أسبوع محاكمة 30 متظاهراً أمام المحكمة العسكرية: البراءة لأوّل أربعة 


2021-04-15    |   

أسبوع محاكمة 30 متظاهراً أمام المحكمة العسكرية: البراءة لأوّل أربعة 
من الوقفة الاحتجاجية أمام المحكمة العسكرية (المصدر: شبكة مدى على فيسبوك)

عشرات الدعاوى ضد متظاهرين أمام القضاء العسكري هذا الأسبوع، بتهم “معاملة قوى الأمن بالشدّة” ضد نحو 30 متظاهراً من المشاركين في التظاهرات التي حصلت منذ 17 تشرين الأول 2019، يقابلها أصوات معارضة ترتفع ضد محاكمة المدنيين أمام القضاء العسكري. وتأتي معارضة هذا النوع من المحاكمات إزاء تعمّد النيابات العامة ملاحقة المعارضين من دون تقديم أي أدلّة على ارتكابهم جرائم عسكرية، هذا بدلاً من فتح تحقيقات واسعة في ادّعاء جزء منهم بتعرّضهم للضرب العنيف على أيدي عناصر أمنية، والذي يرقى إلى التعذيب.   

أولى الجلسات انعقدت يوم الاثنين 12 نيسان لعشرة متظاهرين حضر منهم اثنان فقط، كانوا قد شاركوا في التظاهرة في وسط بيروت التي أطلقت الانتفاضة بتاريخ 17 تشرين الأول 2019، وتم توقيفهم ثم ادّعت عليهم النيابة العامّة العسكرية بمعاملة قوى الأمن بالشدّة (المادة 381 من قانون العقوبات). انتهت الجلسة بإرجائها إلى 3 تشرين الثاني 2021 لأجل اكتمال التبليغات بعد رفض المحكمة لطلب المحامية غيدة فرنجية من لجنة الدفاع عن المتظاهرين فصل الملفات كون أحد الحاضرين قد تعرّض للتعذيب بعد إلقاء القبض عليه في التظاهرة. وكان قد تقدّم بشكوى تعذيب في شهر كانون الأول 2019، إلّا أنّ النيابة العامّة العسكرية قامت بحفظها مع عشرات شكاوى التعذيب الأخرى.

ويوم أمس، تاريخ 14 نيسان 2021، انعقدت جلسة لأربعة شبّان شاركوا في تظاهرة أمام ثكنة الحلو تاريخ 15 كانون الثاني 2020، وكانت هذه التظاهرة قد حصلت بهدف المطالبة بالإفراج عن معتقلين متواجدين داخل الثكنة وأوقفوا خلال تظاهرة ضد المصارف في الليلة السابقة. وحينها، تم توقيف نحو 60 متظاهراً خلال فض التظاهرة من قبل العناصر الأمنية المتواجدة في محيط الثكنة. وبعد انتهاء جلسات المحكمة العسكريّة أمس الخميس، أصدرت حكم براءة للشبّان الأربعة المدعى عليهم لعدم كفاية الدليل بالتهمة الموجّهة ضدّهم وهي “معاملة قوى الأمن بالشدّة”. 

 وحصلت الجلسة بالتزامن مع تنفيذ اعتصام خارج المحكمة العسكرية بدعوة من شبكة مدى الطلابية تضامناً مع المدعى عليهم ومن بينهم الطالب مهدي عواضة. ومن المفترض أن تنعقد جلسة غداً الجمعة للنظر في ملف متظاهرين آخرين تم توقيفهم تاريخ 11 شباط 2020 خلال تنفيذهم وقفة احتجاجية أمام المجلس النيابي اعتراضاً على إعطاء الثقة لحكومة حسّان دياب، على أن يُنفّذ اعتصاماً احتجاجياً خارج المحكمة العسكرية الساعة العاشرة صباحاً دعت إليه عدّة مجموعات من بينها قطاع الشباب في الحزب الشيوعي، ونقابة الصحافة البديلة، وغيرهما من المجموعات.   

متظاهر تعرّض للضرب المبرح 

خلال جلسة محاكمة 4 متظاهرين يوم الأربعاء 14 نيسان 2021، وما أن لمح رئيس المحكمة العسكرية الدائمة العميد منير شحادة وكيلة المدعى عليهم الأربعة المحامية غيدة فرنجية حتى قال: “هلأ فهمت الملف”. في إشارة منه إلى الدعاوى المتعددة التي توكّلت فيها فرنجية عن عشرات المتظاهرين مع “لجنة المحامين للدفاع عن المتظاهرين” منذ بداية التظاهرات في 17 تشرين الأول 2019. استجوب العميد شحادة الشبّان الأربعة حول مشاركتهم في التظاهرة والتهمة الموجهة ضدّهم من النيابة العامّة العسكرية، وهي معاملة قوى الأمن بالشدّة. 

إفادات الشبّان الأربعة كانت متشابهة لناحية عدم اشتراك أي منهم في تشابك مع القوى الأمنية المتواجدة في موقع التظاهرة، حتى أنّ جميعهم أكّدوا استسلامهم لحظة الاعتقال. ونشير في هذا الصدد إلى أنّ “المفكرة القانونية” لا تنشر أسماء الأشخاص المدعى عليهم إلّا في حال تثبّتت من موافقتهم على ذلك. وأكد شابّان عدم تعرّضهما لأي عنف من قبل القوى الأمنية، من بينهم ح.ح. الذي شرح أنّه كان متواجداً على مقربة من ثكنة الحلو، “فجأة نظرت خلفي ورأيت الناس يركضون فركضت معهم”. وتابع: “رأيت أحد العناصر يتّجه نحوي وإذ به يوقفني”. وأدلى م. أ. بإفادة مشابهة لناحية عدم تعرّضه للضرب أو لناحية مقاومته للقوى الأمنية لحظة توقيفه. 

واختلف الأمر في إفادة الشاب الثالث وهو أ.م.  الذي أشار إلى أنّ “عنصراً أمنياً اعتدى عليّ، إذ قام بضربي بقوّة على كتفي، فوقعت أرضاً، ووقعت مني نظّارتي”. أضاف، “وصل عنصر أمني آخر وأبعده عني وناولني النظّارة، ومن ثم جرى اقتيادي إلى الثكنة”. ورداً على سؤال العميد شحادة عمّا إذا كان قد حصل بينه وبين القوى الأمنية أيّة مشادّات، أجاب: “أنا لم أقاوم القوى الأمنية، وحين ناولني أحد العناصر نظّارتي هدأت واستسلمت”. وتابع، “أنا أثق بالقانون والعدالة”. فسأله العميد شحادة إن كان لا يزال يثق بالقضاء وأنّه سيصل إلى العدالة هنا؟، أجابه: “بالطبع”. واختلفت شهادة مهدي عواضة الذي أكدّ أنّه تعرّض للضرب المبرح والإهانات اللفظية لأربع ساعات منذ لحظة اعتقاله حتى خلال اقتياده إلى الثكنة ثم خلال التحقيق”. 

ومن ثم سمح العميد شحادة لوكيلة المتظاهرين المحامية فرنجية التي طلبت من المحكمة توجيه أسئلة للمدعى عليهم إن كانوا يعرفون بعضهم، فأجاب جميعهم بالنفي. وشرحت فرنجية أنّ هذا دليل على أنّ التوقيف والادعاء حصل بطريقة عشوائية، ولفتت إلى أنّ النيابة العامة دمجت ملفّات المدعى عليهم الأربعة في ملف واحد، علماً أنه تمّ توقيف ما يقارب 60 شخصاً خلال هذه التظاهرة. وفي مرافعتها شددت فرنجية على أنّ “ما نريد أن نطلبه اليوم ليس البراءة بل نطلب إبطال التعقّبات أي إبطال ادّعاء النيابة العامّة”. وطلبت أن “يرفض القضاء العسكري أن يتحوّل إلى أداة لمعاقبة المعارضة السياسية”. واستوقفتها ممثلة النيابة العامّة في المحكمة العسكرية القاضية مايا كنعان معتبرة أنّ مرافعة فرنجية “ليست دفاعاً إنّما مرافعة سياسية”. فأجابت فرنجية أنّ “الادّعاء غير المبرر للنيابة العامّة العسكرية على مدنيين وغير المبني على أي أدلة هو الادّعاء السياسي”. 

وشرحت فرنجية أنّه “لا دليل قدّمته النيابة العامّة التمييزية والعسكرية على أنّ أيّاً من المدّعى عليهم قد عامل العناصر الأمنية بالشدّة، كعدم وجود أيّ تقرير طبي يُشير إلى إصابات أحد العناصر”. وأضافت: “من غير المبرّر محاكمة المدنيين أمام المحكمة العسكرية في ظل عدم وجود أي جرم عسكري أو أي جرم من الأساس”. واستندت فرنجية إلى المادة 183 من قانون العقوبات التي تنصّ على أنّه “لا يعدّ جريمة الفعل المرتكب في ممارسة حق بغير تجاوز”. وتابعت شارحة أنّ التظاهر هو حق دستوري، ومن الملاحظ أنّ التوقيف العشوائي والادّعاء غير المبرّر بدون أدلّة على المتظاهرين يؤدّي إلى تحويل فعل التظاهر إلى جريمة عسكرية ولا يعد سوى منعاً للمتظاهرين من المشاركة في التظاهرات. واعتبرت أنّ المقصود من هذه الادّعاءات هو فقط معاقبة أي شخص شارك في التظاهرات المعارضة للسلطة السياسية، ووصفت هذه الأساليب بالعقوبات المسبقة والفورية على المشاركين في التظاهرات. واستندت فرنجية إلى قرارات لمحكمة التمييز في هذا المجال تؤكد أنّه “مهما كانت التظاهرات عنيفة، فإنّ مجرّد المشاركة في التظاهرة ليس كافياً للادّعاء على المتظاهرين في غياب أيّ أدلة أخرى”. 

من جهته ارتأى العميد شحادة أن يتوجّه إلى الشبّان المدعى عليهم ليتكلّم معهم بصفة ضابط في الجيش اللبناني وليس كرئيس للمحكمة. فقال شحادة، “أتمنى أن يضع المتظاهر نفسه مكان العناصر الأمنية، هم يقفون في الشارع ويتمّ رشقهم بالحجارة لساعات من قبل المتظاهرين، ويقفون بدون حركة إلى أن تصل الأوامر بأن يتم فضّ التظاهرة وإيقاف مفتعلي الشغب”. وأضاف: “لا يمكن للعنصر الأمني أن يميّز بين الأشخاص، بين من كان سلمياً أو من كان فعلاً يفتعل الشغب”. فأجابته فرنجية، لنسلّم جدلاً بأنّ التوقيف يحصل عشوائياً بهدف حفظ الأمن وفضّ التظاهرات، إلّا أنّه لا مبرّر لأن تدّعي النيابات العامّة أيضاً بشكل عشوائي. 

ويتضح أنّ مكمن الخلل ناتج عن تعمّد النيابات العامّة الادّعاء على المتظاهرين مهما كانت ظروف توقيفهم. وأحد نماذج هذه الادّعاءات ما صرّح به أحد الشباب الأربعة لـ “المفكرة” بعد صدور حكم البراءة وخروجه من المحكمة العسكرية، إذ أكد “كنت أتوقّع البراءة بسبب اطمئناني أنّ لا دليل ضدّي”. ولفت إلى أنّه حين جرى توقيفه أمام ثكنة الحلو، “تم التحقيق معنا بشكل صوري، وبسرعة”. وأضاف، “جرى تدوين إفادتي على المحضر بأنني لم أقم بالاعتداء على أي من العسكر”. ويستغرب الشاب، “ادّعاء النيابة العامّة الذي جاء فيه أننّي قمت باعتراض آلية عسكرية، مع العلم أنّ لا دليل على ذلك”. 

وتحدثت “المفكرة” إلى عواضة الذي أدلى أمام المحكمة أنّه تم الاعتداء عليه بالضرب بشكل متكرّر طيلة أربع ساعات، ولم يقتصر الضرب على لحظة توقيفه فقط، بل استمرّ إلى ما بعد ذلك. ويقول الشاب العشريني: “بعد اعتقالي تم وضعي في السيارة الأمنية مع 6 متظاهرين آخرين، بقينا داخلها لنحو الساعة والنصف وكنا نستنشق الغاز المسيل للدموع إلى داخلها طيلة الوقت”. وأكد عواضة أنّ “العناصر الأمنية داخل ثكنة الحلو قاموا بضربي ومنعوني من إجراء اتصال هاتفي أو تلبية طلبي بالخضوع لكشف طبيب شرعي”. وشرح أنّه تم نقله فيما بعد إلى مخفر رملة البيضاء، وهناك “تعرّضت للكلام المسيء والإهانات المستمرة”. 

اعتصامات وبيانات ترفض محاكمة المتظاهرين عسكرياً

تزامناً مع الجلسة، نفّذت مجموعة ناشطين بدعوة من شبكة مدى الطلّابية اعتصاماً رفضاً لمحاكمة المدنيين عسكرياً. وكانت الشبكة قد دعت للاعتصام على خلفية استدعاء الطالب مهدي عواضة، وهو طالب في الجامعة الأميركية في بيروت كما في الجامعة اللبنانية. وفي نص الدعوة، شرحت “مدى” أنّ “هذا الاستدعاء ما هو إلا استمرارية لنهج القمع والترهيب الذي يتّبعه نظام 4 آب المجرم، تحديداً لإسكات الصوت الشبابي المُنتفض على القائم”. واستنكرت “مدى” “بشدّة هذه المحاولات غير القانونية”. وأكدّت على عدم الاستسلام للقمع والترهيب مهما كان الثمن ومهما كثرت المحاولات لإسكاتنا”. 

ويشرح المسؤول السياسي في شبكة “مدى” كريم صفي الدين في اتصال مع “المفكرة” أنّ “الطلّاب لهم دورهم الأساسي في أي تغيير سياسي، وهو لا يرتبط فقط في حالة البلد الراهنة”. ويعتبر صفي الدين أنّه “من الواضح أنّ الادّعاءات العسكرية على المتظاهرين هدفه منع أي محاولات لاحقة قد يقدم عليها الأفراد للادعاء على القوى الأمنية التي مارست أساليب عنيفة في تعاطيها مع المتظاهرين”. ويرى صفي الدين، أنّ “هذه الادعاءات ليس هدفها سوى التخويف”. 

ومن جهتها، نشرت نقابة الصحافة البديلة بياناً يوم الثلاثاء في 13 نيسان استنكاراً لمحاكمة المدنيين أمام المحكمة العسكرية على خلفية مشاركتهم في التحرّكات الشعبية تحت شعار “المحاكم مش للأحرار“. وطالب البيان، أن ترفع المنظمات الحقوقية الدولية الصوت في وجه المجتمع الدولي “الذي يعتمد سياسة ازدواجية المعايير فيرفع شعارات حقوق الإنسان وحق الشعوب بتقرير مصيرها، ولا يتوانى عن إنقاذ المنظومة الحاكمة التي تمعن بانتهاك حقوق الإنسان في لبنان ويتجاهل إرادة الشعب اللبناني”. ومن جهة ثانية، توجّهت النقابة البديلة إلى الناشطين والمجموعات المنبثقة عن روح “ثورة 17 تشرين”، ودعتهم للمشاركة في وقفة احتجاجية أمام المحكمة العسكرية رفضاً لمحاكمات الرأي يوم الجمعة 16 نيسان 2021. 

وأصدر ائتلاف استقلال القضاء في لبنان بيان استنكار حمل عنوان “القضاء الذي نريد حامٍ للحريّات وليس فزّاعة“، رأى فيه أنّ “النيابة العامة التمييزية أي رئاسة النيابات العامة هي التي أحالتْ ملفّاتهم إلى المحكمة العسكرية، وأن النيابة العامة العسكرية ادّعت عليهم بصورة جماعية بغياب أي دليل على الأفعال المدعى بها”. لافتاً إلى أنّ “بعضهم تعرّض لعنف غير مبرر من عناصر الأمن وأن النيابات العامة لم تلاحق أيا من أفعال العنف هذه”. 

وأكد الائتلاف على عدّة نقاط هامّة، أولها أنّمحاكمة المدنيين أمام المحكمة العسكرية تخالف قيم المحاكمة العادلة والدستور”. وشرح بأنّ “المحكمة العسكرية تفتقد لشروط المحاكمة العادلة المُكرَّسة في العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية والذي يُشكِّل جزءاً لا يتجزّأ من الدستور”. “كما وأن هذه الاستدعاءات تخالف المادة 19 من العهد المذكور والتي تضمن حرية التعبير وانه لا يجب أن يخشى أحد من التعبير عن آرائه ونشرها بكل حرية”. 

وثانياً، لفت الائتلاف إلى استسهال النيابات العامّة في إحالة ملفات فارغة للمتظارهين إلى المحكمة العسكرية، بما يعكس فهما خطيراً لوظيفتها، فإنّها تصرّفت في هذه الدعاوى كأداةٍ للنّظام الحاكم لقمع حريّة التظاهر والاعتراض في تجاوزٍ تامّ لهذه القوانين. وهي بذلك تُكرّر ما فعلتْه ضدّ متظاهري حراك 2015 والذين انتهت محاكماتهم إلى إبطال التعقّبات بحقّهم لغياب أي دليل. ورأى الائتلاف ضرورة فيتحميل النظام الحاكم كامل المسؤولية عن عمل النيابات العامة، طالما أنها غير مستقلة وتابعة له”. وختاماً، شرح البيان أنّ “إحالة 30 مُعترضاً أمام محكمةٍ لا تتوفَّر فيها شروط المحاكمة العادلة وعلى أساس ملفات فارغة إنما يكشف عن نزعة خطيرة لدى النيابات العامة ولدى النظام الحاكم إلى استخدام المحكمة العسكرية كفزّاعة في مواجهة حرية التظاهر ولغاية قمعها”. 

ودعا الائتلاف، “المواطنين كافة للتعبير أفراداً ومجموعات للدفاع عن المدعى عليهم في مواجهة الملاحقة التعسفية بحقهم،  ولمزيد من التآزر وصولاً إلى إقرار قوانين استقلالية القضاء العدلي والإداري والتي يدعمها الإئتلاف من دون أي مسّ في جوهرها، فضلا عن تقليص صلاحيات المحكمة العسكرية لحصرها في الجرائم العسكرية”.

 

انشر المقال

متوفر من خلال:

أجهزة أمنية ، احتجاز وتعذيب ، استقلال القضاء ، انتفاضة 17 تشرين ، قرارات قضائية ، قضاء ، لبنان ، محاكم عسكرية ، محاكمة عادلة ، محاكمة عادلة وتعذيب



لتعليقاتكم