أطفال بيروت ليسوا بخير: من سلم من الإصابة صحّته النفسية مهدّدة


2020-08-20    |   

أطفال بيروت ليسوا بخير: من سلم من الإصابة صحّته النفسية مهدّدة
أب وابنته أمام دمار المرفأ (صورة متداولة على تويتر لم يتمّ تحديد مصدرها)

جاء تفجير مرفأ بيروت ليرسّخ الخوف والقلق الموجود أصلاً في نفس الطفل اللبناني نتيجة الأزمات المتلاحقة من أزمة إقتصادية وموسم دراسي غير مستقر وإغلاق وخطر صحّي ناجم عن جائحة كورونا. والأسوأ أنّ التفجير قضى على المساحة الآمنة الأخيرة والأكيدة لدى الأطفال (والكبار أيضاً) ألا وهي منزلهم.

الأطفال الناجون يخشون الموت

يستذكر ناجي وهو أب لأربعة أطفال يوم التفجير و”العصف” الذي دفعه هو ومساعدته بعيداً داخل المؤسسة التي يعمل فيها والتي تحطّمت بالكامل وكيف أنّه ما إن استعاد وعيه حتى تملّكه خوف كبير على بناته. ويقول إنّه حين وجدهنّ كنّ في حالة مرعبة تحت ركام سقف بيتهم القديم في الجميزة جميعهنّ مصابات بجروح ولكن على قيد الحياة.

يعتقد ناجي أنّ “عجيبة” أنقذت بناته، ويؤكّد أنّه رغم أنّه خسر كلّ ما بناه لسنوات، إلّا أنّ كلّ ذلك لا يوازي مشهد دماء بناته على الأرض نتيجة جروح أصبن بها في الرأس والأرجل واليدين بينها إصابة خطيرة في يد لين ابنة العاشرة التي تسببت بانقطاع وترين فيها. ورغم مرور أيام على التفجير، إلا أنّ البنات ما زلن يرفضن فكرة العودة إلى المنزل لأنهنّ ما زلن تحت وقع الصدمة.

فاليري أيضاً التي تعيش في منطقة مار مخايل المنكوبة دمّر بيتها بالكامل وكان ابنها البالغ 15 سنة موجوداً في المنزل وأصيب بجروح متوسّطة وبدأ يتعافى. إلّا أنّها تقول لـ”المفكرة” إنه ما زال يعاني من اضطراب في النوم والعزلة، والأسوأ أنّه لا يكف عن ترديد عبارة “لا أريد أن أموت”.

هؤلاء هم عيّنة من عشرات الأطفال في بيروت الذين تعرّضوا لضرر جسدي ونفسي كبير في 4 آب من مواجهة قوّة الانفجار الهائل وهدم منازلهم فوق رؤوسهم والتعرّض لجروح عميقة ورؤية مشاهد عنيفة فضلاً عن خسارة بيوتهم وتشوّه ذاكرتهم بالدم والغبار والنار.

مسح اليونيسيف: الأطفال والتشرد

وبحسب مسح أجرته منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) فإن ثلاثة أطفال قتلوا على الأقل في تفجير بيروت، وجرح ألف آخرون، فيما قدّر عدد المتضررين المباشرين  بـ 100ألف طفل تضررت منازلهم أو تعرّضت للدمار الكامل، في وقت تعيش عائلات كثيرة في ظروف معيشية سيئة ولا تتوفر لها فرص مناسبة للحصول على المياه والمرافق الصحية. وحسب هنرييتا فور (المديرة التنفيذية لليونيسف) فإنّ المنظمة تعمل لإنقاذ مخزون اللقاحات وتوزيع المياه والمساعدة في إزالة الأنقاض، قائلةً: “إننا نثق بمؤازرة الجهات المانحة لمساعدتنا في دعم الأطفال والعائلات الذين تضرروا من هذه الفاجعة، والذين سيحتاجون إلى كل الدعم الذي يمكنهم الحصول عليه لإعادة بناء حياتهم”.

وطالبت اليونيسيف في نداء بتمويل عاجل بقيمة 46.7 مليون دولار لمساعدة 100 ألف طفل خلال الثلاثة أشهر المقبلة. وأوضحت نائبة ممثلة اليونيسف في لبنان، فيوليت سبيك- وارنيري  في مقابلة أجرتها معها “المفكرة” عبر البريد الإلكتروني أنّ نداء المنظّمة يركّز على أهداف متعددة، من ناحية أولى الحفاظ على صحة الأطفال الجسدية والنفسية والإجتماعية، الحماية من العنف وتأمين اللقاحات. كذلك المساهمة في إعادة تأهيل الخدمات الأساسية التي تحافظ على سلامة الأطفال، مؤكدة أن المناشدة تغطّي “إعادة تأهيل 16 مركزاً متضرّراً من مراكز الرعاية الصحية الأوّلية التي تخدم 160 ألف شخص، وتزويدها بالإمدادات المُلحّة، بما في ذلك أدوات الحماية الشخصية الضرورية التي يحتاجها العاملون في مجال الصحة وعاملوا الخطوط الأمامية، لأنهم يقومون في الوقت ذاته بالاستجابة لجائحة  كورونا، إلى جانب “إعادة تأهيل المدارس المتضررة، والتأكد من إمكانية استمرار الأطفال الذين تضررت بيوتهم في التعلُّم”.

ولفتت فيوليت سبيك- وارنيري إلى مساهمة المنظمة في رفع الحطام من خلال دعم الشباب المتطوّعين، آملةً في توفير التدريب والموارد لتزويد آلاف اليافعين بالمهارات التي يحتاجون إليها في مجالات النجارة، السباكة أو البناء، لكي يشكّلوا جزءاً من جهود إعادة البناء.

الخطر النفسي داهم

لا يتوقّف الضرر اللاحق بالأطفال عند الحاجز الجسدي، بل بلغ أعلى مستوياته عند الشق النفسي. ولم يقتصر على من تضرر مباشرة من تفجير 4 آب، بل من عايشه من الأطفال عبر مواقع التواصل الإجتماعي. تؤكد د. هلا كرباج الطبيبة النفسية والأستاذة المحاضرة في كليّة الطبّ في جامعة القديس يوسف في بيروت أنّ الأطفال الذين تعرّضوا مباشرة للتفجير هم “الأكثر تضرراً”، وينسحب الضرر بصورة غير مباشرة على من تعرّض للمشاهد عبر الإعلام ووسائل التواصل الإجتماعي، لذلك فإنّ التداعيات النفسية، والسلوكية، والعاطفية أمر طبيعي لأن الحدث الذي وقع إستثنائي. وتوضح كرباج أنه لا يمكن الحديث عن أمراض نفسية قبل مرور فترة زمنية تتراوح بين الشهر والشهرين، واستمرار عوارض ما بعد الصدمة.

تتنوّع العوارض النفسية لدى الأطفال، بحسب كرباج، ومنها التعلّق الزائد بالأهل، نوبات الغضب عند البُعد عنهم، أوجاع في الجسد والرأس، الانطواء، العدوانية زائدة، سرعة الانفعال، إلى جانب تخيّل الحادث والخوف من تكراره، التبوّل اللاإرادي، صعوبة في النوم، الخوف من العتمة، الكوابيس.

ويعتمد العلاج النفسي كثيراً على كيفية تعاطي الأهل مع الأبناء الصغار لأنه على ضوء ذلك ستخف العوارض أو تزداد. وتنصح كرباج الأهل بالبقاء إلى جانب أبنائهم لأنهم مصدر الأمان للطفل، وعدم الكذب عليهم حيال ما حصل، وأن تتناسب “رواية الموت” مع سن الولد، وتشجيعه على التعبير عن ذاته وعدم كبته. وتلفت إلى أنّ الأطفال بحاجة إلى تكرار رواية ما حدث من خلال الكلام، اللعب، أو الرسم، مؤكدةً أنه يمكن للأهل مساعدتهم على التعبير ومشاركتهم الأحاسيس، وإعطائهم الوقت الكافي للتعبير، والحفاظ على روتين النوم والطعام.

وتدعو كرباج الأهل إلى تجنّب مشاهدة الأخبار والتسجيلات العنيفة أو مناقشتها أمام أولادهم، والاستعاضة عنها بإحتضانهم ومشاركتهم التجارب وطمأنتهم. وتقول إنّ ” بإمكان الأطفال تجاوز التجارب الصعبة بصورة أسرع من الكبار إذا تمّت مساعدتهم والإصغاء لهم”، لأن عدم الاستماع إليهم قد يؤدي إلى إضطرابات نفسية جدية مثل الاكتئاب والقلق المزمن.

وتعتقد كرباج أنّ معظم الأشخاص قد لا يحتاجون إلى دعم نفسي في الفترة الأولى اللاحقة للصدمة بفعل احتضان العائلة والمحيط، إلا أن هناك شريحة لن تتمكن من تجاوز ما حصل معها، وسيحتاج هؤلاء إلى أخصائي، وتحديداً عندما لا يتجاوب الطفل مع كل محاولات حثّه على التعبير ومشاركة التجربة وبقي منزعجاً وقلقاً باستمرار، وعبّر عن نيّة في أذيّة نفسه. وتنصح الأهل بالمبادرة للتواصل مع الخط الوطني للدعم النفسي Embrace على الرقم 1564 والحصول على خدمات الصحة النفسية مجانية.

وزارة التربية تتهيأ لمواجهة المخاطر

أدّى المسح الأولي الذي قامت به وزارة التربية واليونيسيف إلى تحديد حوالي 120 مدرسة متضررة في منطقة بيروت الكبرى، الأمر الذي قد يدفع عدداً كبيراً من الأطفال للبقاء خارج صفوفهم. وتتطلع الجهات الرسمية اللبنانية للحصول على دعم دولي من السفارة السويسرية، اليونيسيف والأونيسكو لتخفيف الأعباء المتزايدة على القطاع التربوي.

ويشير ألبير شمعون المستشار في وزارة التربية لـ”المفكرة” إلى أنّ حجم الأضرار تفاوت بين مدرسة وأخرى وأن الأكثر تضرراً هي الأماكن القريبة لمكان الإنفجار، ويعطي مثالاً على الدمار الكبير مدرستي “الحكمة” و”الأشرفية الرسمية – الثالثة”، حيث تحتاج إلى ترميم عاجل لأن “الجدران انتزعت من أماكنها”، ولكي تكون قادرة لإستقبال الأطفال في صفوفهم.

ويشير شمعون إلى أنّ بدء العام الدراسي وعودة الطلاب إلى الانتظام بالعملية التعليمية رهن بما تقرره اللجنة المختصة بمتابعة موضوع كورونا والتي تنسّق بين الوزارات. ويلفت إلى أنّ هناك خطة يتم إعدادها وتتضمن دعم الجوانب الصحية والنفسية والتربوية، وسيعلن عنها وزير التربية والتعليم العالي قريباً.

اللاجئون يواجهون خطراً مضاعفاً

لم تقتصر معاناة التفجير على الأطفال الحاملين للجنسية اللبنانية، بل جاءت لتزيد أعباء اللجوء على شريحة كبيرة من الأطفال الذين يعيشون مؤقتاً في لبنان. وحسب مفوضية اللاجئين التابعة للأمم المتحدة فإن “العشرات من اللاجئين كانوا ضمن ضحايا انفجار بيروت تم تقديرهم بـ 43 شخصاً. فيما أصيب 124 لاجئاً فى الانفجار، من بينهم 20 جروحهم خطرة بينما لا يزال سبعة منهم في عداد المفقودين”. كما يشير التقييم الأولي الذي أجرته المفوضية إلى احتمال تضرّر ما يصل إلى 10 آلاف أسرة من الفئات الضعيفة بشدّة جرّاء الانفجار، وهي بحاجة إلى دعم عاجل. ووضعت المفوضية أولوية لها “في تحديد وتأمين المساعدة الطارئة المقاومة لعوامل الطقس لمن يحتاجون إليها”، واستعادة خصوصية السكان والحفاظ على كرامتهم. كما أنّ المفوضية ستوسّع نطاق عملها للحفاظ على الصحة الذهنية وتأمين الدعم النفسي والإسعافات الأوّلية النفسية، بفعل معاناة الكثيرين من الصدمات النفسية.

انشر المقال

متوفر من خلال:

الحق في الصحة ، تحقيقات ، حقوق الطفل ، لبنان ، مجزرة المرفأ