أزمة التحوير الوزاري في تونس وتصادم المشروعيّات: بين القانوني والأخلاقي، يبقى هامش للسياسة


2021-02-27    |   

أزمة التحوير الوزاري في تونس وتصادم المشروعيّات: بين القانوني والأخلاقي، يبقى هامش للسياسة

بلغت “أزمة التحوير الوزاري” في تونس أسبوعها الخامس، من دون بروز أيّ أفق للحلّ. فلا يزال رئيس الجمهورية قيس سعيّد مُصرّا على عدم دعوة الوزراء الجدد الذين نالوا ثقة البرلمان لأداء اليمين أمامه، بحجّة وجود شبهات فساد تحوم حول عدد منهم. أمّا رئيس الحكومة هشام المشيشي، ومن ورائه الحزام السياسي الداعم له والذي يشكّل حزبا النهضة وقلب تونس عموده الأساسيّ، فلا يزالون متشبّثين بمواقفهم، رافضين أيّ تنازل قد يبدو انتصارا لرئيس الجمهورية. ورغم أنّ النقاش أخذ شكل محاججة قانونية بين الطرفين، فإن جوهر الخلاف يبقى سياسيا، بل وحتى أخلاقيّا. فالصّراع يتمحور حول حكومة اختار سعيّد رئيسها وعدداً من وزرائها، قبل أن يفضّل المشيشي التحالف مع الأغلبية البرلمانيّة المناوئة لرئيس الجمهورية، ومن ثمّة تغيير الوزراء المحسوبين على هذا الأخير. هو في عمقه صراع بين مشروعيّتين: مشروعيّة قانونيّة ترتكز على حسابات الأغلبية البرلمانية وتصوّر السلط في الدستور، أفرغت الديمقراطيّة من محتواها القيمي والسياسي، وأخرى شعبيّة وأخلاقيّة، قد تهدّد بنسف ما تبقّى من مكاسب للانتقال الديمقراطي. انتقال وصفه رئيس الجمهورية، أنه في ظاهره ديمقراطي، وفي باطنه ”انتقال من الحزب الواحد إلى المجموعة الفاسدة الواحدة“.

تأويل الفصول الدستورية: غطاء قانوني لصراع سياسي

خرجت الأزمة إلى العلن قبل يوم من جلسة منح الثقة للأسماء المقترحة. فقد كشف رئيس الجمهورية حينها، لدى ترؤسه اجتماع مجلس الأمن القومي، موقفه الرافض للتحوير الوزاري الواسع الذي شمل 11 وزارة. عاب سعيّد على هذا التحوير تغييبه للنساء، حيث لم يتضمّن أية وزيرة جديدة، مقابل إعفاء ثلاث وزيرات من الحكومة، في حقائب الفلاحة والصناعة وأملاك الدولة. كما أشار رئيس الجمهورية إلى أن التحوير خرق أحكام الفصل 92 من الدستور، بما أنّه تضمّن تغييرا لهيكلة الحكومة وتعديلا للوزارات من دون أن يعرض على مداولات مجلس الوزراء – إخلال سارع المشيشي، في مساء اليوم نفسه، إلى تصحيحه. إضافة إلى ذلك، اعتبر سعيّد أنّ الدستور لم يوجب عرْض التحوير الوزاري على ثقة النواب، وأن النظام الداخلي للبرلمان، بتنصيصه على هذا الاجراء دون أساس دستوري، لا يلزم سوى المؤسسة البرلمانية نفسها.

لكنّ أهمّ ما عابه سعيّد على التحوير، هو تضمّنه لأسماء محلّ شبهات فساد وتضارب مصالح. لم يفوّت رئيس الجمهورية الفرصة للتذكير بأنّ الأغلبية البرلمانية التي تدعم الأسماء المقترحة، هي نفسها التي دفعت لإسقاط حكومة الفخفاخ لوجود شبهة تضارب مصالح حول رئيسها. ولئن لم يحدّد سعيّد هويات المعنيّين بالشبهات من بين الوزراء المقترحين، فإنّ منظمة ”أنا يقظ“، التي نشرت تحقيقات حول الهادي خيري المقترح لتولّي وزارة الصحّة، ويوسف فنيرة المقترح لتولّي حقيبة التكوين المهني والتشغيل، اعتبرت أن الشبهات تشمل كذلك سفيان بن تونس، المقترح لحقيبة الطاقة والمناجم، ويوسف الزواغي، المقترح لحقيبة العدل، داعية النواب إلى عدم منحهم الثقة.

اعتبر رئيس الجمهورية، قبل يوم من جلسة منح الثقة، أنّ الوزراء محلّ الشبهة لا يمكن أن يؤدوا اليمين أمامه. لكنّ رئيس الحكومة وحزامه السياسي لم يرضخوا لهذا التهديد، فنال كل الوزراء المقترحين ثقة البرلمان في جلسة 26 جانفي، دون أن يتمكنوا من مباشرة مهامّهم، ما لم يؤدوا اليمين ويصدر أمر تسميتهم. اعتبرت الأحزاب الداعمة لرئيس الحكومة أن الدعوة لأداء اليمين ليست صلاحيّة تقديريّة لرئيس الجمهورية تسمح له بالتدخّل في اختيار الوزراء. نفس الموقف شاطره معظم المختصّون، ومن بينهم قيس سعيّد نفسه عندما طرح السؤال سنة 2018 بمناسبة الصراع بين رئيس الحكومة الأسبق يوسف الشاهد ورئيس الجمهورية الراحل الباجي قائد السبسي.

حاولتْ الأغلبية الحكومية في البداية اللجوء إلى نظريّة الاجراءات المستحيلة، ليباشر الوزراء مهامّهم دون انتظار اليمين ولا أمر التسمية، لكنّ المحكمة الإدارية لم توفّر هذا الغطاء القانوني عند استشارتها من قبل رئيس الحكومة، واعتبرت أنّها غير مختصّة. كذلك، ذهبت الهيئة الوقتية لمراقبة دستورية مشاريع القوانين في اتجاه مشابه، رغم إجابتها على بعض الأسئلة ”بصفة احتياطيّة“ وعلى سبيل ”الاستشارة القانونية“، حيث أكّدت على أن ذلك ليس رأيا ملزما وأنها غير مؤهلة للحسم في هاته المسائل. حتى أساتذة القانون الذين استنجد بهم المشيشي أكّدوا أن الحلّ لا يمكن أن يكون إلاّ سياسيّا.

عدم جدوى الحلول القانونية لا يعود فقط إلى غياب أي وسيلة ممكنة لإجبار رئيس الجمهورية على ممارسة صلاحياته ولو كانت مقيّدة. إنما هو نتيجة لأن جوهر الصراع سياسيّ، إذ لم يعد خافيا أنّ ما يريده رئيس الجمهورية ليس تغيير الوزراء محلّ الشبهة، بقدر ما هو الإطاحة بهشام المشيشي نفسه، بعد أن غيّر ولائه من قرطاج إلى باردو، وغيّر أكثر من ثلث حكومته لسحب أي تأثير لرئيس الجمهورية عليها. لكنّ الصراع يتجاوز حكومة هشام المشيشي: فقد بدأ منذ مشاورات تشكيل حكومة الحبيب الجملي بعد انتخابات 2019، حين حاول سعيّد الدفع في اتجاه تشكيل ائتلاف منسجم مع اصطفافات الدور الثاني للانتخابات الرئاسية، فقوبلت محاولته برفض من راشد الغنوشي، زعيم حركة النهضة ورئيس البرلمان، ليبدأ منذ ذلك التاريخ الصراعُ على ”كُرَة“ اختيار رئيس الحكومة، بين قرطاج وباردو.

أداء اليمين، وخطورة الانزلاق للمعجم الديني

باعتماده على اجراء أداء اليمين لرفض التحوير الوزاري، لم يحوّل رئيس الجمهوريّة فقط سلطة مقيّدة إلى صلاحية تعطيل، بل نقل الصراع برمّته من الميدان الدستوري القانوني إلى الحقلين الأخلاقي والديني. ليس أدلّ على ذلك من استعماله المكثّف والمتكرّر للمعجم الديني، للدلالة على أهمّية اليمين وآثارها. إذ لم يتردّد سعيّد، لدى استقباله الأمين العام لاتحاد الشغل، في المقارنة بين أداء اليمين، و”المرور على الصراط“ يوم القيامة أو ”النطق بالشهادتين“، لدحض الموقف الذي يعتبره ”مجرّد إجراء“. كما اعتبر، في إجابته على رسالة المشيشي الذي طالبه بتحديد الوزراء المعنيّين بالشبهات، أن ”من يُقسم بالله العظيم ويضع يده اليمنى على المصحف الكريم لن يحاسب في الحياة الدنيا فقط، بل سيقف بين يديه سبحانه وتعالى ليُسأل عمّا فعل، ولن يحمل معه يوم الحساب لا فقه القضاء ولا المراجع القانونية ولا فتاوى من فتحوا دور إفتاء، بل سيحمل معه أفعاله“، مع الاستشهاد بآية قرآنيّة في هذا المعنى.

لا نحتاج لتبيان خطورة هذا الخلط بين السياسي والديني، الذي كان يعاب كذلك على حركة النهضة، ولم تتخلّص منه هي الأخرى تماما، إذ تتحوّل المشاعر الدينية إلى أداة لحشد الأنصار ومهاجمة الخصوم، وصولا إلى تكفيرهم، ويصبح إظهار التديّن وسيلة لاستقاء مشروعيّة أكبر، ويحتمي الخطاب السياسي بالمقدّس ليتحصّن من الانتقاد. وسواء كان هذا الخلط صادقا، عفويا، أم مقصودا وحتى كاذبا، فهذا لا يغيّر شيئا في خطورته.

لكنّ موقف رئيس الجمهورية يحمل أيضا مرجعيّة أخلاقيّة ضاعت وسط المعجم الديني. فوراء إصرار سعيّد على ما تحمله اليمين من قيمة، انتقاد شديد لمن تعوّدوا، على الأقلّ من وجهة نظره، على نكث العهود. فما يعيبه رئيس الجمهورية على المشيشي، هو بالتحديد انقلابه على الاتفاق الذي من المرجّح أنه جمعهما، وتحالفه مع الأغلبية البرلمانية ورضوخه لشروطها التي أعلنتها منذ جلسة منح الثقة للحكومة، وأبرزها تغيير الوزراء المحسوبين على سعيّد في أقرب وقت. كما لا يُخفى أن تحالف النهضة وقلب تونس بعد الانتخابات، كان مناقضا تماما للوعود الانتخابية التي قطعها كلّ منهما. بل أن الحملة التشريعيّة لحركة النهضة لم تتوانَ عن استعمال صورة قيس سعيّد، داعية للتصويت إلى النهضة كي لا يبقى سعيّد معزولا في قرطاج، وكذلك فعل حليفها ائتلاف الكرامة، قبل أن يتحولا إلى ألدّ خصوم رئيس الجمهورية، أسوة بحزب قلب تونس.

بين أخلقة الديمقراطية والانقلاب عليها، خيط رفيع

بغضّ النظر عن خطورة الانزلاق إلى المعجم الدينيّ، ليس غريبا أن يستند رئيس الجمهورية إلى المرجعيّة الأخلاقيّة. فقد كان انتخابه في الدور الثاني من الانتخابات الرئاسيّة بأغلبية قياسيّة بمثابة استفتاء على الأخلاق، بالنظر لما يرمز له من استقامة، مقابل شبهات الفساد التي تحيط بمنافسه حينها نبيل القروي. هذه الاستقامة هي التي تفسّر شعبية سعيّد التي لا تزال، بعد أكثر من سنة على انتخابه قويّة خاصّة بالمقارنة مع شعبية الأحزاب الحاكمة وزعمائها. شعبيّة لا يتردّد سعيّد في استعراضها، بخروجه إلى الشارع أكثر من مرّة وترجّله بين المارّة، وتوثيق ذلك في فيديوات يظهر فيها في كل مرّة شعار ”حلّ البرلمان“.

فما يتميّز به سعيّد عن بقيّة الزعماء السياسيين، هو مشروعية كاريزميّة، لا بالمعنى المتداول كامتلاك خطابة استثنائية أو قدرة فوق العادة على الإقناع، وإنما كما تصوّرها ماكس فيبر، أي الكاريزما التي تكاد تكون نبويّة، المتأتية من صورة الاستقامة الأخلاقيّة المثالية. هذا النوع من المشروعية يكون في أحيان كثيرة ثوريا، بمعنى اتجاهه إلى قلب الطاولة على من كان يمسك بالسلطة[1]. موقف سعيّد المنتقد للمنظومة السياسية الحاكمة في السنوات العشر الأخيرة، وللمسار السياسي المتخذ برمّته، معلوم قبل انتخابه في رئاسة الجمهورية ولم يتغيّر بعده. لكن أن يصدر عن رئاسة الجمهورية موقف رسمي يعتبر الانتقال الديمقراطي الذي حصل ”انتقالا من الحزب الواحد إلى المجموعة الفاسدة الواحدة“ فهذا ليس بالأمر الهيّن.

لا يمكن أن ننكر أن ما قاله رئيس الجمهوريّة يعبّر عن مزاج شعبيّ، فقد الثقة في الطبقة السياسية، وفي المؤسسة البرلمانية التي تكاد تتلخّص، في ذهن جزء كبير من التونسيين، في الحصانة من التتبعات، والصفقات المشبوهة، والصراع الذي لا ينتهي. هذا القول لا يعني تنسيبا لخطورة موقف رئيس الجمهورية، على العكس. لكنّ الإصرار على الهيمنة على مفاصل الحكم بمجرّد امتلاك أغلبية برلمانيّة، والتمترس وراء ”الشرعيّة“ والنزول إلى الشارع للذود عنها، ومواصلة عزل رئيس الجمهوريّة في مربّع صلاحياته الدستورية، لن يزيد الأمور إلاّ تعقيدا. فالديمقراطية ليست انتخابات دوريّة، تنتقل خلالها السيادة كليّا من الشعب إلى ممثليه في البرلمان، حتى الانتخابات القادمة. إذ لا يمكن لمؤسسة ديمقراطية كالبرلمان أن تكون بمثل هذا الانعزال عن الشارع ونبضه، بدءا برئيسها الذي يتصدّر قائمة السياسيين في مؤشّر انعدام الثقة.

ضعف الثقة في الحاكمين ليس غريبا في الديمقراطيات، لكنّ الفرق هو أن الأحزاب تحاول عادة تداركه بتصدير قياديين يحظون بأكثر ثقة لدى الرأي العام، أو بمبادرات تسمح لها باسترجاع ثقة ناخبيها، خلافا لما هو الشأن في تونس، أين يسخّر المجهود الاتصالي لأحزاب الحكم وماكيناتها لضرب المنافسين، وفي مقدّمتهم رئيس الجمهورية. والفرق الأهمّ هو أن ضعف الثقة في النخبة الحاكمة لا يعني عدم الثقة في الديمقراطية كنظام حكم وكسبيل للتغيير. صحيح أن صعود الشعبوية في معظم الديمقراطيات يترجم هو الآخر يأسا من العرض السياسي المتوفّر، وقد يهدّد المكاسب الديمقراطيّة هناك. لكنّ الخطر أكبر في ديمقراطيّة ناشئة لم تتوطّد بعد ولم تحصّن نفسها بالمؤسسات والتقاليد الضرورية لحمايتها. فكلّ المؤشرات تدلّ على أن انعدام الثقة في البرلمان والأحزاب الحاكمة والنخبة السياسية، بصدد التحوّل إلى يأس من الديمقراطية نفسها.

إن نتائج انتخابات 2019، سواء ضعف المشاركة في التشريعيّة وضعف شعبيّة الأحزاب الكبرى، والهبّة الاستثنائية في الدور الثاني من الانتخابات الرئاسيّة، لا يمكن تجاهلها. فالأصوات التي تحصّل عليها رئيس الجمهورية تتجاوز بفارق هامّ مجموع أصوات كلّ الأحزاب الممثّلة في البرلمان مجتمعة. ومن الطبيعي أن يتأقلم النظام السياسي في الممارسة، مع هذا الواقع. لا يعني هذا على الإطلاق تسليم كلّ مقاليد الحكم إلى رئيس الجمهوريّة، لكن محاولات عزله وسحب أي تأثير له عدا مربع صلاحياته، وصولا إلى منافسته في صلاحياته الدبلوماسيّة والإصرار على تكريس مفهوم الرئاسات الثلاث، ستكون نتائجها، على الأرجح، عكسيّة. في نفس الوقت، وكما لا يجب اختزال الديمقراطية في موازين القوى البرلمانيّة، فإن الإرادة الشعبيّة لا تتجسّد في شخص واحد، مهما كانت الأغلبية التي انتخب بها والشعبيّة التي يحظى بها.

أزمة التحوير الوزاري ليست مجرّد خلاف على تأويل بعض فصول الدستور، ولا نتيجة حتميّة لنظام سياسي يصرّ الكثيرون على اعتباره غير متوازن سيموت تحت وطأة تناقضاته الداخليّة. إنمّا هي أزمة نخبة سياسيّة حصرت السياسة في حسابات الربح والخسارة الآنيّة وهدف البقاء في السلطة بأي ثمن، وفاعل جديد لا يشتغل السياسة، بما هي فنّ الممكن، ولم يقتنع يوما بالنظام السياسي الحالي ولا يرى نفسه داخله. هي تعبير عن التناقض الحاصل بين مشروعية برلمانية لا تتمتع بثقة الشارع -مهما حاولت إظهار العكس-، لكنّها متشبثة بما يتيحه لها الدستور، ومشروعية رئاسية متعدّدة الأبعاد، لا يزيدها الصراع مع الأغلبية البرلمانية إلاّ قوّة. دفع هذا التناقض إلى أقصاه، ونحن في سياق أزمة اقتصادية واجتماعية مستفحلة، ينذر بخطر كبير، مهما كان حكمنا على نوايا الفاعلين الرئيسيين. فالطريق إلى الجحيم، كثيرا ما يكون معبّدا بالنوايا الحسنة.

  1. Mattei Dogan, « La légitimité politique : nouveauté des critères, anachronisme des théories classiques », Revue internationale des sciences sociales, 2010/2 n°196, p. 29.
انشر المقال

متوفر من خلال:

البرلمان ، تونس ، دستور وانتخابات ، سلطات إدارية ، محاكم إدارية ، محاكم دستورية



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *