهرة أو المعجون، على شكل الحشيش الصالح للتدخين الذي يُباع في الأسواق السوداء.

تاريخيًّا، لم يكن الحشيش المصنّع رائجًا بين مزارعي الهرمل، بوصفه أقرب إلى المُستهلك، أي إنّه يضع المزارع في خانة أقرب إلى التاجر أو المروّج. أمّا اليوم، فإنّ معظمهم يعمد إلى طبخه وتصنيعه، من دون أن يتوانوا عن بيعه وهو بعدُ نبتةً خضراء إذا سنحتْ فرصة بيعه، ولو كانت ربحيّته أقلّ، إلّا أنّها مضمونة. لكنّ تعذّر تصريف كامل الإنتاج يدفع بالمزارع عادةً إلى تخزين جزء من المحصول للسنة التالية من خلال عملية التصنيع، من دون تكاليف إضافية.  

تُعَدّ إذًا فترة الحصاد الممتدّة بين أواخر أيلول وتشرين الأوّل مرحلة درّ الدخل الأساسي وتكوين الاحتياط للعائلة، وهي الفترة التي يسدّد فيها المزارع ديونه ويُجري أعمال الصيانة الأساسية لمنزله وآلاته ومعدّاته، ويخصّص ما يتبقّى لتأمين مصاريف المعيشة للسنة كاملة، بانتظار الموسم المقبل. فكم يجني المزارع من عمله السنوي؟

قبل أزمة عام 2019، كان المزارعون يبيعون الهؤة بالدولار الأميركي أو بالليرة اللبنانية، بأسعار تقارب قيمتها 400 دولار أميركيّ بحسب الأسعار السائدة في أيلول عام 2021، تُباع هؤة من حشيشة الكيف بأربعة ملايين ونصف مليون ليرة لبنانية، أي ما يعادل 225 دولارًا أميركيًّا بحسب سعر الصرف السائد في تلك الفترة، ممّا يعني أنّ التجّار قد تمكّنوا من خفض سعر شراء المحصول بنسبة تتراوح بين 45% و50%، في الوقت الذي ارتفعت فيه تكاليف الإنتاج بالنسبة إلى المزارع، ممّا يدلّ على ضعف قدرات التفاوض من جهة المزارعين، وعلى قدرة التجّار على فرض سعر موحّد على جميع المزارعين، وهي الخاصّية الأولى لبنية السوق الاحتكارية أو شبه الاحتكارية. 

وبالفعل يُجمع المزارعون على أنّ سعر المبيع يحدّده التجّار بشكل موحّد، أي إنّ سعر المبيع متعارف عليه وثابت في كلّ موسم، إذ يفرضه التجّار موسميًّا. بشكل أصحّ، يمكن توصيف بنية السّوق تلك على أنّها احتكار الشاري على البائع، وهي خاصّية الأسواق التي تتميّز بتعدّد البائعين وبانحصار الطلب بزبون واحد أو بقلّة من الزبائن المتّفقين فيما بينهم. 

يعرّف الاقتصاد الميكروي بنية السوق تلك بأنّها حالة قصوى من المنافسات الاحتكاريّة التي توصف بكونها من اقتصاديات الكارتل أو الترست، وتصل في حدودها القصوى إلى المونوبسوني . ممّا لا شكّ فيه أنّ بنية السوق تلك نادرة، لكنّها تتمثّل في حالة زراعة التبغ في لبنان، حين ينحصر الطلب بالشاري الوحيد والمحتكر، أي الريجي. عادةً ما تمتاز تلك الأسواق بسلطة الشاري على البائع في تحديد الأسعار، على عكس ما يحصل في الأسواق التنافسية.  

إذًا، يبقى المزارع في جرود الهرمل تحت رحمة الكارتل أو المحتكرين، إذ يعجز عن تصريف إنتاجه بنفسه تمامًا كما يعجز عن الخروج من جرده من دون خطر التعرض للتوقيف. في حين أنّ التجّار والمروّجين يتمتّعون نسبيًّا بحرّية تنقّل تفوق حرّية المزارع المتجذّر في أرضه، نظرًا إلى تمتّعهم بحمايات أمنيّة، وبغطاء شبه عسكري، وبقدرات لوجستية على عبور الحدود وتهريب البضائع.  

كيف تنعكس تلك البنية على أوضاع المزارعين خلال الأزمة المالية التي تشهدها البلاد؟

يستثمر أحد المزارعين الميسورين نسبيًّا أرضًا مرويّة شاسعة، ويستصلح 70 دونمًا منها لزراعة القنّب. قبل عام 2019، كان يبيع محصوله بسعر 28 ألف دولار أميركي، ليتراوح ربحه الصافي السنوي بين 14 و19 ألف دولار أميركي. أمّا في عام 2021، فإنّه، في حال باع محصوله مصنّعًا بنسبة سبعين هؤة، سيتلقّى دخلًا يوازي ثلاثمئة وخمسة عشر مليون ليرة لبنانيّة، أي ستتراوح قيمة المحصول السنوي بين 10 آلاف و16 ألف دولار أميركي بحسب سعر صرف الدولار السائد في تلك الفترة. وبما أنّ كلفة الإنتاج تتراوح بين الثلث والنصف، يمكن أن نستخلص أنّ المزارع الميسور الذي يستثمر أرضًا من 70 دونمًا يحقّق في نهاية المطاف ربحًا سنويًّا صافيًا لا يتعدّى عشرة آلاف دولار أميركي في أحسن الأحوال. ممّا يعني أنّ انهيار الليرة قد أدّى إلى انخفاض قيمة الإنتاج بالدولار بين الثلث والنصف تقريبًا، إذا ما اعتمدنا سعر صرف الدولار السائد تاريخ إجرائنا العمل الميداني، وبلغ حينها 20 ألف ليرة لبنانية للدولار الأميركي الواحد. ويعكس هذا الانخفاض في ربحية المزارع ارتفاع هوامش الربح عند التجار وكارتلات الحشيش، في حين أنّ تكلفة الإنتاج قد زادت بنسبة أعلى، وبخاصّة للمزارعين الذين يشترون المازوت لجرّ الماء من آبارهم التي تصل أعماقها في بعض الأحيان إلى 400 متر أو أكثر. وعليه، يبدو مزارع الهرمل في الحالة الأضعف من حيثُ التحكّم في سلاسل إنتاج القيمة المضافة، إذ لا يتعدّى دوره إنتاج المحصول الأخضر، وطبخه في بعض الأحيان، قبل أن يسلكَ هذا الإنتاج طريقه من الجرود نحو الأسواق عبر الوسطاء والتجّار والمهرّبين، في الوقت الذي يخشى فيه عبور حواجز الجيش اللبناني في الجرد والمناطق المجاورة نحو مستشفى قريب مخافة التوقيف.  
ختامًا، تشكّل قوانين تجريم زراعة الحشيش مع تقييد حركة المزارعين حالةً من ارتهان المزارع المقيّد بأرضه وبزراعته الممنوعة لمصلحة الكارتيلات العابرة للحواجز والحدود، والمتحكّمة بشكل شبه مطلق في آليّات التسويق والتصدير والتسعير. فهل سيسهم قانون تشريع القنّب الطبّي في تغيير بنية السوق الاحتكارية تلك ليحرّر المزارعين، ولو قليلًا أو نسبيًّا، من سلطة المشتري، أم أنّه سيكتفي بتثبيت المونوبسوني أو تشريعه من خلال احتكار الدولة أو كارتلات الشركات المرخّصة؟ وما التغيّرات التي سيفرضها على بنية الإنتاج من ناحية العرض، في الوقت الذي يتخوّف معظم المزارعين من أن يتمّ إقصاؤهم من التراخيص بذرائع عدّة سنتطرق إليها في الفصل الأخير، نذكر منها غياب صكوك الملكيّة أو وجود مذكّرات توقيف سابقة، وسوى ذلك.

للاطلاع على الدراسة بنسخة pdf

انشر المقال

متوفر من خلال:

مقالات



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية