أكثر من 100 ألف سجين في المغرب: هل آن أوان مراجعة السياسة العقابية؟


2023-08-09    |   

أكثر من 100 ألف سجين في المغرب: هل آن أوان مراجعة السياسة العقابية؟

أصدرت مندوبية السجون بالمغرب بتاريخ 07/08/2023 بلاغا أعلنت فيه عن تسجيل رقم قياسي في عدد السجناء حيث بلغ وفي سابقة تعد الأولى من نوعها 100004 سجينا، رغم أن الطاقة الاستيعابية للمؤسسات السجنية لا تتجاوز 64600 سريرا.

بلاغ مندوبية السجون يعيد الى الواجهة إشكالية اكتظاظ المؤسسات السجنية رغم محاولات عقلنة الاعتقال الاحتياطي، وذلك في انتظار نتائج ورش مراجعة القانون الجنائي وإقرار عقوبات بديلة.

مندوبية السجون تدق ناقوس الخطر

عبرت مندوبية السجون في بلاغها للرأي العام عن قلقها البالغ لتسجيل هذا التزايد المهول في عدد السجناء، مناشدة السلطات القضائية والإدارية بالإسراع بإيجاد حلول لمعالجة إشكالية الاكتظاظ بالمؤسسات السجنية، لتفادي ما قد يترتب عن هذا الوضع المقلق من اختلالات أو انفلاتات أمنية، علاوة عن المشاكل التي ترتبط بظروف الإيواء والتغذية والتطبيب والاستفادة من برامج التأهيل لاعادة الادماج؛

ولتقريب الصورة أكثر حول واقع الاكتظاظ ببعض المؤسسات السجنية، أشار بلاغ المندوبية الى السجن المحلي عين السبع بالدار البيضاء كنموذج والذي يتواجد فيه 10877 سجينا، علما بأن طاقته الاستيعابية لا تتجاوز 3800 سجينا.

لجان قضائية لتسريع وثيرة البت في قضايا المعتقلين الاحتياطيين

قبل صدور بلاغ مندوبية السجون، سبق للمجلس الأعلى للسلطة القضائية ورئاسة النيابة العامة أن أصدرت دورية مشتركة بشأن إحداث آليات للتنسيق المحلي والجهوي، لتذليل الصعوبات العملية التي تطرحها ملفات المعتقلين الاحتياطيين.

وحثت الدورية الموجهة إلى الرؤساء الأولين لمحاكم الاستئناف والوكلاء العامين للملك لديها، ورؤساء المحاكم الابتدائية ووكلاء الملك لديها، على إحداث لجنة محلية على صعيد دائرة كل محكمة ابتدائية عادية، بمبادرة من رئيس المحكمة ووكيل الملك، تعقد اجتماعاتها بصفة دورية خلال الأسبوع الأول من كل شهر.

وتعهد إلى هذه اللجنة مهمة دراسة أسباب تعثر سير ملفات المعتقلين، والسعي إلى تجهيزها وعرضها على القضاء في أقصر الآجال، ووضع تقرير عن أشغالها، يتضمن معطيات إحصائية حول ملفات المعتقلين الاحتياطيين، مرتبة حسب أقدميتها، والجهة المعروضة عليها والصعوبات التي تم رصدها، إضافة إلى التدابير التي تم اتخاذها لحسن تصريفها؛ مع إحالة نسخة من التقرير إلى اللجنة الجهوية بمحكمة الاستئناف في غضون الأسبوع الموالي لانعقاد اجتماعها.

كما نصت الدورية على إحداث لجنة جهوية على صعيد كل محكمة استئناف عادية، بمبادرة وإشراف من الرئيس الأول لهذه المحكمة والوكيل العام للملك لديها، تطلع على تقارير اللجان المحلية وتبدي الملاحظات والتوصيات في شأنها، إضافة إلى إعداد تقرير تركيبي حول وضعية الاعتقال الاحتياطي بالدائرة الاستئنافية، مع إحالته على لجان التنسيق المركزي بكل من المجلس الأعلى للسلطة القضائية ورئاسة النيابة العامة قبل متم كل شهر.

وتعقد اللجنة الجهوية اجتماعاتها خلال الأسبوع الثالث من كل شهر بعد توصلها بتقارير اللجان المحلية، مع توجيه الدعوة إلى ممثلين عن المؤسسات السجنية الكائنة مقراتها بدائرة نفوذ محكمة الاستئناف، لحضور أشغال هذه الاجتماعات.

كما تم احداث لجنة للتنسيق المركزي تضم ممثلين عن المجلس الأعلى للسلطة القضائية ورئاسة النيابة العامة، وتعقد اجتماعاتها في الأسبوع الأخير من كل شهر يناير لدراسة تقارير اللجان الجهوية المحالة عليها، ورصد الإيجابيات والسلبيات التي تعترض تدبير ملفات المعتقلين الاحتياطيين.

رئاسة النيابة العامة تتحرك لعقلنة الاعتقال الاحتياطي

من جهتها أصدرت رئاسة النيابة العامة –في وقت سابق- منشورا لعقلنة الاعتقال الاحتياطي وذلك من خلال عدة إجراءات، أبرزها:

  • حث المسؤولين القضائيين في النيابة العامة على الاشراف شخصيا على عدم تحريك المتابعات في حالة اعتقال إلا في الحالات الضرورية، وعند توفر وسائل الاثبات؛
  • حث قضاة النيابة العامة على مساعدة قضاة الحكم في تجهيز ملفات المعتقلين سواء كانت المحاكمة حضورية أو محاكمة عن بعد؛
  • ترشيد الطعون بالاستئناف والنقض في ملفات المعتقلين من طرف النيابة العامة؛
  • التعجيل بإحالة الملفات المستأنفة الى المحكمة الأعلى درجة؛
  • عقد اجتماعات دورية مع قضاة النيابة العامة لمناقشة الأحكام الصادرة بالبراءة لتلافي اصدار أوامر بالاعتقال في عند عدم كفاية وسائل الاثبات..

تفاقم أزمة السجون بالمغرب هل آن الأوان لتغيير السياسة العقابية؟

يبدو ان الاعتماد على المناشير والدوريات الصادرة عن رئاسة النيابة العامة أصبحت غير كافية للحد من تفاقم أزمة السجون، والتي يعود جانب منها الى السياسة العقابية التي تميل بشكل مفرط الى اعمال العقوبات السالبة للحرية، كجواب على كل الظواهر الاجرامية المستجدة، وهو ما برز بشكل واضح في التعديلات المتلاحقة التي عرفها القانون الجنائي والتي اتجهت الى تشديد العقوبات السجنية لمواجهة ظواهر حديثة مثل شغب الملاعب، والغش في الامتحانات، والجرائم الالكترونية، بل وحتى عند فرض حالة الطوارئ الصحية كان السجن هو الجواب لعدم احترام التدابير الاحترازية؛

من جهة ثانية كشفت مخرجات الحوار الوطني حول اصلاح منظومة العدالة عن وجود عدة ثغرات تعاني منها المنظومة العقابية وتتمثل في اتساع هامش السلطة التقديرية للمحاكم بين الحد الأقصى والحد الأدنى، وغموض عدد من النصوص، سهولة اتخاذ قرار الاعتقال الاحتياطي وغياب أي مراقبة قضائية فورية؛ التفاوت في تقدير حالة التلبس وخطورة الأفعال؛ الاكثار من طلبات التقديم والوضع رهن الحراسة النظرية؛ عدم تفعيل بدائل الاعتقال الاحتياطي؛ وغياب العقوبات البديلة؛

في نفس السياق أرجع تقرير حديث للمجلس الوطني لحقوق الانسان ارتفاع معدلات الاعتقال الى عدم وجود معايير موحدة في إصدار الأوامر بالاعتقال  في بعض الجرائم غير الخطيرة من طرف النيابات العامة، إلى جانب  استمرار تجريم المشرع لبعض الجنح البسيطة، بالإضافة الى ضعف إعمال المراقبة القضائية الواردة في المادتين 160و 161من قانون المسطرة الجنائية، وغياب تفعيل الإفراج المقيد بشروط  من طرف وزارة العدل باعتبارها المشرفة على تنفيذ العقوبات، كما أوصت الآلية الوطنية للوقاية من التعذيب بترشيد الاعتقال الاحتياطي والإسراع بإخراج قانون العقوبات البديلةــ، وذلك بعدما سجلت في عدد من زياراتها للمؤسسات السجنية  بأن الاكتظاظ أفرز إشكالات على مستوى التدبير اليومي داخل عدد من السجون  شملت التسيير الإداري، والعمل الاجتماعي، والضبط القضائي، ونقل المعتقلين،  مما أدى إلى عدم تحقيق توزان على مستوى الخدمات المقدمة للسجناء سواء على مستوى الرعاية الصحية أو  التغذية أو النظافة  أو توفير الأسرة الكافية والمناسبة.

وأخيرا يسهم العامل الثقافي بدوره في تفاقم أزمة اكتظاظ السجون نتيجة الاستمرار في سيادة اعتقاد لدى أوساط اجتماعية واسعة بعدم فعالية العدالة الجنائية دون اللجوء الى الاعتقال، وهو ما يظهر من خلال عدة سلوكيات منها الاحتجاجات على قرار المتابعة في حالة سراح، واتهام العدالة بانحراف السلوك أو الانحياز أو القصور أو عدم الفعالية في حالة منح السراح.

مواضيع ذات صلة

الأطباء يُغادرون السجون وصحّة النزلاء على المحك

غضب داخل السجون المغربية بسبب تطبيق النموذج الأمريكي في تصنيف النزلاء

الكورونا تتوغل في سجون المغرب: دعوات بتخفيف عدد السجناء الإحتياطيين

هاشتاغ “من حقي الحصول على الملف الطبي” تضامنا مع الزفزافي: مندوبية السجون تفضح أسرارا طبية بعد حجب ملف سجين عن عائلته

شكاوى من ظروف نقل المعتقلين من السجون إلى المحاكم بالمغرب

محامو حراك الحسيمة يحتجون على ظروف التخابر مع موكليهم ومندوبية السجون توضح

ملاحظات حول مشروع قانون العقوبات البديلة في المغرب

المحاكمات عن بعد بالمغرب بعد سنتين من التطبيق

توجه جديد للقضاء بالمغرب في قضايا الإدمان: الإيداع في مؤسسة للعلاج
اقتراح تخفيض السنة السجنيّة: أو حين نعالج اكتظاظ السجون بفتحها

اكتظاظ السجون أمام تحدّي الكورونا: مناقشة لحقوق المحتجزين على ضوء مبدأي التناسب وتخفيف المخاطر

شهادة محامٍ لبناني: خطوات ضرورية لتجنب انفجار السجون

دروس من زمن الكورونا: للقضاء دور في علاج أمراض السجون كما في صناعتها

أوضاع السجون المصرية: زيارات لجان حقوق الانسان وغياب النيابة العامة

حالة موت مستراب داخل أحد السجون التونسية

انشر المقال

متوفر من خلال:

مقالات ، المغرب ، محاكمة عادلة ، الحق في الحياة



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية