أساليب التعذيب ضد الفئات المستضعفة في تقرير هيومن رايتس ووتش: الهشاشة كمدخل للتعذيب، أي توصيات للحد من هذه الهشاشة؟


2013-08-05    |   

أساليب التعذيب ضد الفئات المستضعفة في تقرير هيومن رايتس ووتش: الهشاشة كمدخل للتعذيب، أي توصيات للحد من هذه الهشاشة؟

بمناسبة اليوم العالمي لدعم ضحايا التعذيب (26 حزيران/يونيو)، نشرت منظمة الـ"هيومن رايتس ووتش" (Human Rights Watch) تقريرا أعدته عن تعذيب الشرطة في لبنان للفئات المستضعفة تحت عنوان "جزء من عملنا"، بإشارة منها الى شيوع التعذيب في المخافر اللبنانية الذي وصل الى حد اعتباره أمراً مبتذلاً. وقد ركزت المنظمة بحثها على مقابلات أجرتها مع 52 شخصا تمت ملاحقتهم على خلفية الاشتباه في انتمائهم الى احدى الفئات المهمشة والمجرمة قانوناً في لبنان، وتحديدا الفئات الآتية: مثليي الجنس والعاملات في مجال الجنس ومتعاطي المخدرات. بالطبع، لا يسمح العدد الضئيل للمقابلات والتي حصلت مع أشخاص تم احتجازهم خلال فترة خمس سنوات (2007-2012) برسم صورة شاملة عن التعذيب في المخافر اللبنانية، الا أنه يظهر بالرغم من ذلك بعض أساليب إساءة المعاملة المتفشية فيها.
هشاشة الفئة المستضعفة كوسيلة لتعذيبها
يبين التقرير أكثر أساليب التعذيب انتشارا وهي الضرب على مختلف مناطق الجسم بالقبضات والركلات وأيضا بواسطة أدوات مثل العصي وقضبان الخيزران، إضافة الى الحرمان من الطعام والمياه وجعل بعض المحتجزين يصغون الى صرخات محتجزين آخرين في محاولة من عناصر قوى الأمن الداخلي لإخافتهم حتى يتعاونوا أو يعترفوا الخ. كما أظهر التقرير أنه وبالرغم من وجود كاميرات في بعض مخافر الشرطة لمراقبة سلوكيات أفرادها، فان عناصرها غالبا ما يتملصون منها من خلال حشر المشتبه بهم في زوايا لا تلتقطها عدسات الكاميرات تمهيدا لضربهم، الى حد أصبحت عبارة "تعال قف هنا" مرادفا للعذاب الآتي.
لكن الى جانب كل تلك الأساليب، يُستشف من التقرير وسيلة أخرى قد لا تقل فاعلية، مفادها استخدام الشرطة للهشاشة الخاصة بهؤلاء الأشخاص للامعان في تعذيبهم.
فمن ناحية، يُظهر التحقيق أن الأكثرية الساحقة للنساء اللواتي تمت مقابلتهن (21 من أصل 25) أفدن أنهن تعرضن لشكل من أشكال العنف أو الإكراه الجنسي وصل أحيانا الى حد الاغتصاب. وقد طال هذا الأسلوب بشكل خاص المشتبه بهن بممارسة الدعارة. وهكذا تخبر احداهن كيف تعرضت لابتزاز عاطفي من قبل أحد رجال الشرطة الذي هددها وابنتها بعقوبات أقسى في حال رفضت ممارسة الجنس معه، فما كان منها الاّ أن تجاوبت مع مطلبه آملة بتخفيف العقوبة؛ وتخبر الأخرى كيف وعدها أحد رجال الشرطة بتزويدها بسجائر في حال سمحت له بلمس أعضائها الحميمية. وبالتالي، يظهر وكأنما من البديهي بحسب رجال الشرطة أن تؤدي المشتبه بهن بممارسة الدعارة، خدمات جنسية لهم مقابل أي شيء أو حتى لا شيء، بصورة أشبه بقصة كرة الشحم لغي دوموباسان[1]. وان عدم تجاوب أي من هؤلاء مع المطالب الجنسية هذه، غالبا ما يعرضها لعنف جسدي يتراوح بين الضرب واللطمات القوية على الوجه.
من ناحية أخرى، يروي بعض المشتبه بهم بإقامة علاقات مثلية كيف تم إخضاعهم لفحوصات شرجية[2] أو كيف تم استغلال هشاشتهم من قبل الشرطة، لانتزاع اعترافات منهم. فيخبر نديم كيف هدده شرطي قائلاً له أنه في حال اعترف تصبح "قضيته قضية صغيرة"، لكن إذا أنكر وجاءت نتيجة الفحص الشرجي إيجابية، تصبح القضية قضية جنائية فيدخل السجن لمدة ثلاثة أعوام. ولما أتت نتيجة فحص نديم سلبية، أفرج عنه الشرطي مشترطا عليه أن يصبح مخبراً لدى قوى الأمن وأن يشي عن المثليين وعن أخيه المشتبه به بتعاطي المخدرات. ويُلحظ هنا أنه في حين ذكر التقرير الفحوصات الشرجية التي تُستخدم لإثبات المثلية الجنسية، لم يأت بالمقابل على ذكر فحوصات العذرية والتي تُستخدم ولو نادرا لإثبات ممارسة الدعارة، وهي وسيلة تعذيب موثق استخدامها في بعض الأحكام الصادرة عن المحاكم اللبنانية بهذا الشأن[3]؛
لكن أكثر أوجه السادية تجلت من خلال حالات استغلال عناصر الشرطة لأعراض الحرمان من المخدر (withdrawal syndrome) كوسيلة لتعذيب المدمنين على المخدرات وإكراههم على الاعتراف. فيروي سعيد مثلاً (وهو أحد المدمنين الذين تم احتجازهم) كيف كان يعاني من ألم بالغ فراح يصرخ ويبكي: "رجوتهم أن يدعوني أقابل طبيباً، لكنهم… استغلوا كوني أعاني من أعراض الحرمان لكي ينتزعوا مني اعترافا ولكي أورط آخرين. كانوا يعرفون أن ألمي يمنعني من المقاومة، ووعدوني بأن يدعوني أُعرض على طبيب إذا أخبرتهم بما يريدون معرفته. لكن لم أقابل طبيبا رغم ذلك. تركوني هكذا على سبيل العقاب".
هشاشة وضع ضحايا التعذيب كمانع أمام مكافحته
توصل التقرير الى نتيجة أساسية مفادها أن ضحايا التعذيب يمتنعون عموما عن تقديم شكاوى ضد مرتكبيه، وأن أسباب هذا التقاعس تكمن في عدد من العوامل، منها اجتماعية، نظراً للوصم الإجتماعي الذي يلحق هذه الفئات أكان لناحية انكشاف الادمان على المخدرات أو الميل الجنسي المثلي أو ممارسة الدعارة، ومنها لوجستية لا سيما لعدم ملاءمة آلية تقديم الشكاوى ضد عناصر قوى الأمن أو أيضا لكون هذه الفئات مجرمة قانوناً. ولكن أحد أهم العوائق والتي أغفل التقرير التركيز على بعض جوانبها، هو أن هشاشة وضع هذه الفئات والمتمثل بشكل أساسي في تهميشها القانوني، يتعزز من خلال استخدام وسائل إثبات مريبة كسيف مصلت ضدها. ومن أهم هذه الوسائل الآتية:
-"كتاب المعلومات" أو "المعلومات" والتي غالبا ما تُستعمل لمباشرة الملاحقة في قضايا تعاطي المخدرات[4] أو الدعارة[5]. والمقصود بهذه المعلومات هي المعلومات الصادرة عن مصدر أمني أو غير أمني، غالبا ما يكون ويبقى مجهولا. وهكذا، تبدأ الملاحقة في كثير من الحالات، تبعاً لمعلومات ضد متعاط، فيتم ابلاغ النيابة العامة بالتفاصيل فتؤشر بتوقيف الشخص موضوع المعلومات ويتم اخضاعه لفحص البول؛ وفي حال تواريه عن الأنظار، يحصل أن يتم تحوير هذه المعلومات لتصبح معلومات عن الاتجار بالمادة، مع ما يستتبع ذلك من تهديد بحبس الشخص موضوع المعلومات لأشهر أو سنوات طويلة. وما يزيد حدة هذه الإشكالية هو استخدام المعلومات، ليس فقط كمنطلق للتحقيقات والملاحقة، إنما أيضاً أحياناً كإثبات للادعاء أو أيضا الظن من قبل قضاة التحقيق.
-"الأسبقيات" وهي عبارة عن بيانات محفوظة لدى المكتب المركزي لمكافحة المخدرات وأيضا لدى مكتب حماية الآداب العامة، والتي يعود بعضها الى ستينات القرن الماضي. ويعمد المكتب الى فتح ملف لكل شخص ترد معلومات عنه من مصادر معلومة أو غير معلومة ويحفظ الملف ويتم تغذيته بأي معلومات أخرى قد ترد بخصوص الشخص المعني. واللافت أن المعلومات تشمل حصرا ما يرد الى المكتب المركزي والمكتب الاقليمي المعني (كتاب معلومات، معلومات، اخبار، شكاية…) أو ما يجريانه من ملاحقات وتحقيقات (استجواب، شهادة، وشاية، استقصاء…) الخ. من دون تضمينه أي معلومات بشأن مآل الملاحقة ضد هؤلاء الشخاص في المحاكم. وهكذا، وعلى فرض تمت تبرئة شخص ما قضائيا من جرم التعاطي، فانه يبقى من أصحاب الأسبقيات وفق ملف مكتب مكافحة المخدرات؛ فيعاد التذكير بها كدليل آخر في أي تحقيق يجري مع الشخص المذكور. وبالطبع، تشكل ملفات الأسبقيات الى جانب كتب المعلومات أدوات جد فعالة لتخويف الأشخاص المعنيين من احتمال "التحطط" عليهم والتنكيل فيهم في أي وقت.
والواقع أن هشاشة أوضاع هؤلاء الأشخاص والتي تتفاقم بوجود وسائل مشابهة هي التي تفسر بشكل كبير تجنب هؤلاء الأشخاص التشكي من سوء معاملة المكاتب المختصة في هذا المجال، ولا سيما بالنسبة الى الذين لا يريدون أو لا يستطيعون الانقطاع عن هذه الأفعال التي تشكل لهم أمورا حياتية أساسية كما هي حال المثليين أو قيودا لا يمكن التملص منها كالارتهان للمواد المخدرة. ففي ظل وضع كهذا، تصبح التقية أمرا له الكثير من المبررات.
تتمة للتوصيات
بعد عرض نتائج المقابلات، خلص التقرير الى عدد من التوصيات أهمها وجوب تعديل المادة 401 من قانون العقوبات لتشمل تجريم جميع أشكال التعذيب والمعاملة السيئة بحيث يصبح تعريف المادة لهذه الجرائم متسقاً مع تعريف اتفاقية مناهضة التعذيب. كما تضمن التقرير عددا من التوصيات الأخرى التي تؤول الى الحد من هشاشة وضع الفئات المستضعفة أكان من الناحية القانونية أو من الناحية اللوجستية، أهمها:
-إلغاء المادة 534 من قانون العقوبات التي تجرم "كل مجامعة على خلاف الطبيعة"، والتي تُستخدم بالتالي لملاحقة مثليي الجنس؛
-إلغاء المادة 523 من قانون العقوبات التي تجرم "الدعارة السرية"؛
-تعديل المادة 49 من قانون أصول المحاكمات الجزائية بحيث يتم صراحة ضمان حق المشتبه بهم في حضور محام أثناء استجوابه ممن الشرطة؛
-فضلاً عن مطالبة وزارة الداخلية بضمان أن يصبح جميع أفراد قوى الأمن الداخلي معرفين بوضوح من خلال ارتدائهم لبطاقات تعريف للاسم والرتبة على الزي الرسمي.
بالمقابل، خلا التقرير حسب رأينا من عدد هام من التوصيات التي من شأنها أن تسهم في الحد من هشاشة وضع الفئات المستضعفة، أبرزها الآتية:
-بالنسبة الى الفحوصات الشرجية (فحوصات العار)، وفي حين ذكر التقرير أنه وبالرغم من اصدار وزير العدل كتابا للنائب العام التمييزي في 11 آب 2012 يطلب منه فيه اصدار أمر الى النيابات العامة المختلفة بالامتناع عن التأشير بإجراء فحوصات شرجية، فان هذا الأمر لم يحصل حتى اليوم بحيث اكتفى النائب العام التمييزي بإعلام النواب والمدعين العامين فحوى كتاب الوزير من دون أي تعليمات باتجاه أو آخر. وكان من الملائم أن يتضمن التقرير توصية بهذا الشأن الى النائب العام التمييزي لمطالبته بذلك أو لهيئة التفتيش القضائي بمحاسبة النيابة العامة في حال مضيها في هذا الأسلوب الذي ثبت طابعه المهين للكرامة الإنسانية وعدم انتاجيته،
-بالنسبة لمتعاطي المخدرات[6]، خلت توصيات التقرير من أي بند يتعلق بتعديل قانون المخدرات، في اتجاه إزالة التجريم الحاصل ضد المتعاطين وإعادة النظر في مقدار العقوبات المفروضة أو على الأقل بتفعيل مبدأ "العلاج كبديل عن الملاحقة" مع الامتناع عن احتجاز أي متعاط على خلفية هذا الفعل. ويُسجل في هذا الإطار أنه يتم في هذه الأثناء طرح مشروع قانون لتعديل قانون المخدرات أعدته مجموعة من الجمعيات المختصة في علاج الادمان في كواليس المجلس النيابي، من شأنه أن يساهم الى حد كبير في تحرير المتعاطي من التهميش القانوني الحالي. كما خلا التقرير من أي توصية تتعلق بتحسين الوضع الصحي للمدمن أثناء احتجازه أو الامتناع عن استجوابه في فترات الفطم، رغم أنه رصد حالات عدة تتعلق باستغلال عناصر الشرطة لعوارض الحرمان من المخدر. ومن المعلوم أن وزير الصحة العامة أصدرت بتاريخ 2/9/2010 قرارا بفتح المجال أمام علاج المدمنين بواسطة البدائل (أي بواسطة مواد واردة ضمن جداول المواد المخدرة)[7].
أخيراً، ورغم أن التقرير قد نُشر في حزيران 2013، أي ستة أشهر بعد مباشرة لجنة مكافحة الادمان لعملها، فمن المؤسف أن يكون بقي خاليا من أي إشارة الى هذه اللجنة وتالياً من أي توصية بشأن متابعة عملها وتنفيذها للقانون بكل ما يضمن للمدمن سلوكه سكة العلاج بدلا من ملاحقته أو معاقبته، علما أن عمل اللجنة ما يزال يعاني من معوقات عدة أهمها عدم مجانية العلاج وقلة فرصه. وهذا ما يفسر أن عدد الأشخاص المحالين اليها لا يتعدى حتى اللحظة 30 شخصا.
-أما بالنسبة للعاملات في مجال الجنس، فقد خلا التقرير عن أي توصية تتعلق بتطبيق قانون الاتجار بالأشخاص الذي صدر بتاريخ 24/8/2011، لا بل خلا من أي توصية تتعلق بتعديل نصوصه وخصوصا لجهة توسيع هامش ابراء الضحية من الملاحقة الجرمية أو أيضا لجهة تعزيز التدابير الحمائية. ومن المعلوم أن هذا القانون أتى نتيجة لضغوط دولية على لبنان (لا سيما الأميركية منها)، فيما بقيت الضحية مغيبة الى حد كبير عن اهتمامات المشرع الذي قام بصياغة نصوصه. بالفعل، فلا يزال الشخص الذي وقع ضحية اتجار بالأشخاص مجرماً في بعض الحالات، وبالتالي يجوز توقيفه والادعاء عليه وادانته، وبالمقابل يخلو القانون من أي تدبير حماية للضحايا[8]. وبالطبع فان هذه العوامل تساهم في تعزيز هشاشة هذه الفئة المستضعفة أكثر مما تحررها منها، ما يحول دون تصديها للتعذيب الذي تقع ضحية له
قوى الأمن الداخلي ترد على التقرير: "بريئة حتى اثبات العكس"
لم تمر أيام على نشر تقرير "هيومن رايتس ووتش" حتى أصدرت المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي بياناً، نُشر على الموقع الالكتروني للوكالة الوطنية للإعلام بتاريخ 8 تموز، ردت فيه على التقرير.
وبدلاً من مباشرة قوى الأمن تحقيقات داخلية (أو أقله الاعلان عن المباشرة بتحقيقات مماثلة) للتحقق من الشهادات التي نُشرت في التقرير، بهدف تحسين العمل داخل هذه المؤسسة العامة، أو العمل على إيجاد حلول لتقاعس الضحايا عن التقدم بشكاوى كالزامجميعأفراد قوى الأمن بوضع بطاقات تعريف لأسمائهم ورتبهم على زيهمالرسمي (وهذا ما كانت قد أوصت به "هيومن رايتس ووتش")، لجأت قوى الأمن الداخلي الى ردود فعل دفاعية ساعية في شتى الطرق الى تجميل صورتها لا سيما أمام الممولين الدوليين، واصفة التقرير بأنه مجموعة من "المزاعم والادعاءات" و"تشهير واضح" بسمعتها. ولم تكتف بنكران جميع ما ساقه التقرير، بل عمدت الى تحصين ذاتها وراء مبدأ "كل متهم بريء حتى تثبت إدانته" طالبة "التحقق من حالات التعذيب [كون] هذه الحالات تبقى في إطار المزاعم والادعاءات طالما لم تثبت بتحقيقات في هذا المجال"! وكأنها تتجاهل تماما الأسباب القانونية والاجتماعية والاجرائية التي تحول دون لجوء ضحايا التعذيب الى تقديم الشكاوى. ولم تجد المديرية حرجا في هذا الإطار في القاء المسؤولية فيما يخص بعض الشوائب على النيابات العامة الاستئنافية وتحديدا في كل ما يتصل بتوقيف الأشخاص وإخلاء سبيلهم. كما أنها لم تتوان عن استخدام خطاب التخويف لتحصين ذاتها إزاء الانتقادات أو لتبرير الانتقاص من الحقوق والحريات الأساسية. فقد قايست في بيانها بين "احترام حقوق الإنسان والحريات العامة" و"عدم الاستقرار الأمني والسياسي" اللذين "مر ويمر [بهما] لبنان"، لتغلب بالطبع اعتبارات الاستقرار، ومعها حصانة عناصرها الضامنين له على حقوق المواطنين. وبذلك تكون استأنفت استخدام ثقافة التخويف التي تدفع من خلالها السلطة الحاكمة المواطنين الذين يعانون من غبن مزمن الى الحافة، ملزمة إياهم بخفض سقوف مطالبهم المشروعة.
ولكن ما يستوقف قارئ البيان بشكل خاص، هو ما صرحت به المديرية بشأن المثلية الجنسية:
فهي لم تردّ اطلاقا على ما تعلقه التقرير بشأن ما يخضع له المثيون والمثليات من استغلال لهشاشتهم، أكان من خلال استخدام هذه الفئة للوشاية والإخبار عن بعضها البعض أو لناحية اخضاعهم لفحوصات شرجية (فحوصات العار) كوسيلة لإثبات المثلية الجنسية والتي باتت موثقة ويصعب عدها مجرد "مزاعم وادعاءات"، بل ارتأت المديرية نقل النقاش حول ممارسات التعذيب المرتكبة منها الى مكان آخر وهو مدى ملاءمة الغاء المادة 534 من قانون العقوبات، مما يؤدي الى تمييع المسؤولية واستنهاض مشاعر الهوموفوبيا بوجه أي مساءلة من أي نوع كانت. ولهذه الغاية، لم تجد المديرية حرجا في الإعلان عن موقفين لافتين يخرجان تماما عن صلاحياته واختصاصه، وكأنما قوى الأمن الداخلي تؤثر ادعاء معارف سوسيولوجية وفقهية على الإجابة على الأسئلة المتصلة مباشرة بكيفية اداء عملها.
الموقف الأول، ومفاده أن "هذه الظاهرة في لبنان غير مقبولة اجتماعيا"، ولإثبات ذلك، استشهد البيان بما ورد في تقرير المنظمة موضوع الرد حول وجود "آباء غير راضين عن تصرفات أبنائهم". وكانت هذه العبارة قد وردت في سياق تنديد المنظمة بتحوير استخدام المادة 534 من قانون العقوبات بحيث تصبح أداة لاضطهاد المثليين أو كل من يشتبه به أن يكون مثليا دون ثبوت قيامه بالفعل الوارد فيها (وتحديدا "المجامعة")، وهذا ما حصل مع وليد الذي ادعت عليه والدته أمام الشرطة كي تقبض عليه وتحتجزه ليلة في المخفر من أجل "إخافته" من ميوله الجنسي، الأمر الذي قامت قوى الأمن الداخلي بتنفيذه بالفعل بعدما أخضعته للفحص الشرجي[9]. فلم يجد البيان ما يقوله بشأن هذه التصرفات سوى أن المثلية أمر غير مقبول اجتماعيا، وكأنما عدم قبول تصرف شخص ما يعطي القوى الأمنية الحق باستباحته بالكامل؛
والثاني، أن الحرية الفردية ليست مطلقة ويجب أن تكون مقيدة بضوابط محددة. وفي هذا الإطار، ذهب البيان الى حد الادلاء بالمادة 29 فقرة 2 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان التي نصت على أن الفرد يخضع: "في ممارسة حقوقه وحرياته لتلك القيود التي يقررها القانون فقط، لضمان الاعتراف بحقوق الغير وحرياته واحترامها ولتحقيق المقتضيات العادلة للنظام العام والمصلحة العامة والأخلاق في مجتمع ديمقراطي" واضعا جانبا سائر المواد الأخرى الواردة في الإعلان والتي لا تناسبه ولا سيما تلك التي تنص على الحق بالخصوصية[10] أو تلك المتعلقة بمبدأ المساواة أمام القانون[11]، وبشكل خاص اجتهادات لجنة حقوق الانسان التابعة للأمم المتحدة والتي رأت أن الميول الجنسية تدخل ضمن تعريف "الجنس" الوارد في الإعلان العالمي كأحد موانع التمييز[12].
وفيما أن استشهاد المديرية بالإعلان العالمي لحقوق الانسان يظهر سعيها الى التسلح بأدوات حقوق الانسان ذاتها التي تُتهم في انتهاكها، للايحاء بأنها حريصة على احترامها أكثر ممن يتهمها بذلك، فان استشهادها بالمادة 29 من هذا الاعلان يبقى جد لافت ويوحي بتوجه للمديرية بالاستفادة من أي طاقة أو نافذة قانونية قد تسمح لها بالتضييق على الحريات أو بفرض قراءات محلية مغايرة عن التوجهات الدولية بشأنها. ومن المعلوم أن هذه المادة قد شهدت أثناء وضع الإعلان العالمي لحقوق الانسان نقاشا حادا بين مندوبي الدول بهذا الشأن، وكان في مقدمة معارضي ادراجها، المندوب اللبناني الذي أصر بالمقابل، على تبني الاعلان لمبدأ مفاده أن "الشخص البشري يسمو على الأصل العرقي أو الوطني أو أي مجموعة أخرى قد ينتمي اليها" أن "أي ضغوطات اجتماعية تمارسها الدولة أو الدين أو الأصل العرقي بشأن موافقة الشخص البشري التلقائية (بمعنى اخضاعه)، تبقى مستهجنة"[13]. وفي حين لم يلق اقتراحه قبولا لدى المندوبين الآخرين، بقي أن صياغة المادة النهائية لم تشمل كافة الحقوق والحريات المكرسة في الاعلان العالمي. فمن المسلم به أن هناك حقوقا لا يمكن أن تحد من التمتع بها وممارستها أي نصوص أو قوانين، وعلى رأسها الحق في المساواة وفي عدم التمييز[14] (والمذكور ابعادها اعلاه). ومن المهم التشديد على ان أي تحوير شاذ لحدود المادة 29 من الاعلان العالمي يؤدي حتماً الى تدمير الحقوق والحريات المكرسة فيه وتالياً الى الحد من سيادة الشخص البشري الذاتية وقمع شغفه… شغفه هذا، الذي ولّد بالأساس الاعلانات العالمية لحقوق الانسان لدرء الطغيان ومعه اللاانسانية.



[1]« Boule de Suif » de Guy de Maupassant.
[2]عن هذا الموضوع تراجع أبرز محطات التخاطب العام سنة 2012 بهذا الشأن فضلا عن شهادة شاب مشتبه بتعاطيه المثلية والمنشورة على الموقع الالكتروني للمفكرة القانونية.
[3]يراجع نزار صاغية وغيدة فرنجية: "الدعارة السرية: جريمة أخلاقية أم جريمة استغلال؟"، دراسة قيد النشر وقد تم وضعها بالتعاون مع منظمة "كفى".
[4]يراجع أ.نزار صاغية، "الشرطي والقاضي والأشخاص الذين يتعاطون المخدرات – في قراءة تحليلية للملاحقات القضائية 2010"، دراسة بالتعاون مع جمعية "سكون" – كانون الأول 2011.
[5]تراجع دراسة "الدعارة السرية: جريمة أخلاقية أم جريمة استغلال؟" المذكورة اعلاه.
[6]وردت في التقرير أخطاء قانونية كثيرة في شأن الإدمان، كالخطأ في إشارة التقرير الى عدم تمييز القانون بين أنواع المخدرات أو أيضا في تحديد عقوبة التعاطي التي قد تصل، وعلى عكس ما ورد في التقرير، الى ثلاث سنوات حبس وغرامة.
[7]عن القرار رقم 849/1، يراجع المقال المنشور في العدد صفر من المفكرة القانونية وعلى موقعها الالكتروني تحت عنوان "نحو نفاذ حقوق المدمن: العلاج كبديل عن العقاب؟"
[8]يراجع، غيدة فرنجية "قانون "الاتجار بالاشخاص": اي حساسية ازاء ضحاياه؟"، منشور على الموقع الالكتروني للمفكرة القانونية.
[9]يراجع الحكم رقم 746/2009 الصادر في 8/4/2009 عن القاضي المنفرد في بعبدا، غير منشور. ويراجع أيضاً، د. وحيد فرشيشي وأ. نزار صاغية، "العلاقات المثلية في قوانين العقوبات: دراسة عامة عن قوانين الدول العربية مع تقريرين عن لبنان وتونس"، دراسة بالتعاون مع جمعية "حلم"، سنة 2009
[10]المادة 12 من الاعلان العالمي لحقوق الانسان.
[11]المادة 2 من الاعلان العالمي لحقوق الانسان.
[13]Taking Duties Seriously: Individual Duties in International Human Rights Law – A Commentary”, International Council on Human Rights Policy, 1999.
[14]Ibidem.
انشر المقال

متوفر من خلال:

محاكمة عادلة وتعذيب ، لجوء وهجرة واتجار بالبشر ، لبنان ، مقالات ، لا مساواة وتمييز وتهميش



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية