أهالي ضحايا تفجير مرفأ بيروت وضعوا شروطهم: الاستقلالية والنزاهة والجرأة لدى المحقّق الجديد


2021-02-20    |   

أهالي ضحايا تفجير مرفأ بيروت وضعوا شروطهم: الاستقلالية والنزاهة والجرأة لدى المحقّق الجديد
أهالي ضحايا تفجير المرفأ يخافون ضياع الحقيقة

اعتبرت لجنة أهالي شهداء تفجير مرفأ بيروت، تعقيباً على تعيين القاضي طارق بيطار محقّقاً عدلياً جديداً في قضية تفجير مرفأ بيروت ليل أمس الجمعة 19 شباط 2020، أنّ ذوي الضحايا في “وضع دراسة لما حدث وترقّب لما سيحدث”. وأكد الناطق الرسمي باسم الأهالي إبراهيم حطيط، شقيق الشهيد ثروت حطيط، لـ”المفكرة القانونية” أنه “سيتمّ إعطاء الفرصة للقاضي الجديد الذي يجب عليه العمل بطريقةٍ سريعةٍ ولكن غير متسرّعة”، على حد قوله.

وعن السرعة في تعيين قاضٍ جديد، أفاد حطيط بأنّ وفداً من أهالي الضحايا كان قد التقى البارحة مع رئيس مجلس القضاء الأعلى سهيل عبود واجتمع في وقتٍ متأخرٍ بوزيرة العدل ماري كلود نجم، حيث أصرّ ذوو الشهداء على ضرورة تعيين قاضٍ جديد في اليوم عينه (أمس) وبدون تأخير، وأنّ وعوداً قُطعت لهم من الأطراف كافّة بأنّهم لن يخرجوا من مكاتبهم “قبل أن يتم تعيين القاضي، وهذا ما حدث”. شروط ثلاث وضعها الوفد في عهدة المعنيين في ما يخصّ تعيين خلف للقاضي صوّان، أولاً: أن يتمتّع المحقّق العدلي الجديد بالنزاهة والجرأة، لأنّ النزاهة وحدها غير كافية في هذا الملف بحسب حطيط، ثانياً أن يكون مستقلاً غيرمحسوب على أي جهةٍ سياسيةٍ، وثالثاً أن يتمّ تعيين مساعدٍ  خاص له لتسريع العملية. وختم أعضاء الوفد بالتأكيد على “أنّ صبر الأهالي قد نفذ”.

ويتوقّع حطيط أنّ تسريع عملية التعيين جاءت نتيجة توقّع القضاة والوزيرة أنّ الأهالي سيقتحمون قصر العدل، الأمر الذي كان في خارج نيّة الأهالي الذين كانوا فعلاً بصدد تنفيذ تحرّك تصعيدي إلاّ أنّهم لم يعلنوا عن مكانه. ويتحفّظ حطيط عن تسمية المكان “رح نحتفظ بهيدا الخيار احتياط إذا صار شي”. وأفاد أنّ “الأهالي ما رح يقعدوا ببيوتهم من اليوم ورايح وينتظروا، مستعدّين نضل بالشارع وأعيننا على سير التحقيق والتقدّم فيه”.  

وكان أهالي ضحايا تفجير مرفأ بيروت، قد تداعوا لليوم الثاني على التوالي، وفي رد فعل على تنحية قاضي التحقيق العدلي في قضية تفجير مرفأ بيروت فادي صوّان، إلى وقفةٍ احتجاجيةٍ ظهر أمس أمام قصر العدل في بيروت. فقاموا بقطع الطريق بالإطارات المشتعلة، في حين اعتصم عدد من مجموعات الحراك الثوري عند الساعة الثالثة ظهراً في المكان عينه، دعماً للأهالي ورفضاً لنتحية صوّان.

وعبّر المعتصمون من الأهالي والناشطين عن غضبهم ورفضهم لقرار محكمة التمييز الجزائية، معتبرين أنّ الخطوة هي تسييس للقضاء، رافضين الحجج الذي قدمتها المحكمة لتبرير تنحية صوّان عن الملف ومنها كونه “متضرّر بشكلٍ شخصي من التفجير جرّاء الضرر اللاحق بمنزل زوجته في الأشرفية، ما يجعل التحقيق عرضةً للتحيّز وعدم الحيادية برأي المحكمة، إضافة إلى “إعلانه أنّه لن يتوقّف أمام أي حصانات”، معتبرة (أي المحكمة) أن ذلك يدلّ على أنه “لن يتوقف أمام القوانين التي تنص على هذه الحصانات”.

فاطمة عليق زوجة الشهيد حسين البشر
فاطمة عليق زوجة الشهيد حسين البشر

حطيط يدعو إلى تعيين قاضٍ جديدٍ في أسرع وقتٍ ممكن

تحدث إبراهيم حطيط، الناطق الرسمي باسم الأهالي، في كلمة خلال التحرّك أمس في محورين، الأول يطرح موضوع قرار محكمة التمييز، والثاني يناقش المرحلة الجديدة ما بعد التنحية. فقارب بين تاريخ التفجير وتاريخ تنحية صوان قائلاً: “أنه في تاريخ 4 آب دوى صوت السلطة الفاسدة محدثاً مجزرةً رهيبةً، وبتاريخ 18 شباط 2021 دوى انفجار الفساد لكن بطله هذه المرة القضاء المسيّس، وذلك عبر تفجير التحقيق، وما تبقّى من ضمير وثقةٍ بيننا وبين هذا القضاء العفن”. واعتبر حطيط أن الارتياب الوحيد المشروع اليوم هو ارتياب ذوي الشهداء “بالقضاة والطبقة السياسية”، موضحاً أنّ “قرار المحكمة المشؤوم هو قرار نافذ ولا يستطيع أحد الطعن به، لذا لا مناص من تعيين قاضٍ آخر سيكون عليه مطالعة عشرات الآلاف من صفحات التحقيق من جديد، وبالتالي سنضيّع الوقت من جديد، وإن وصل إليه ما وصل إليه القاضي صوّان تتكرر نفس المهزلة التي شهدنا فصولها السابقة”. وتساءل “ما هي الضمانة التي لا تجعلهم يفبركون للقاضي الجديد قصةً جديدةً لتستمرّ دوامة تقطيع الوقت وتضييع وتمييع التحقيق؟” وكان حطيط طالب في كلمته بالإسراع في تعيين قاضي تحقيقٍ جديدٍ يتصف بالنزاهة والشجاعة غير مسيّس في أسرع وقتٍ ممكنٍ. واشترط حطيط أن يعيّن للقاضي الجديد مساعد يتمتع بنفس مواصفاته لناحية السمعة الحسنة وعدم الميول السياسي، وذلك تلافياً لما شكى منه سابقاً القاضي صوّان، وتسريعاً لمطالعة الملفات التحقيقات.

وختم حطيط  كلمته بالتأكيد على استمرار التحركات في الشارع في ثورةٍ حقيقيةٍ اذا ما لمس الأهالي أي تلاعبٍ أو تمييعٍ للتحقيقات أو تمنُّعٍ عن المثول أمام قاضي التحقيق، داعياً اللبنانيين إلى التضامن مع ذوي الشهداء في كل المناطق اللبنانية عبر قرع أجراس الكنائس بتوقيت صلاة المغرب مساء يوم الأحد المقبل، 21 شباط، وإضاءة الشموعٍ على شرفات المنازل في التوقيت عينه، “ادعمونا ولو بشمعةٍ إكراماً للشهداء”.  

مجموعات من الحراك الشعبي ضد تسييس القضاء
مجموعات من الحراك الشعبي ضد تسييس القضاء

مجموعات من الحراك “قرار تنحية القاضي صوان سياسيّ بامتياز”

وعند الساعة الثالثة بعد ظهر أمس بدأ ناشطو وناشطات مجموعات “تحالف وطني” و”منتشرين”، و”الكتلة الوطنية” و”لحقي”، و “مدى”، و”المرصد الشعبي لمحاربة الفساد” الداعية للتظاهر تضامناً مع أهالي الضحايا بالتوافد إلى قصر العدل تلبية للنداء المشترك الذي اعتبر: “أن قرار محكمة التمييز بتنحية القاضي صوان لأسبابٍ واهيةٍ وغير مقنعةٍ بعد استدعائه للوزراء الثلاث بصفة مدعى عليهم، يحمل دلالاتٍ خطيرةٍ ويفضح محاولة السلطة لعرقلة التحقيق وطمس الجريمة والاستخفاف بحقوق وجراح الناس”.

واعتبر الداعون في بيانهم أنه “منذ اليوم الأول لانطلاق التحقيق بجريمة التفجير تعمل المنظومة على حماية المحسوبين عليها ويختبئ أعضاؤها خلف الحصانات وخلف خطوط حمرٍ طائفيةٍ”.

وأكدوا أن قرار تنحية القاضي صوان هو قرار “سياسي بامتياز ويحمل في طياته إدانة لهذه المنظومة لتسببها بحصول جريمة العصر في مرفأ بيروت. فلا ثقة بتسميات المنظومة لقضاة جرّدوا من الاستقلالية وبالتالي من القدرة على إحقاق العدل”. وشدّدوا على  أن كشف الحقيقة وإعمال مبدأ المحاسبة هو في صلب المعركة السياسية ضد المنظومة، ليس فقط من أجل حماية حقوق الضحايا، بل أيضاً لصون كرامة شعبٍ دمرت عاصمته ونهبت ثرواته العصابة نفسها”.

واعتبرت سلام يمّوت، عضو اللجنة التنفيذية في الكتلة الوطنية أنّ إقالة القاضي صوّان هي “الفساد الأعظم”، وأنّها على الرغم من ملاحظاتها على مسار تحقيقاته إلّا أنها تشيد بـ”خطواته الجريئة في استدعاء الوزراء لما له من دلالةٍ معنويةٍ في نفوس المواطنين”. من جهةٍ ثانية تساءلت يموت عن “عدم مقاضاة الرؤساء الذين كانوا على علمٍ بوجود النيترات “إذا هنّي ما تقاضوا، بدنا نستقوي على الموظفين الصغار وهني يحموا حالهم”، وطالبت بإطلاق يد التحقيق، معتبرةً أن “الحقيقة بائنة لكنها تحتاج إلى إظهارها بطريقةٍ رسميةٍ”.

ورأى جورج أزاد من حملة “القصاص الآن” أنّ ما جرى هو “اغتيال للقضاء ولفكرة العدالة ولتكريس أن الحصانات السياسية أقوى من القصاص”، معتبراً أنه في ظل استحالة عودة القاضي صوان يجب العمل على منع “تصفير” التحقيق بمعنى عدم العودة إلى نقطة البداية-الصفر: “يعني ممنوع يطّلعوا الموقوفين المتورطين بالملف لإهمالهم المقصود، فتهريب جزء من النيترات خارج المرفأ يدل على عدم قيام الأجهزة الأمنية والرقابية بواجباتها” .

ويؤكد كميل موراني، من مجموعة “بيروت مدينتي”، أنّ إقالة المحقق العدلي الذي تجرّأ على استدعاء الوزراء للتحقيق هو بمثابة تفجير جديد للبنان، وأنّ ما حدث هو دليل على الانهيار الكامل، متسائلاً ماذا تبقّى من الدولة وحقوق المواطنين ونحن في الفترة الأخيرة نواجه تضييقاً على الإعلام والحرّيات ومعيشة الناس والآن على القضاء. واعتبر أنّ “بيروت مديني” متواجدة اليوم ودائماً الى جانب أهالي الضحايا، لافتاً إلى أنّ الأزمة اليوم تتعدّى مسألة إحالة قاضِ أو تعيين قاضٍ جديد، بل هي مسألة انهيار تام للمؤسسات كافة ومن ضمنها القضاء.

يقطعون الطريق بالإطارات المشتعلة
يقطعون الطريق بالإطارات المشتعلة

أهالي الضحايا خائفون “بدنا حق أولادنا بمعرفة الحقيقة”

سبعة أشهرٍ وأهالي الضحايا لم يكلّوا ولم يتعبوا، تمرّ فصول السنة وهم في الشارع  يتحمّلون الحرّ والبرد ولا يأبهون لشيء، ومطلبهم الوحيد هو الحقيقة.

“حاسة الحقيقة عم تضيع من بين إيدينا”، تبكي والدة ابراهيم الأمين بحرقةٍ، هي التي كانت تنتظر راتب ابنها الزهيد كي تقتات منه وزوجها لا تبالي اليوم بالتعويضات ولا باسم القاضي، لا يهمّها سوى “أن يرتاح إبراهيم في قبره”. تعتقد أنّ ضياع الحقيقة سيعذّب الأموات في قبورهم، “ما في شي بيرجّعلي إبني بس برتاح إذا عرفت مين عمل الجريمة وعوقب، ما بدي يضيع دم إبني هدر”.

وتعتبر والدة الشهيد عماد زهر الدين أنّ أجهزة الدولة تثبت في كل محطة تقاعسها وفشلها، “ما بوثق بالقضاء كله، يعيّنوا مين ما بدهم المهم بدي الحقيقة ومين حط المتفجرات”. وتعود بالذاكرة إلى نهار التفجير “أنا إبني كان مع الشباب عم يخلعوا باب العنبر، قال ما معهم مفتاح للعنبر رقم 12 تركوا الشباب يموتوا، شو هالدولة هي؟ شو هالدولة، وين كانوا الزعماء والقضاة ساعة الإنفجار، نحن ما بدنا شي بدنا حقيقة الشهداء، ويفلوا عنا”.

تحت زخات المطر تحتضن فاطمة عليق، زوجة الشهيد حسين بُشر، صورته، تحميها بمعطفها فيما الدموع تبلل محيّاها. أمضت فاطمة حياتها برفقة حسين وحيدةً حيث لم ينجبا أطفالاً “ما عندي غيروا كان بالدنيا، كان كل شي بحياتي، خسرت كل شي بس إني إخسر الحقيقة، هاي ما رح إقبل فيها أبداً”.

انشر المقال

متوفر من خلال:

استقلال القضاء ، حراكات اجتماعية ، حرية التعبير ، دستور وانتخابات ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، عدالة انتقالية ، عدالة انتقالية ، لبنان ، محاكم جزائية



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *