“أنفة” بلدة سياحيّة بقرار قضائي: “مبدأ المساواة لا يبرّر مخالفة القانون”


2023-07-27    |   

“أنفة” بلدة سياحيّة بقرار قضائي: “مبدأ المساواة لا يبرّر مخالفة القانون”
أنفة-الكورة

أصدر مجلس شورى الدولة بتاريخ 11/07/2023 قراراً قضائياً قضى بإبطال القرارين الصادرين عن وزير الصناعة في حينها حسين الحاج حسن والمتضمّنين الترخيص بإنشاء واستثمار مركز لتخزين وتعبئة غاز النفط المسيل على العقار رقم 142/أنفة. وقد صدر القرار عن الغرفة الخامسة (برئاسة الرئيسة ميريه عماطوري وعضوية المستشار عبدالله أحمد والمستشارة باتريسيا فارس). وأتى مؤيدا للتقرير الذي كانت أعدته المستشارة المقررة باتريسيا فارس في هذه القضية.  

وفي تفاصيل المراجعة، تقدّم بتاريخ 04/11/2020 كلّ من رشاد توفيق نقولا وشادي حاتم المسيح، وهما من سكان بلدة أنفة في جوار العقار موضوع الترخيص، بالتعاون مع المفكرة القانونية بدعوى أمام مجلس شورى الدولة طلبا فيها إبطال القرارين المذكورين أعلاه وذلك لمخالفتهما الفادحة والبديهية للأحكام القانونية والتنظيمية المرعية الإجراء. وإذ نتناول تفاصيل النقاش القانوني الحاصل في هذه القضية والتي حسمتْه الهيئة الحاكمة بقبول الدعوى، سنعود من ثم إلى إبداء أهم ملاحظاتنا على هذا القرار. 

1- النقاش القانوني في هذه القضية

استند المُستدعيان في دعواهم إلى جملة من المخالفات، أبرزها الآتية:

– السماح لمؤسسة مصنفة صناعية بأن تنشأ في منطقة تقع على أملاك بحرية مصنّفة منطقة سياحية مخصصة فقط للإنشاءات السياحية بموجب القانون،

 – إعطاء رخصة استثمار كمؤسسة صناعية لبناء غير مبني وغير منجز بعد أي من دون التثبت من مطابقة الخرائط والشروط المحددة في قرار الترخيص ومن دون الخضوع للإشراف الإداري الذي يشكل ضمانة لحماية حقوق محيط المؤسسة في سبيل تفادي الأضرار والمحاذير الناشئة، حيث أن الترخيص أعطي دون التأكد مما إذا كانت المؤسسة المرخص لها قد اتّبعت التدابير اللازمة لحماية محيطها مما يشكل تنازلاً صريحاً عن ضمانة أساسية وضعها القانون لخدمة الصالح العام.

والأخطر أن القرارين المطعون بهما قد صدرا خلافا لتوصيات لجنة الترخيص التي أجمعت على رفض إعطاء الرخصتين. 

إلا أنه وبالرغم من بداهة وفداحة هذه المخالفات وإقرار الدولة بها، لم تعلن هذه الأخيرة تراجعها عن عن القرارين المطعون فيهما كما يجدر بالخصم الشريف أن يفعل، بل عمدت إلى مواجهة المستدعية بحجج جاز وصفها بالعبثية وغير المنطقية. وقد أيّدها بذلك مفوض الحكومة المعاون لدى مجلس شورى الدولة ناجي سرحال الذي اتخذ موقفاً شديد الغرابة ذهب إلى حدّ تحريض قضاة شورى الدولة على مخالفة القانون اعترافا بالأمر الواقع. كما وشارك المقرر إدخاله المستفيد من الترخيص السيد عمر موصلي بالدفاع عن القرارين من دون الارتكاز إلى أسناد قانونية جدية.

وبالعودة إلى الحجج والحجج المضادة، أمكن تصنيفها على النحو الآتي: 

  • الصفة والمصلحة في الطعن في تراخيص الإنشاءات الصناعية

أول حجج الإدارة والجهة المستفيدة من الترخيص تمثلت في كون الجهة المستدعية لا تتمتّع بالصفة والمصلحة اللازمتين لتقديم المراجعة، على اعتبار أنها لا تمتلك ولم تنشئ مباني مجاورة لموقع المؤسسة المرخص بها، فضلا عن أنّها لم تثبتْ المسافة بين مكان سكنها وهذا الموقع. وقد ردّ مجلس شورى الدولة هذه الحجة على أساس أحكام المادة 31 من المرسوم الاشتراعي رقم 21/32 والتي اعتمدتْ معيار المجاورة كمعيار أساسيّ للقوْل بتوفّر الصفة والمصلحة للطعن في قرارات الترخيص بإنشاء واستثمار المحلات المصنفة، وذلك استنادا إلى احتمال حصول الضرر واستهدافه مجاوري المحلات المصنفة. بمعنى أنه اكتفى بإبراز إفادتي السكن في أنفة المبرزتيْن من الجهة المدّعية من دون التشدد في إثبات المسافة الحقيقية بين مكان السكن وموقع المؤسسة المطعون في ترخيصها أو الضرر الفعلي، معتبرا “أن روحية المرسوم 21/32 قد اتّجهت نحو توسيع دائرة الأشخاص الذين تتوافر لديهم لا تضييقها”. 

  • سلطة الوزير المطلقة؟ 

هنا، وإذ أدلتْ المدّعية بأنّ لجنة الترخيص في محافظة جبل لبنان الشمالي قد أوصت بإجماع أعضائها الحاضرين بعدم الموافقة على ترخيص الإنشاء المطلوب وعلى الترخيص بالاستثمار، أدلت الإدارة والجهة المستفيدة من الترخيص أنه يبقى لوزير الصناعة إمكانية تجاوز رفض اللجنة بإصدار قرار معلل، وهو ما فعله حين أخضع المستفيد من الترخيص لشروط بيئية وصحية وتنظيمية!  

وقد أكد القرار، في معرض نسفه هذه الحجة، أنه سواء كان القراران بالترخيص معلّلين أم لا، سواء تضمّن الملف الإداري مبررات موقف الوزير المخالف لموقف لجنة الترخيص أم لم يتضمنها، فإن الصلاحية المسندة لوزير الصناعة بمنح الترخيص لمؤسسة صناعية خلافاً لرأي لجنة التراخيص لا تحلّه من موجب التقيد بمبدأ الشرعية أي بوجوب توافق الترخيص مع الأحكام القانونية التي ترعى موضوع التراخيص الصناعية وعلى الأخص الشروط الفنية والصحية والبيئية المفروضة لصحة الترخيص.

  • انعكاسات واقع استعمال الأراضي في المنطقة على نفاذ التصميم التوجيهي

إذ أدلت المدعية بأن من شأن تصنيف المنطقة منطقة سياحية أن يمنع منح أي ترخيص لمنشأة صناعية، أدلت الإدارة والجهة المستفيدة من الترخيص أن العقار الذي تقوم عليه المؤسسة يقع في منطقة صناعية بامتياز وهو ملاصق لمعمل شركة الترابة الوطنية وبقرب العديد من المؤسسات الصناعية ومستودعات تخزين المحروقات العائدة لها وأن تصنيف المنطقة بأنها سياحية يتناقض مع واقع الحال في شكا وأنفة ويجعل من المتعذر استثمار أي مشروع سياحي على العقار المذكور, وقد بلغت العبثية أوجها في مطالعة مفوض الحكومة الذي ذهب رغم إقراره بأن الترخيص يخالف تصنيف المنطقة إلى حدّ دعوة القضاة إلى مخالفة الانتظام القانوني العام، معتبرا أن مخالفة هذا الانتظام هو بمثابة شجاعة منهم. وقد بدا في ذلك وكأنه يخلط بين الشجاعة في تطبيق القانون وتطويره والتمرد على دولة القانون والحق. وقد توجّه إلى قضاة مجلس الشورى لتشجيعهم على اتخاذ قرارات مخالفة حكما وبداهة للقانون، مرتكزاً بذلك إلى حريتهم بتفسير النصوص القانونية. 

وقد ردّت الهيئة الحاكمة هذه الحجة بشكل قاطع مؤكدة على ضرورة احترام والتقيد بتصنيف المنطقة التي يقع فيها العقار موضوع المراجعة، والتي هي منطقة مخصصة فقط للإنشاءات السياحية غير الثابتة، ممّا ينسف إمكانية إنشاء أيّ مؤسسة صناعية أو محلّ مصنّف ضمنها. وقد أضاف القرار أنه عندما يمنع نظام المنطقة إنشاء المؤسسات الصناعية فلا يمكن لأي تدابير متخذة الحؤول دون المحاذير والأضرار الناتجة عن قيام تلك المؤسسات في المنطقة المحظورة، مؤكّداً أنّه لا يمكن التذرع بوجود مؤسسات صناعية أخرى قائمة ضمن المنطقة المصنّفة سياحية للتسليم بحقّ إنشاء مؤسّسة صناعية إضافية، على اعتبار “أنه لا يمكن التذرع بمبدأ المساواة في معرض مخالفة أحكام القانون.”

وختاما، أكدت الهيئة الحاكمة على المخالفة البديهية مؤكّدة أن الترخيص بالاستثمار هو غير قانوني ويستوجب الإبطال لصدوره قبل إتمام أعمال إنشاء البناء وتجهيزه، وذلك تطبيقاً  للمرسوم رقم 8018/2002  الذي يفرض إنجاز الإنشاء لتمكين لجنة الترخيص المختصة الكشف على المؤسسة المنشأة والتثبت من أن عملية الإنشاء والتجهيز مطابقة للخرائط والشروط المحددة في قرار الترخيص بالإنشاء قبل منح ترخيص بالاستثمار.

2-ملاحظات على مضمون القرار وأبعاده

انطلاقاً مما تقدم، يستدعي القرار ملاحظات عدة أبرزها الآتية:

  • خطوة إضافية لتعزيز صفة المواطنين في الدفاع عن الشرعية: 

أوّل ما نلحظه في القرار هو تمسّك شورى الدولة بضمان حقّ أبناء المناطق المجاورة للمنشآت المصنّفة للدفاع عن مناطقهم من تعسف السلطة التنفيذية، مكتفيا بثبوت كونهم أبناء البلدة من دون التشدد في قياس المسافة الفاصلة بينهم وبين المؤسسة المطعون في ترخيصها. وقد برر ذلك  صراحة بروحية المرسوم رقم 21/32 الذي اتّجه نحو توسيع  دائرة الأشخاص الذين تتوافر لديهم الصفة والمصلحة، بهدف حماية المنطقة من أي خطر ناجم عن الترخيص بمنشآت مصنفة. وعليه، يكون قد سجل نقطة إيجابية في معركة اكتساب الصفة والمصلحة في الطعن في القرارات الإدارية والتي تخوضها المفكرة القانونية منذ سنين بهدف الوصول الى دولة القانون.

  • ضمان نفاذ النظام القانوني (التصاميم التوجيهية) في مواجهة الأمر الواقع: 

يُسجّل أيضاً للقرار تمسّكه في تنفيذ النظام القانوني لمنطقة أنفة وحقّها في التمتع بتنظيم يتناسب مع موقعها وتاريخها في مواجهة قوى الأمر الواقع وتماهي الإدارة معها. وما يزيد من أهمية هذا التوجه هي مطالب الإدارة وحتى مفوض الحكومة المعاون بوجوب تغليب الواقع ومن ضمنه تواجد شركة الترابة في منطقة شيكا على التصاميم التوجيهية، وعمليا بوجوب تغليب التعسف الحاصل بقوة المصالح وربما الفساد على التخطيط العقلاني والمؤسساتي لتمكين منطقة أنفة من الاستفادة من مواردها وميزاتها ضمن مشروع وطني متكامل. وليس أدلّ على أهميّة ما انتهى إليه القرار من انعكاسات تواجد شركة الترابة في المنطقة، ومنها مواصلة استثمار مقالع في الكورة منذ عقود على نحو عطّل قوانين حماية البيئة بالكامل، كل ذلك بحجة وجوب تغليب مصلحة الشركة في استثمار مقالع قريبة من معاملها على قوانين حماية البيئة وفي مقدمتها مرسوم 8803/2002 والذي يمنع تماما إقامة مقالع في المناطق السكنية ومنها الكورة. من هذه الزاوية، جاء القرار ليتكامل مع القرارات التي أصدرها مجلس شورى الدولة بإبطال قرارات تمديد المهل الإدارية لمواصلة استثمار المقالع لمخالفتها أحكام هذا المرسوم. 

وقد تضاعفت هذه الأهمية حين وضع المجلس حدّا للتذرّع بالمخالفات السابقة لتبرير المخالفة الحالية بتأكيده على أنه لا يمكن التذرع بمبدأ المساواة في معرض مخالفة أحكام القانون. وقد جاء موقفه هنا بمثابة ردّ على ممارسة شاذة قوامها تبرير المخالفة بمخالفة سابقة لها وصولا إلى تعميم المخالفة ونسف النظام القانوني برمته. 

  • القاضي حامٍ للشرعية أم للمصالح المناوئة للشرعية؟ 

من أهم ما يستوقفنا أيضا في هذه القضية هو الجدل الحاصل فيها بشأن دور القضاء الإداري. ففي حين أن الجهة المدعية ناشدت القضاء أداء دوره في ضمان الشرعية ونفاذ القانون، ذهب مفوض الحكومة المعاون في تماهٍ منه مع مطالب الإدارة والجهة المرخّص لها إلى دعوة القضاة إلى التجرؤ على تجاوز النص القانوني في اتجاه تكريس الأمر الواقع الذي يتمثّل في إقامة منشآت مصنّفة وصناعيّة في المنطقة. وقد أتى موقف شورى الدولة هنا حاسما في استبعاد هذه الحجج على أساس أن القانون يبقى ملزما وأن حماية الطابع السياحي للمنطقة يتنافى مع منح أي ترخيص لمؤسسة صناعية. 

  • تنفيذ القرار وما بعده 

أخيرا، لا بد من التساؤل فيما إذا كانت الإدارة ستعمد إلى تنفيذ القرار القضائي عملا بالمادة 93 من نظام مجلس شورى الدولة الذي ينصّ صراحة على الطابع الملزم لقراراته، أم أنّها ستجد نفسها هنا أيضا في حالة تماهٍ مع أصحاب المؤسسة؟ ويتلازَم هذا التساؤل مع تساؤلٍ آخر لا يقلّ أهمية، بشأن المسؤوليات الجزائية والمدنية لوزير الصناعة الذي استغلّ سلطته لمنح ترخيص مخالف بداهة للنظام القانوني، مستهترا بالأضرار التي يسببها قراره على أهل المنطقة ومواردها.  

للاطلاع على قرار مجلس شورى الدولة كاملا

انشر المقال



متوفر من خلال:

بيئة وتنظيم مدني وسكن ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، اقتصاد وصناعة وزراعة ، قرارات قضائية ، لبنان ، مقالات



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية