أهالي ضحايا تفجير المرفأ في مسرح الجريمة للمرّة الأولى


2021-02-05    |   

أهالي ضحايا تفجير المرفأ في مسرح الجريمة للمرّة الأولى
والدة الشهيد النقيب أيمن نور الدين (نبيلة غصين)

“كل ما منجي لحد المرفأ منتذكّر نهار التفجير، منتذكّر كيف بقينا ليالي عم ندوّر على أولادنا، منتذكّر ريحة الموتى بالبرّادات”، هذه واحدة من الصرخات التي ارتفعت أمس الخميس أمام البوابة رقم 3 لمرفأ بيروت حيث نفّذ أهالي ضحايا تفجير 4 آب وقفةً احتجاجيةًً في ذكرى مرور ستّة أشهرٍ على وقوع المأساة.

وللاعتصام عند بوابة المرفأ وقع حزين في نفوس أهالي الشهداء، فلهذا المكان دلالته، في داخله سقط العديد من الشهداء العمّال والعساكر، على هذه الطريق كانوا يمرّون، وعلى هذه البوابة أمضى الأهالي ساعات ليلة وقوع التفجير وهم بانتظار خبرٍ عن أبنائهم المفقودين، أيضاً بسبب هذا المرفأ وما يخبّئه من أسرارٍ سقط 213 شهيداً، ودمّرت بيروت.

وحضرت مع الأهالي قلّة قليلة فقط من الناشطين في إحدى مجموعات حراك 17 تشرين لتشارك الأهالي مآسيهم ووقفتهم. 

حطيط يناشد صّوان “أخرج عن صمتك وريحنا”

حزن وقهر الأشهر الستة عبّر عنه الناطق الرسمي باسم أهالي الشهداء ابراهيم حطيط شقيق الشهيد ثروت حطيط، الذي اعتبر أنّ الكلمة الأولى اليوم هي لدموع الأهالي وأرواحهم التي ماتت مع موت أبنائهم، “إنّ كابوس الرابع من آب لا يزال جاثماً على صدورنا، يخنقنا ويقضّ مضاجعنا ولا زالت ناره تشتعل فوق قلوبنا وأعصابنا التي ما عادت تحتمل هياكلنا اللحمية التي أضحت بلا روح، فالأرواح التي فيها ماتت يوم مات أبناؤنا وآباؤنا وبناتنا وأخوتنا هنا بسبب نيترات الأمنيوم بدون أن يرفّ لكم جفن”.

اهالي الضحايا أمام النصب التذكاري لشهدائهم داخل المرفأ (نبيلة غصين)

وتوجّه حطيط للمسؤولين مهدّداً واعداً بملاحقتهم القانونية “نحن لن نسامح ولن ننسى ولن نتعب من ملاحقتكم قضائياً حتى نصل للعدالة ونحقق غاية مطلبنا رغم ظلام الظلم الدامس”، متهماً إياهم بارتكابهم جريمة ضد الإنسانية من خلال إعدام أبنائهم. وناشد قاضي التحقيق العدلي في جريمة تفجير المرفأ فادي صوّان، قائلاً: “نستحلفك بضميرك وبقسمك التي أقسمته أن تعدل وتحكم بالحق وأن تباشر باستكمال التحقيقات والاستدعاءات بدون أي اعتبارٍ سياسيٍّ أو طائفيٍ لأحد وستجدنا عوناً ودرعاً لك”.

وباسم أهالي الشهداء وعد حطيط صوّان بحمايته بما للأهالي من موقعٍ في ضمائر اللبنانيين، طالباً منه الخروج عن صمته “أرحنا وأرح نفوسنا وقلوبنا لأنه من حقنا بعد مرور ستة أشهرٍ على جريمة قتل فلذات أكبادنا أن نعرف من أدخل النيترات ولحساب من أتت، رأفة بدموع الأيتام والأمهات أخرج عن صمتك وأرحنا”. 

أهالي الشهداء داخل المرفأ للمرة الأولى 

وللمرّة الأولى منذ وقوع التفجير يُسمح للأهالي بالدخول إلى المرفأ وذلك بهدف إضاءة  الشموع عن أرواح شهدائهم عند النصب التذكاري التي شيّده الجيش اللبناني لهم. بصمتٍ مهيب مشى العشرات من الأمهات والأبناء والأطفال والآباء وسط حطام ودمار المرفأ، صمت لم يشقّه سوى بكاء الأمهات وعويلهنّ،”ليكوا اهراءات القمح” تصرخ والدة الشهيد إبراهيم الأمين الذي كان يعمل كمياومٍ في المكان. “يا ريت فيني أوصل لهونيك، مرمغ وجّي بالحجارة لي بقي إبني تحتهم أربعة أيام لحاله ما في حدا حدّه”. 

في الجهة الثانية تسير شقيقة الشهيد أمين الزاهد تتأمل منظر الخراب باكيةً، “شو ذنبهم  شو ذنبهم يروحوا، كانوا يجوا يشتغلوا هون، لا لاحقين زعيم ولا رئيس، لاحقين لقمة العيش ليربّوا أولادهم ترباية منيحة ويعلّموهم بالمدارس”. 

والدة الشهيد عماد زهر الدين بالقرب من اهراءات القمح (نبيلة غصين)

وصل الأهالي إلى موقع النصب التذكاري والقريب من إهراءات القمح، فانعطفت الأمهات بطريقةٍ تلقائيةٍ في محاولةٍ للتقدّم نحو المبنى نصف المدمّر، لكن عناصر القوى الأمنية أبعدوهم، فيما جلست والدة الشهيد عماد زهر الدين أرضاً تنادي ولدها، “يا عماد وينك يا إمي، أربع أيام وأنا أبرم عليك هون يا إمي”. وتروي كيف طلبت من العسكري تفقّد إحدى الجثث، “قلتله للعسكري خليني قرّب شوف هالجثة بلكي هاي جثة عماد قلّي لأ روحي يا حجّة، تاري أخذولي ايّاه شقف بالصندوق يا أمي”، تعود لتصرخ مطالبةًً بالعدالة والقصاص من المجرمين. 

أمام النصب التذكاري وضع أهالي الشهداء صور شهدائهم، أضاؤوا شموعاً لأرواحهم تلوا صلواتهم بطرائقهم الدينية المختلفة، وعادوا يجرّون ذيول خيبتهم من دولةٍ تسمح لهم “بفشّ خلقهم” وتحجب عنهم أقصى مطالبهم ألا وهي “الحقيقة”.

الإعلام طاقة أمل الأهالي لإيصال أصواتهم 

خرج الأهالي من المرفأ وراحوا يكيلون جام غضبهم أمام وسائل الإعلام التي كانت بانتظارهم، يطالب شقيق الشهيد المؤهّل قيصر مرهج بضرورة الإسراع بالكشف عن الحقيقة، وينقل للعالم رسائل أبناء شقيقه الأطفال قائلاً إنّ إبن اخيه بات حلمه أن يعلم من هم قتلة والده، وأخوه الأصغر يريد أن يضع سلّماً طويلاً يصل بين الأرض والسماء يتسلقه علّه يصل إلى والده ويغمره.

ومن لم يقتله التفجير قتله الحزن عن الذين استشهدوا، وهذا هو حال والدة الشهيد العريف حمزة إسكندر التي قضت نحبها بعد مرور حوالي الشهرين من وقوع التفجير حزناً على ابنها الذي لم يتجاوز الخامسة والعشرين من عمره. تروي شقيقته القادمة من الهرمل أنّها المرّة الأولى التي تشارك في الوقفات الاحتجاجية وذلك لانشغالها بمرض والدتها، “أمي بعد ما توفّى حمزة صار يجيها جلطات كثيرة، نقلناها على المستشفى، بقيت ثلاثة أيام حتى قدرنا ندخلها بالعناية الفائقة لأن ما كان في أماكن وبعدها ماتت بالكورونا حسب ما خبرونا”. تبكي شقيقة اسكندر شقيقها ووالدتها التي بقيت وحيدة في المستشفى، “الإثنين ما خلّونا لا نشوفهم ولا نحضنهم، الإثنين ماتوا وما ودّعناهم”. 

أما شقيقة الشهيد علي زين الدين الذي قضى خلال عمله في أحد مطاعم الجميزة فتعتبر أنّ الحياة من بعد شقيقها باتت بلا معنى، وأنّ صباحاتها باتت حزينة وفي كثير من الأحيان تقضي نهارها في الفراش، “أنا بعتبر حالي ميتة بلا روح، روحي كانت خيّي”. وتستذكر كيف كانا يمضيان سويةً السهرات الرمضانية، “أنا كنت دلّوعته لأني صغيرة البيت، هلق فقدت السند”.

لكلّ من الأهالي قصته الفريدة مع مأساة الرابع من آب، ولكلٍّ معاناته الخاصة من بعده، ستة أشهرٍ على وقوع التفجير والثابت واحد، أهالي لم يكلّوا ولن يملّوا حتى يصلوا إلى الحقيقة.

انشر المقال

متوفر من خلال:

تحقيقات ، حرية التعبير ، دستور وانتخابات ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، سلطات إدارية ، سياسات عامة ، فئات مهمشة ، قرارات قضائية ، قضاء ، لبنان ، محاكمة عادلة وتعذيب



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *