أوامر الاعتقال في مصر تحت مسميات مختلفة


2015-05-20    |   

أوامر الاعتقال في مصر تحت مسميات مختلفة

مرت مصر في الفترة منذ 30 يونيو بالعديد من التحولات السياسية.وواكب هذه التحولات موجة من الاحتجاجات والاعتصامات أعقبها إصدار رئيس الجمهورية عدلي منصور في نوفمبر 2013 مرسوما بقانون لتنظيم الحق في التظاهر. وفي خلال هذه الفترة اكتظت السجون المصرية بمعارضي النظام القائم من أطياف مختلفة وامتدت فترات احتجاز المتهمين خاصة في القضايا المرتبطة بالتجمع السلمي وحرية التعبير. واستخدمت وزارة الداخلية مصطلح الدواعي الأمنية كأداة لمنع حضور المتهمين جلسات تجديد الحبس أو المحاكمة وهو ما أدى إلى إطالة آماد الاحتجاز.
 
الدواعي الأمنية
لا يختلف مصطلح الدواعي الأمنية عن غيره من المصطلحات الغامضة التي يتم استخدامها في التشريعات المصرية. وإذا حاولنا توصيف هذا المصطلح الغامض، يمكننا القول بأنه خطاب موجه من مصلحة السجون إلى قاضي التجديد أو قاضي الموضوع توضح فيه صعوبة انتقال المتهم لحضور المحاكمة، وتستند في أغلب هذه الخطابات إلى أن المانع الذي يبرر عدم حضوره يتمثل بوجود "عذر أمنيّ". و بسبب عدم تعريف هذا المصطلح، وغياب النصوص المنظمة له، يعود أمر تحديده للمحكمة التي تنتهي الى ارجاء جلسة المحاكمة لحضور المتهم,
وتجدر الاشارة هنا الى أن محكمة القضاء الإداري كانت علّقت في حكم شهير لها على مفهوم "الدواعي الأمنية" بما يحتمله من استخدامات وغموض، في حالة تم فيها التذرع به لمنع زيارة المسجونين. وقد قالت المحكمة في هذا الصدد:

" كما تجدر الإشارة بأنّ التذرع بالأسباب الأمنية في الحيلولة دون ذوي المدعي من المعتقلين من زيارة أقاربهم لا يصلح سندًا للمنع المطلق أو المقيد بحرمانهم من حق الزيارة التي يمكن لها أن تجريه مع وضع الضوابط الكفيلة برعاية الجانب الأمني وإلا كانت الذريعة بحالتها هذه مانعًا مطلقًا من الزيارة وهو ما لا يجوز قانونًا".

الحبس الاحتياطي

ولعل الحديث عن الدواعي الأمنية يأخذنا للسؤال الأهم: ما الهدف الذي ذهب إليه المشرع عندما نص على الحبس الاحتياطي كأحد التدابير الاحترازية؟ نجد أن النصوص التي تحدثت عن الحبس الاحتياطي مثل المادة 143 من قانون الإجراءات الجنائية لم تضع تعريفًا محددًا وواضحًا للحبس الاحتياطي وهو ما انعكس بالطبع في تحديد المبررات والأسباب التي يتم بناء عليها احتجاز المتهم. إلا أنه يمكننا الرجوع إلى كتاب تعليمات النائب العام لنرى من خلاله كيف يتم تطبيق الحبس الاحتياطي فنجد أن المادة (381) منها تعرّف الحبس الاحتياطي على النحو التالي: "هو إجراء من إجراءات التحقيق غايته ضمان سلامة التحقيق الابتدائي من خلال وضع المتهم تحت تصرف المحقق وتيسير استجوابه أو مواجهته كلما استدعى التحقيق ذلك، والحيلولة دون تمكينه من الهرب أو العبث بأدلة الدعوى أو التأثير على الشهود أو تهديد المجني عليه، وكذلك وقاية المتهم من احتمالات الانتقام منه وتهدئة الشعور العام الثائر بسبب جسامة الجريمة".

ويمكننا أن نستخلص من هذا التعريف الأسباب والمبررات التي تؤدي إلى استمرار حبس المتهم على ذمة التحقيقات أو إطلاق سراحه إن لم تتوافر, وهو الأمر الذي يتعارض مع ما يحدث على أرض الواقع، فنجد أن تحقيقات النيابة العامة لا تحتاج إلى هذه الآماد الطويلة في أغلب حالات الاحتجاز. وإن احتاجت إلى هذه الآماد فيجب اطلاع دفاع المتهم عن الأسباب المبررة لذلك. وعلى الرغم من أهمية هذه المبررات، إلا أن إطلاقها على عواهنها دون ضابط أو محدد هو أمر غير مقبول. كذلك الأمر بشأن انتقال عبء الإثبات إلى المتهم لإثبات عدم توافر مبررات الحبس. فاستمرار الدفاع في محاولة تفنيد مبررات الحبس والرد عليها في كل جلسة تجديد حبس هو أمر غير منطقي. فمن المفترض أن جهة الاتهام هي التي تدعي بإمكانية هروب المتهم أو تأثيره على مجريات التحقيق إن تم إخلاء سبيله وعليها هي إثباته. كما أن استمرار الحبس بهذه الطريقة تهدر الضمانة القانونية التي بنيت عليها مشروعية الاحتجاز ألا وهو ما نصت عليه المادة (54) من الدستور المصري والتي تنص في فقرتها الثانية على أن "ينظم القانون أحكام الحبس الاحتياطي، ومدته، وأسبابه، وحالات استحقاق التعويض الذي تلتزم الدولة بأدائه عن الحبس الاحتياطي، أو عن تنفيذ عقوبة صدر حكم بات بإلغاء الحكم المنفذة بموجبه. وفي جميع الأحوال لا يجوز محاكمة المتهم في الجرائم التي يجوز الحبس فيها إلا بحضور محام موكل أو مٌنتدب".
 
وتزايُد الاهتمام بأزمات الحبس الاحتياطي خاصة بعد التعديلات الأخيرة التي تمت على قانون الإجراءات الجنائية في سبتمبر 2013 والتي جاءت على النحو التالي: "في جميع الأحوال، لا يجوز أن تجاوز مدة الحبس الاحتياطي في مرحلة التحقيق الابتدائي وسائر مراحل الدعوى الجنائية ثلث الحد الأقصى للعقوبة السالبة للحرية بحيث لا يتجاوز ستة أشهر في الجنح وثمانية عشر شهرًا في الجنايات وسنتين إذا كانت العقوبة المقررة للجريمة هي السجن المؤبد أو الإعدام"، وتم تذييل النص بإضافة فقرة أخيرة لنص المادة وهي:

"ومع ذلك، فلمحكمة النقض ولمحكمة الإحالة إذا كان الحكم صادرًا بالإعدام أو بالسجن المؤبد أن تأمر بحبس المتهم احتياطيًا لمدة خمسة وأربعين يومًا قابلة للتجديد دون التقييد بالمدد المنصوص عليها في الفقرة السابقة".

وعلى الرغم من وضوح النص الدستوري السابق ذكره والذي أوجب تحديد مدد الاحتجاز وأسبابه إلا أن النص المعدل لقانون العقوبات يتعارض مع ظاهر النص وجوهره بشكل صريح، فأطلق مدة الحبس الاحتياطي في حالة كون الاتهام الموجه يعاقب عليه بالسجن المؤبد أو الإعدام، وهذه تفرقة غير مفهومة وخاصة أن المتهم في إطار مرحلة التحقيق – التي يتم فيها الحبس الاحتياطي – لم تتم إدانته بعد وهو ما يجعل الحبس الاحتياطي يحذو حذو القوانين الجزائية التي توقع عقوبة على المتهم، بل هي أكثر فهي عقوبة تطبق دون محاكمة.
 
عندما يقترن الحبس الاحتياطي بظرف الدواعي الأمنية

بعد استعراض الأزمات التشريعية والتطبيقية للدواعي الأمنية والحبس الاحتياطي كل منهم على حدة، نتحدث عن أثر اجتماع المصطلحين. وهنا يأتي الحديث عن أثر قرارات التعذر على العدالة الجنائية والضمانات المقررة بموجب قانون الإجراءات والدستور المصري. فقد أصبحت وزارة الداخلية الممثلة في مصلحة السجون تقوم مقام النيابة العامة وقاضي التجديد من خلال خطاب التعذر، فجلسات التجديد التي حددها المشرع من أجل استكمال إجراءات التحقيق وإصدار قرار بجدوى استمرار حبس المتهم من عدمه فقدت أهميتها وأصبحت إجراءً روتينيًا يضفي شرعية على تجاوزات وزارة الداخلية في احتجاز المتهم، فتحوّل الإجراء القانوني إلى عمل غير مشروع يتشابه كثيرًا إن لم يكن مطابقًا في نتائجه مع قرارات الاعتقال. فالتذرع بحجة عدم حضور المتهم لجلسات المحاكمة تحت ستار الدواعي الأمنية بالإضافة لقواعد الحبس الاحتياطي غير المنضبطة تؤدي إلى احتجاز المتهم دون سند قانوني أو اتهام محدد. وهو ما يبسط الأمر أمام التدخلات السياسية والأهواء الشخصية، كما يتعارض مع نصوص الدستور والاتفاقات الدولية التي وقعت عليها مصر وخاصة تلك المتعلقة بقواعد المحاكمة العادلة والمنصفة، ويأتي على رأس هذه القواعد حق المتهم في الدفاع بالأصالة أو بالوكالة  والذي نصت عليه المادة 96 من الدستور المصري:

" حق الدفاع أصالة أو بالوكالة مكفول. واستقلال المحاماة وحماية حقوقها ضمان لكفالة حق الدفاع. ويضمن القانون لغير القادرين ماليًا وسائل الالتجاء إلى القضاء، والدفاع عن حقوقهم".

وهو أمر يتسق مع الغاية التي شرّع من أجلها الحبس الاحتياطي. فمن المنطقي أن يمكّن المتهم من الدفاع عن نفسه فيما يتعلق من اتهامات أثناء إجراء التحقيق، وهذا الفرض لا يتحقق لعدم حضور المتهم. وكذلك يرتبط الأمر هنا بالحق في إعادة النظر في الاحتجاز: ويقصد به أن من حق كل شخص أن يَمْثُل على وجه السرعة أمام القضاة بعد القبض عليه أو احتجازه؛ بهدف إعادة النظر قضائيًا في أمر احتجازه، وهو ما يعرف في بعض البلدان باسم "حق الحضور"، وهو حق منصوص عليه صراحة في المادتين 9 (3) و(4) من "العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية" والهدف من ذلك النظر فيما إذا كانت هناك أسباب قانونية تبرر القبض على المتهم، وإذا ما كان احتجازه قبل المحاكمة ضرورياً.
 
دعوى قضائية لتحديد مفهوم الدواعي الأمنية

إزاء هذه العقبات التشريعية التي تفتح الباب أمام عرقلة سير المحاكمات وتعطيل نصوص الدستور، أصبح من الضروري إجراء تعديلات تشريعية تضبط هذه الثغرات. وفي ظل غياب البرلمان المصري أصبح من الصعب إجراء أية تعديلات على قانون الإجراءات الجنائية. وهذا ما دفع مؤسسة حرية الفكر والتعبير لإقامة دعوي قيدت برقم 44498 لسنة 68 ق وحدد لها تاريخ 2 يونيو للنظر في أولى جلساتها أمام محكمة القضاء الإداري. وقد طالبت في هذه الدعوى التي أقامتها في وجه رئيس الجمهورية ووزير العدل ووزير الداخلية والنائب العام، إلزام وزارة الداخلية بتحديد المقصود بالدواعي الأمنية مع حصر هذه الحالات التي تمنع الجهة الإدارية من إحضار المتهم من مقر محبسه، وكذلك تحديد المعايير التي توضح درجة الخطورة الأمنية التي يشكلها انتقال المتهم من محبسه لجلسات المحاكمة وتجديد حبسه، واستندت في دعواها إلى الأثر السلبي لقرارات التعذر على العدالة الجنائية و دور قانون الإجراءات الجنائية في تحقيق العدالة الجنائية القائمة على التوازن بين الحقوق والحريات والمصلحة العامة.

للإطلاع على النص مترجما الى اللغة الإنكليزية يمكنك الضغط

انشر المقال

متوفر خلال:

مصر ، مقالات



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *