أهالي ضحايا المرفأ: سنكون وقود ثورة لن تستطيعوا تفريقها لا بأحزابكم ولا بطوائفكم


2021-01-06    |   

أهالي ضحايا المرفأ: سنكون وقود ثورة لن تستطيعوا تفريقها لا بأحزابكم ولا بطوائفكم
والدة الشهيد ابراهيم أمين

“أحمد كان يحبّ السحلب كتير، والكستنا، أوّل شي حضّرله إياهم بسهرة راس السنة، عشان هيك هلق ما بفوّتهن عالبيت” بحرقةٍ ولوعةٍ تروي هيام البقاعي، والدة الشهيد أحمد قعدان، كيف أمضت ليلة رأس السنة من دون ولدها الذي قضى في تفجير مرفأ بيروت.

أما زوجة الشهيد محمد دوغان، فتخبر أنّ ليلتها كانت كالجحيم “بقيت أبكي كلّ الليل”، فجأة أدركت أنّها “خلص فقدته وما رح يرجع، قبل كنت فكّر إنّه مسافر وراجع”.

لم يخرج أهالي ضحايا تفجير مرفأ بيروت إلى شجرة الميلاد التي تحمل أسماء ضحاياهم وفلذات أكبادهم ليلة العيد، بل انتظروا الرابع من كانون الثاني 2021، ذكرى مرور خمسة أشهر على المجزرة، لتنفيذ وقفتهم الاحتجاجية الشهرية، حيث لم يعد هناك مناسبات غيرها بالنسبة لهم. وهناك عند الشجرة التي نُصّبت قبالة إهراءات القمح وموقع التفجير، لم تقض العواطف والأحزان والمآسي التي يعيشونها، ويتشاركونها كما في كلّ لقاء، على الصّرامة والشدّة والتصعيد في وجه “نظام فاسد ومفسد وقاتل” كما وصفه إبراهيم حطيط، شقيق الشهيد ثروت حطيط، في كلمة ألقاها باسم أهالي الضحايا.

زوجة الشهيد علي مشيك

غضب عارم من القضاء والحصانات 

وفي كلمته النارية رأى حطيط أنّ “الفساد متحكّم بكل شيء حتى بالجسم القضائي، فبعد مرور مئة وخمسين يوماً على الجريمة التي هزّت العالم كلّه لم يهتزّ رمش لتلك المنظومة العفنة والنتة”. وأضاف أنّ هذه المنظومة “تتحكم بكل شيء، حتى القضاء الذي باتت سيرة فساده وتسييسه على كلّ لسانٍ وما عادت خافية على أحد”. وتساءل حطيط “ما قيمة قضاءٍ يتراكله السياسيون بتمريراتٍ وبلعبةٍ مكشوفة الأهداف، الحكم فيها هو الخصم نفسه؟”. 

وانتقد حطيط “تلطّي المتهّمين الذين تمّ استدعاؤهم، خلف حصاناتٍ سياسيةٍ أو طائفيةٍ، كرئيس حكومة تصريف الأعمال حسان دياب والنائبين علي حسن خليل وغازي زعيتر”، واعتبر أنّه “من المعيب بجريمةٍ بحجم جريمة تفجير مرفأ بيروت أن يفعل هؤلاء ومن خلفهم ما فعلوه”، مؤكداً أنّ “كلّ الحصانات السياسية والطائفية سنسحقها تحت أقدام عوائل شهدائنا، ولا يحلمنّ أحد مهما علا شأنه في هذا البلد أنّه يستطيع لفلفة أو تمييع أو تضييع أو تقطيع الوقت لطمس الحقيقة والتلاعب بنتائج التحقيقات، فلا ارتياب مشروع غير ارتيابنا نحن عوائل الشهداء”.

وتوجّه حطيط إلى محكمة التمييز مطالباً بـ”سرعة رد ملفّ التحقيقات إلى القاضي فادي صوّان”، ليحذّر باسم اللجنة “من أيّ تسريبٍ قد يخلّ بمسار التحقيقات”.

وهدّدت اللجنة على لسان حطيط، من نفاذ صبر الأهالي “ما قبل تفجير بيروت ليس كما قبله”، داعية المعنيين إلى “حسن قراءة ما بين السطور، لأنّ خياراتنا عديدة ومفتوحة ونحن نعوّل على تأييد وتعاطف حتى مناصريكم”. وخاطب حطيط المسؤولين بالقول: “سنكون وقود ثورةٍ حقيقيةٍ لا تستطيعون تفريقها لا بأحزابكم ولا بطوائفكم وستقتل كل شيء وإنّي والله أرى رؤوساً أينعت واقترب وقت حصادها”.

حزم خطاب حطيط لا يقلّ عن حزم وغضب الأهالي الذين يستهجنون ويستغربون مدى الاستخفاف بالتعاطي مع قضيتهم. ويعتبر عفيف مرهج شقيق الشهيد المؤهّل في الجيش اللبناني قيصر مرهج، أنّ المسؤولية تقع بالدرجة الأولى على الشعب اللبناني قبل السلطة السياسية والقضائية قائلاً: “هيك انفجار المفروض يهزّ كيان أكبر دولة بحجم الضرر المعنوي”. وتوجّه إلى “الشعب اللّي راضي بالتعويض المادي” بالقول، “كان ممكن أيّ واحد فيكم يكون ميّت مثل ما راح 200 شهيد”، داعياً إلى النهوض والثورة، وإلاّ فالموت في هذا الوطن يتربّص بالجميع: “رح تروحوا فراطة بأي لحظة”.

لا يواسي جراح الأهالي سوى الأهالي

تطلّ شجرة الميلاد المزيّنة بأسماء الشهداء على إهراءات القمح، هناك يقف الأهالي بمواجهة موقع التفجير الذي أودى بحياة فلذات أكبادهم وتسبب بخساراتهم. وهناك تقف والدة الشهيد إبراهيم أمين ملوحةً بيدها صوب الإهراءات، “هونيك كان إبراهيم لما طلع التفجير، هونيك نزف دمّاته، هونيك بقيوا الأكلات اللّي حضّرتله إياهم قبل ما يفلّ”. دموع والدة إبراهيم تُبكي الحاضرين جميعاً، هي الأم الثكلى بكلّ ما للكلمة من معنى، لا يفهم دموعها سوى من فقد حبيباً مثلها. خلفها تقف والدة الشهيد علي صوان، تبكي علي وتبكي إبراهيم. في هذه البقعة الجغرافية لم ينقضِ رأس سنة واحدة، بل خمسمائة سنة، “كل يوم بيمرق بلاهم كأنّو مئة يوم”، وما إن يصدح المذياع بالأغنية الخاصة بإبراهيم حتى تخور قواها لتفترش الأرض: “إبراهيم لقيوه بعد 4 أيام، ما شفته ما خلّوني شوفه، بس مرّرت إيديي ع التابوت، وقال زلغطوله لإبني، شو بدّي بالزلاغيط”. وككلّ الأمّهات، لا تملك والدة إبراهيم سوى الدعاء على المتسببين بالتفجير “إنشالله بيموتوا أبشع موتات”. 

والدة الشهيد ابراهيم أمين

أشهرٍ خمسة مرّت، وكأنّ الأهالي قد أدركوا أنّه ليس لديهم سوى بعضهم البعض، وحدهم يربّتون على أكتف بعضهم، يتحدثون عن مشاعرهم وغصّاتهم، هم المرضى وهم الأطباء النفسيين لبعضهم. عندما يبكي أحدهم ينصت الآخرون، يفرحون بانضمام أم شهيدٍ أو والدٍ جديد، ينتظرون الوقفات الاحتجاجية كي يفضفضوا لبعضهم البعض، يشحذون المواساة من دموعهم وقصصهم المتشابهة.

“بتصيري عايشة بين الواقع والخيال، ما عنّا غير الذكريات والصور”، تحدّث زوجة الشهيد دوغان رفاقها من أهالي الشهداء وتوافقها والدة الشهيد أحمد الرأي، “ليلة رأس السنة كلّنا كنّا عم نقول الله يمرّقها على خير، منتذكّر كيف كان يمرق راس السنة بحضورهم، بتطّلعي على الأولاد شو بدنا نعمل للأولاد، سرقوا منا الضحكة والبسمة”.

الشهيد أحمد قعدان سافر قبل أوانه

“ليلة راس السنة كأنها ليلة وفاة أحمد الأولى، كل الحزن وكلّ الوجع زاد ورجع، الطاولة ناقصة، البيت فاضي”، تعود والدة أحمد لخمسة أشهرٍ مضت، “مثل هالوقت من خمس شهور كنت عم أركض بشارع الجميزة، عم فتش على أحمد”.

والدة الشهيد أحمد قعدان

 أحمد الشاب الذي لم يتجاوز الثلاثين من عمره، أنهى دراسته الجامعية في إدارة الأعمال، وعندما عجز عن إيجاد فرصة عملٍ، قام باستئجار سيارة والعمل كسائق تاكسي. لحظة وقوع التفجير صادف مرور أحمد في شارع الجميزة حيث وقعت كمية من الحجارة الثقيلة على رأسه: “إتصل فيني رفيقه، كان معه بالسيارة، قلي أحمد جريح. لما لقيت سيارته كانوا الشباب نقلوه على مستشفى الوردية، رجعت أركض على الوردية، وصلت لقيت أحمد محطوط على لوح خشب ملقوح بالأرض، ما عم يسمعني”. ركضت والدة أحمد وراء سيارات الإسعاف التي كانت تأتي بالجرحى إلى المستشفى وتوسّلتهم نقل ابنها “دخيلكم نقلولي أحمد على مستشفى ثانية، ونقلوه على مستشفى مار يوسف هناك لقانا بيّه”. تغصّ الوالدة المفجوعة بدموعها وهي تستذكر نظرة ولدها الأخيرة: “مسكله أبوه إيده وقلّه أنّا حدك يا أحمد، ساعتها فتح أحمد عيونه اتطلّع بأبوه كأنّه عم يودّعه وطلع الدمّ من تمّه”. هول وصفها للمشهد كبّل الألسن، فصمت فيه صوت شهقته الأخيرة، وفراغ فيه لمعة نظرته الوداعية. 

أحمد الذي كان سعيداً بقبول طلبه الهجرة إلى كندا حيث تم تحديد موعد له في السفارة الكندية بتاريخ 23 آب: “ما لحّق يفرح، كان بده يسافر، قام راح على مطرح ما رح يرجعلي منه أبداً”. 

انشر المقال

متوفر من خلال:

أحزاب سياسية ، استقلال القضاء ، حراكات اجتماعية ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، عدالة انتقالية ، لبنان ، مجزرة المرفأ



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *