أزمة المجلس الأعلى للقضاء في تونس: حرب مدمرة بانتظار التوافق على أنقاضه


2017-01-10    |   

أزمة المجلس الأعلى للقضاء في تونس: حرب مدمرة بانتظار التوافق على أنقاضه

أدى اختلاف أعضاء المجلس الأعلى للقضاء حول ترشيحات الهيئة الوقتية للإشراف على القضاء العدلي التي صدرت بتاريخ 19-11-2016 إلى انشطار مجلسهم لشطرين. ساند الشطر الأول موقف الهيئة الوقتية للإشراف على القضاء العدلي والتي اعتبرت أن تعلق الشغورات بمناصب قضائية يعد من يشغلها عضوا حكميا بالمجلس الأعلى للقضاء يمنع التصريح باكتمال تركيبة المجلس الأعلى للقضاء بما يمنع تبعيا دعوة المجلس للانعقاد ويحتم استمرار الهيئة الوقتية للإشراف على القضاء العدلي ومجلسي القضاءين الإداري والمالي في عملها لحين إمضاء رئيس الحكومة لأوامر تعيين من تم ترشيحهم.

عارض الشطر الثاني من أعضاء المجلس الأعلى للقضاء هذا الطرح وتمسكوا بكون الترشيحات التي صدرت عن الهيئة الوقتية للإشراف على القضاء العدلي بعد إعلان النتائج النهائية لانتخابات المجلس الأعلى للقضاء لم تكن الغاية منها سد الشغورات بل التأثير على تركيبة المجلس الأعلى للقضاء. تمسك المعارضون بكون الترشيحات صدرت عن هيئة منتهية ولايتها وطلبوا من الحكومة عدم إمضائها بعد أن هدد عدد منهم بالاستقالة.

حاولت جمعية القضاة التونسيين دعم الشق المطالب بإصدار الحكومة لأوامر التعيينات فخاضت عدداً من التحركات الإحتجاجية. بالمقابل، ساندت نقابة القضاة التونسيين واتحاد القضاة الإداريين الشق الثاني. لم ينجح أي من شقي المجلس الأعلى للقضاء في التحصيل على أغلبية ثلثي أعضاء المجلس الأعلى للقضاء وكانت قوتهما العددية متوازنة باعتبار أن كلاً منهما يتكون تقريبا من عشرين عضواً.

بدت الحكومة التونسية في ظاهر الأمر بعيدة عن مجريات الأزمة الجارية بعد امتناع القائمين عليها من إبداء أي موقف رسمي منها. ويبدو هذا الأمر مشكوكاً فيه في ظل تعدد المؤشرات التي تدل على تبنيها لموقف المعارضين لإمضاء أوامر الترشيحات. تمثل أول المؤشرات على انحياز الحكومة في امتناع رئيسها عن التصديق على مقرر ترشيح السيد رضوان الوارثي لخطة وكيل عام لدى محكمة التعقيب رغم أن قرار ترشيحه صدر قبل الإعلان النهائي عن نتائج انتخابات المجلس الأعلى للقضاء. فيما تمثل ثاني المؤشرات في تعدد التسريبات الحكومية التي تؤكد رفض رئيس الحكومة إمضاء الترشيحات لصدورها عن هيئة منتهية الولاية دون أن يصدر أي تكذيب رسمي لتلك التسريبات. كان واضحا بالتالي للشق المطالب بإصدار أوامر التعيينات أن موقفه يصطدم بمعارضة حكومية وأن التحركات الاحتجاجية لجمعية القضاة وإن كانت تشكل عامل ضغط سياسي ونقابي على تلك الحكومة فإنها قد لا تفي بالحاجة لانهاء الازمة خصوصا بعدما لوّح عدد من الأعضاء المنتخبين بالمجلس الأعلى للقضاء بالإستقالة في صورة رضوخ الحكومة.

حاول الشق الداعي لانعقاد المجلس الاعلى للقضاء فرض سياسة الأمر الواقع على خصومه. فدعا المجلس الأعلى للقضاء لينعقد يوم 20-12-2016 وأمام فشله في تحصيل ثلثي الأعضاء أي النصاب القانوني اللازم لانعقاد المجلس حسب تصوره لأحكام القانون الأساسي للمجلس الأعلى للقضاء، عاد ليدعو المجلس لينعقد مجدداً بتاريخ 29-12-2016. اعتبر هذا الشق عدد الحاضرين كافيا للتصريح بقانونية جلستهم بالنظر لكونه وإن لم يبلغ النصف القانوني من أعضاء المجلس الأعلى للقضاء فإنه يمثل نصف عددهم الفعلي. طعنت الهيئة الوقتية للإشراف على القضاء العدلي وأعضاء من المجلس الأعلى للقضاء في مقررات ما ذكر أنه المجلس الأعلى للقضاء. وأصدرت المحكمة الإدارية بتاريخ 02-01-2017 قرارات قضائية تؤجل تنفيذ مقررات الإجتماع الذي عُقد، بما أكد استحالة نجاح هذا الشق في تمرير قراراته دون الخروج عن الشرعية القانونية.

كان ينتظر وقد تبين لطرفي الصراع إستحالة تحقيق كل منهما لكل مطالبه من جهة والأثر السلبي لمنازعتهما على صورة القضاء من جهة ثانية أن يجلسا على طاولة الحوار، بحثاً عن حلول توافقية بينهما. وقد تبين سريعا وعي الشقين بأهمية هذا الحوار إذ اتفقا على أن يجتمع أعضاء المجلس الأعلى للقضاء بشكل غير رسمي يوم 06-01-2017 للبحث عن حل توافقي للأزمة. انتهى الإجتماع للفشل. لا يعلم سبب ذلك إذ تمسك كلا الطرفين بالصمت وإن برزت سريعا آثار ذلك الفشل.

بتاريخ 07-01-2017، أصدر الشق المطالب بإمضاء الترشيحات بيانا صحفيا تضمن دعوة رئيس الحكومة لإمضاء أمري ترشيح الرئيس الأول لمحكمة التعقيب ووكيل الدولة العام لدى محكمة التعقيب وكشف عن نية أعضائه التقدم بطلب للقاء رئيس الحكومة لحثه على ذلك. ورغم أن البيان طالب بإمضاء ترشيحين فقط بما يعكس تراجعا عن ترشيحات كثيرة، فإنه لم يولّد أي رد فعل إيجابي لدى الشق المقابل الذي عقد يوم 09-01-2017 اجتماعا لمجلس القضاء العدلي رغم صدور قرار من المحكمة الإدارية بذات التاريخ في تأجيل عقده.

حمل أعضاء المجلس الأعلى للقضاء العدلي ممن حضروا الإجتماع[1] خصومهم المسؤولية عن فشل المفاوضات. وانتهى اجتماعهم إلى انتخاب القاضي السيد خالد عباس رئيسا مؤقتا لمجلسهم والمحامية الأستاذة سعيدة الشابي نائبة له. كما أعلنوا فتحهم باب الترشح لشغل منصب رئيس أول لمحكمة التعقيب ووكيل دولة عام لدى محكمة التعقيب، وأعلنوا أنهم وبمجرد سد شغور المنصبين المذكورين سيعاودون انتخابات المجلس. والواقع أن مجرد عقد المجلس الأعلى للقضاء العدلي رغم صدور قضائي يمنع ذلك يعدّ خطوة تصعيدية، خطوة. تكشف عمق الأزمة الداخلية التي يعرفها المجلس. وهي تؤشر على كون مخرجات تلك الأزمة باتت تهدد مؤسسة المجلس الأعلى للقضاء برمتها.

ويهمّ المفكرة القانونية التي كانت قد اعتبرت منذ بداية الأزمة أن مخرجاتها يجب أن تكون توافقية أن تجدد دعوتها لأعضاء المجلس الأعلى للقضاء للبحث عن حلول للأزمة بعيدا عن الخطابات والممارسات التصعيدية، وأن تذكرهم بكونهم يتحملون مسؤولية تاريخية في الحفاظ على مكتسبات القضاء التونسي التي يمثل المجلس الأعلى للقضاء أحد دعائمها. كما تذكرهم أن مكانتهم الإعتبارية تجعل منهم المسؤولين الأول عن صورة القضاء التونسي في المشهد العام وهي صورة قد تؤدي صراعاتهم إلى المس بها.

 


[1] بلغ عددهم سبعة حسب مصادر قضائية غير رسمية من جملة 15 عضوا يشكلون كل تركيبة المجلس (منهما عضوان منصبهما شاغر).  

انشر المقال

متوفر من خلال:

المرصد القضائي ، استقلال القضاء ، تونس



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية