ألف سجين ثبتَت إصابتهم بكورونا “والله الشّافي”


2021-02-03    |   

ألف سجين ثبتَت إصابتهم بكورونا “والله الشّافي”
شبّان يجلسون على أسرّتهم في إصلاحيّة الأحداث في الفنار في غرفة ضيّقة لا تسمح بالتباعد في حال إصابة أحدهم بكورونا، شرق بيروت، الجمعة 13 شباط 2015. (داليا خميسي)

يقضي السجين X، كما يسمّي نفسه، عامه السادس بين 4 جدران، في سجن زحلة، حيث يمضي محكوميته. تسأله عن تجربته في السجن في زمن كورونا فيعود إلى أيلول 2020 حين شعر بعض النزلاء ممن يتشارك معهم الزنزانة بعوارض إنفلونزا شديدة ما استدعى إخضاعهم لفحوص PCR. ويروي كيف “وقف عنصر الأمن في باب غرفتنا وقرأ أسماء المصابين بكورونا وكانوا 13 سجيناً، ثم غادر”. كان X يعيش مع 32 آخرين في مساحة 10 أمتار طول وأربعة أمتار عرض: “فاتحة علبة سردين شي مرّة؟”، يسأل، ليكمل “نحن منّام متل السمكات بالعلبة، راس وكعب وع جنابنا”. غادر الدركي، فنظر السجناء إلى بعضهم البعض، ثم جعل الأصحّاء من كورونا يتأملون في وجوه المصابين لـ13 “شو بدنا نعمل؟”، سأل أحدهم، ليجيب آخر “سبرنا سبرهن”، بمعنى “لي بيصير علينا بيصير عليهن، والله الشافي”. لم يكن لديهم خيار آخر، إذ لم تنقل إدارة السجن المصابين إلى مركز حجر، “الكورونا أمامنا والباب المقفل وراءنا”، يقول ساخراً، ليؤكد عدم وجود مركز حجر في سجن زحلة حتى اليوم. 

بعد يومين، بدأت الأعراض تنتاب X: “عملوا لي فحص طلعت مكَوْرن”. يقول إنّه توجّع كثيراً وبقي بلا دواء حتى أرسلت له عائلته عقاقير علاج الفيروس من بيروت إلى زحلة: “شو ما وجعنا بيعطونا آدول، ما عندهم غيره”. بقي ثلاثة أيام بالكاد يتمكّن من الوقوف على قدميه “بس الحمدالله ما ضاق نفسي”. فكر أنّه قد يموت في السجن بعيداً عن عائلته “كتير خفت”. اليوم لا يجرؤ هذا السجين على الخروج من غرفته “عرفنا من يومين إنّه تنين من الدركيّي معهم كورونا”، يؤكد. وكان المصابان من الدرك مسؤولين عن حفظ الأمن داخل السجن “يعني يمرقوا ويسلّموا علينا بإيديهن”. يخاف X أن يصاب بالعدوى ثانية “ما بدي موت بالكورونا، يمكن هالمرة تموتني”. ويسخر مما يقال عن تطبيق معايير النظافة “اليوم صرنا 22 سجين بالغرفة وحمامنا معنا، لوما نحن منعطي كروزين دخان لسجين سوري لينضّف الحمّام مرّتين بالأسبوع كانت الجراثيم بتاكلنا”. اقتصرت مواد التعقيم على توزيع إحدى الجمعيات حصّة واحدة تحتوي على “معقّم عبوة شامبو وصابونتين”، كما يقول، ليسأل “قديش بدها تضاين؟”. لا يوجد مياه ساخنة في السجن “منحط شريط كهربا (ريزيستانس) ومنسخّن بالسّطل ومنتحمّم”.

من زحلة إلى روميه

في الأسبوع الأخير من شهر كانون الثاني 2020، أي قبل نحو عشرين يوماً من كتابة هذا التحقيق، نُقل أحد سجناء مبنى الأحداث في السجن المركزي في روميه، قسم البالغين، إلى أحد المستشفيات للخضوع لعملية جراحية. بالطبع تقضي إجراءات الوقاية من كورونا إجراء فحص PCR للسجين قبل إدخاله إلى المستشفى، وعليه جاءت النتيجة إيجابية. هنا ارتفعت أصوات السجناء المحتجزين في الغرفة نفسها معه وعددهم 61 سجيناً، فأجريت لهم فحوص كورونا ليتبيّن إصابتهم جميعاً بكوفيد 19، وفق ما أكد أحد سجناء الغرفة لـ”المفكرة”. يعلّق السجين نفسه على الأمر بالقول “طبيعي يعدينا كلّنا، أنا قبل روميه كنت مع 280 سجين بسجن فيه ثلاث غرف فقط، يعني لمّن بيمرض أي حدا الكلّ رح ينعدى”. 

وفي سجن جبيل، وبعدما اشتكى سجينان مؤخراً من عوارض كورونا، وفي الفترة التي استغرقها إخضاعهما لفحص PCR وظهور نتيجته، انتقلت العدوى إلى 11 سجيناً، كما تبيّن إصابة 6 عسكريين “وما حدا عرف مين عدي مين”، كما يقول أحد السجناء.

من غرفة للحجر إلى قاعة استقبال

الإهمال نفسه يتحدث عنه فايز (اسم مستعار) المحتجز في سجن القبّة في طرابلس. يعتبر نزلاء سجن القبّة أنفسهم محظوظين “بعد ما في كورونا عنّا”، يؤكد فايز، ليبدي خشيته من دخول الفيروس عبر الموقوفين الجدد، منتقداً كيفية إدارة حجر هؤلاء قبل توزيعهم على غرف السجن “بيحطّوهن بغرفة قال ليحجروهن، وبيصيروا هالسجنا يروحوا يسلّموا عليهن ويرحّبوا فيهن”. ويسأل إن كانت هذه الطريقة الأفضل لحجرهم وتفادي نقلهم كورونا إلى بقيّة السجناء “ليش بيسمحوا للسّجنا يزوروهم؟ وشو هالحجر هيدا”. فايز مريض قلب “يعني إذا مرضت يمكن موت، وما في دوا بالصيدلية إلّا آدول”، يقول، إذ يكفيه أنّه يمضي اليوم عامه الـ23 في السّجن. ووفق فايز، خفّضت إدارة السجن الزيارات كثيراً، وصار السجناء يلتقون أقاربهم من وراء حاجز زجاجي ويتحادثون عبر الهاتف. من جهتها، تؤكّد القوى الأمنية أنها تؤمّن اتّصال السجناء بذويهم عبر الهواتف الثابتة في السجون وكذلك عبر تطبيق ماسنجر على حساب فيسبوك العائد لقوى الأمن الداخلي للاطمئنان على أحوالهم الصحّية عند الضرورة. مسألة أخرى يشتكي منها فايز “كلّ سبت وأحد بيسكّروا علينا أبواب الزنازين وبيخنقونا”، مستغرباً سبب هذا الإجراء “ما بيكفينا زاربينّا متل الغنم 35 واحد بغرفة بتساع مكسيموم 10 أشخاص؟”.

اكتظاظ السجون 200%

تتباين أرقام نزلاء السجون والنظارات بين فترة وأخرى، لكنها تقترب من 7000 أي ما يشكّل 200% من القدرة الاستيعابية لها. هذه الأعداد تأتي في ظل تخفيف التوقيفات قدر الإمكان وحصرها بالجرائم الخطيرة وتلك التي تهدّد أمن المجتمع، وفق ما تؤكّد مصادر النيابة العامّة التمييزية لـ”المفكرة”: “يعني قليل ما عم يفوت موقوفين جدد”. وكانت قوى الأمن الداخلي قد أصدرت تعميماً منعت فيه سَوق الموقوفين والسجناء من السجون والنظارات وأماكن التوقيف إلى المحاكم لغاية 11 كانون الأول 2020 ثم مدّدته لغاية 5 شباط 2021. وهو أمر يضع السجناء في غرف يشبّهونها بعلب السردين ويضع الدولة في حال انفصام حقيقي ما بين سياسة التباعد الاجتماعي خارج السجون حيث تمنع كلّ التجمّعات وسياسة التكديس في السجون بما يعني استحالة تحقيق أيّ تباعد اجتماعي. وفيما فشلت الجهود في تخفيف الاكتظاظ من خلال العفو الخاص أو العام أو اقتراحات تعليق أحكام التوقيف الاحتياطي أو تقصيره، فإنّ الجهد الأساسي تمّ من خلال نقابات المحامين والقضاء ولجان تنفيذ العقوبات. 

1/7 من السجناء أصيبوا بكورونا

تفيد أرقام المديرية حول إصابات كورونا في السجون عن تسجيل 640 إصابة في السجن المركزي في روميه، ونظارة قصر العدل وسجن القاصرات، لغاية 12/1/2021، بعد إجراء 2454 فحصاً مخبرياً PCR للنزلاء، فيما وصلت حالات الشفاء المخبري والسّريري إلى 631 حالة من أصل العدد الإجمالي.

ووفق الإحصاء نفسه، سُجِّلت 235 إصابة بكورونا في سجن زحلة، وتماثل جميع المصابين للشفاء، إضافة إلى 20 مصاباً في سجن البترون، و14 حالة في نظارة قصر عدل بيروت، وإصابة واحدة في كل من سجن دوما ونظارة قصر عدل النبطية. ويوجد حالياً 3 حالات كورونا في نظارة فصيلة القبّة، و13 حالة في سجن حلبا، وحالتين في نظارات وحدة الشرطة القضائية. ويؤكّد مصدر أمني وفاة سجين واحد هو السجين “غ. د.”، (مواليد 1951)، بعدما أصرّ على العودة إلى السجن رغم سوء حالته الصحية ومعاناته من مرض القلب والضغط وقصور في التنفّس نتيجة التدخين المزمن.

وعلمت “المفكرة” أنّ فريقي عمل منظمة الصحة العالمية والصليب الأحمر الدولي، وخلال جولة تفقدية لنظارة التوقيف تحت جسر العدلية بالقرب من المديرية العامّة للأمن العام، أجمعا على أنّه يجب إقفال هذا السجن، بعدما وصفاه بأنّه “غير إنساني ولا يمكن أن يُطبّق فيه عزل طبّي لأنه غير صحّي إطلاقاً”. 

أمّا بالنسبة للسجون ومراكز التوقيف التابعة للجيش اللبناني، فيفيد مصدر عسكري بـ”عدم وجود إصابات كثيرة” في سجن الريحانية أو في النظارات المعتمدة للتوقيفات “وتتمّ معالجة من يصابون بالفيروس ونقل من يحتاجون إلى الاستشفاء في المستشفى العسكري المجهّز بقسم خاص بكورونا”. ويُشير المصدر إلى أنّ الصليب الأحمر الدولي والمحلّي يزور أماكن التوقيف بشكل دوري، كما تتوافر أدوات التنظيف والتعقيم، ويتم إخضاع الموقوفين لفحص كورونا قبل إدخالهم السجن. 

26 سريراً للمصابين بكورونا من السجناء “بعد طول انتظار”

سنتوقّف عن استغراب الوقائع التي يتحدّث عنها السجناء عندما نعلم أنّ وزارة الداخلية انتظرتْ لغاية بداية تشرين الأول 2020، أي قبل شهرين ونصف فقط، وبعد 8 أشهر على ثبوت أول حالة كورونا في لبنان، لتنشئ لجنة طوارئ لرفع حالة التأهّب في السجون اللبنانية، ولمتابعة الإجراءات اللازمة للحدّ من تداعيات انتشار كورونا. تضمّ اللجنة ضبّاطاً معنيين بالسّجون وآمري السجون والمصالح الصحّية وممثلين عن وزارتي العدل والصحّة ونقابتيْ المحامين في بيروت ومنظمة الصحة العالمية والصليب الأحمر الدولي واللبناني ونقابتي الأطباء والممرضين والممرضات وبعض الجمعيات.

يشير متابع لاجتماعات لجنة الطوارئ التي تُعقد كلّ أسبوع أو 15 يوماً، وفق ظروف كورونا، إلى أنّ الحال أصبحت اليوم أفضل ممّا كانت عليه نسبياً، برغم أنّ المتوفّر لا يؤمّن الحد الأدنى ممّا تتطلّبه السجون. ويلفت إلى أنّ الوضع في البداية “كان معقّداً، حيث كان المسؤولون الأمنيّون عن النظارات والسجون ومراكز التوقيف الأخرى مربكين ولا يعرفون كيف يتصرّفون في ظلّ ضعف الإمكانيات، إذ لم يكن يوجد غرفٌ للحجر ولا للعزل في مُعظم أماكن التوقيف”. ويشير المصدر إلى أنّ أغلب الموقوفين الجدد كان يتمّ إدخالهم إلى السجون بشكل عشوائي، ومن دون حجر مُسبق، أو إجراء فحوصات PCR أيضاً، وهذا ما أكّدته المعطيات التي وصلت إلى لجنة الطوارئ” وما عكفت على معالجته مؤخراً. 

وعلمت “المفكرة” أنّه بدأ العمل مؤخراً على وضع دليل بإجراءات الحماية من وباء كورونا في أماكن التوقيف والسجون بدءاً من لحظة التوقيف إلى النّقل واستقبال الموقوفين أو عند الكشف عن حالات كورونا بينهم. وقد تسلّمت اللجنة دليل الإرشادات الوقائية بتاريخ 11/1/2021، والعمل جارٍ لتطبيقه بعد أن يقوم ممّثلو منظّمة الصحّة العالمية والصليب الأحمر بتدريب العناصر لهذه الغاية. كما تمّ وضع واعتماد دليل آخر لصانعي القرار.

ووفق ما أشار إليه بعض أعضاء اللجنة لـ”المفكرة”، فإنّ المديرية العامّة لقوى الأمن تواجه مشكلة عدم توافر الأسرة للسجناء المصابين بكورونا في المستشفيات الحكومية أو الخاصّة. فبعد طول انتظار، تمّت الموافقة على تخصيص 11 سريراً فقط للسجناء في مستشفى ضهر الباشق و13 سريراً في مستشفى عبدالله الراسي –حلبا الحكومي. ولكن الملفت أنّه لم يتمّ تأمين الفريق التمريضي ولا التجهيزات العائدة لهذه الغرف والأسرة إلّا منذ فترة قصيرة. كما تمّ تأمين سريريْن فقط في مستشفى الياس الهراوي الحكومي في البقاع. ولم يتم التوصّل في المقابل إلى أيّ اتفاق مماثل مع باقي المستشفيات لتخصيص أسرّة للسجناء فيها رغم مناشدة المعنيين في وزارة الصحّة ونقابة أصحاب المستشفيات الخاصّة بضرورة الاستجابة وتأمين أسرّة خاصّة للسّجناء المصابين بكورونا. وإضافة إلى وجود مركز للحجر في روميه، تمّ تأمين مكان للحجر في سجن القبّة في طرابلس بتمويل من إحدى الجمعيات، فيما لا يزال سجن زحلة خالياً من أيّ مكان لعزل المصابين أو المشتبه بإصابتهم، وكذلك معظم سجون المناطق.

جهود المنظمّات الدولية

مع ارتفاع عدد حالات كورونا في لبنان، بدأت منظمة الصحّة العالمية، وفق مكتبها في بيروت، “الاتصالات مع المسؤولين في السجون لتقييم الجهوزية في سجن روميه والسجون الأخرى. وتمّ تدريب قوى الأمن في السجون الكبرى على سبل الوقاية والحماية وعلى عوارض كورونا”.

وشمل دعم المنظمة “تقييم الحاجات بناء على المعايير الدولية، بالاضافة الى تدريبات حول الوقاية، ودعم تقني لاستحداث مركز عزل، وقد تم دعم الكادر الطبي عبر إرسال 9 ممرضات وممرضين لتأمين الخدمات الطبية اللازمة والمراقبة في مراكز العزل”.

ووفق ما تؤكّده المتحدثة الإعلامية باسم اللجنة الدولية للصليب الأحمر في لبنان رونا الحلبي، ساهمت اللجنة منذ آذار الماضي في تجهيز جناح لعزل المصابين وآخر لحجر المشتبه فيهم، وغرفة لإجراء فحوصات PCR. كما وزّعت اللجنة معدّات وقاية شخصية ومواد تنظيف وكمّامات وقفازات لليدين والأحذية، و”أوفرولات”. كما ساهمت في تركيب مغاسل على مداخل المباني وفي وضع مبادئ توجيهية حول الاستجابة ورعاية المرضى والعزل الصحّي. كما تساهم المنظمتان بتجهيز مستشفييْ ضهر الباشق في المتن وعبدالله الراسي-حلبا الحكومي لاستقبال مرضى كورونا من السجناء. وتؤكد الشهادات أنّه بفعل نقص الموارد، ثمة اعتماد كبير على هذه المنظمات بدءاً من تأمين الكمّامات وأدوات التعقيم وصولاً إلى تدريب العناصر وتأمين الممرضات والممرضين وتجهيز المستشفيات.

انشر المقال

متوفر من خلال:

أجهزة أمنية ، الحق في الصحة ، جائحة كورونا ، قضاء ، لبنان ، مجلة ، مجلة لبنان ، محاكم جزائية ، محاكمة عادلة ، محاكمة عادلة وتعذيب ، مقالات ، منظمات دولية



لتعليقاتكم