أرواح الطلّاب في البقاع: ثمنٌ للعبور إلى الجامعة اللبنانية


2021-01-04    |   

أرواح الطلّاب في البقاع: ثمنٌ للعبور إلى الجامعة اللبنانية
من وقفة احتجاجية في الجامعة اللبنانية بعد مقتل إسراء أيّوب

بحماسة شديدة، توجّهت إسراء أيّوب صبيحة الخميس 10 كانون الأوّل 2020 من بلدتها المنارة في البقاع الغربي إلى زحلة. فكرة أنّها ستبدأ مسيرتها الجامعية كانت تغمرها بالسعادة. فهي الأصغر بين أخواتها، وأوّل من يدخل الجامعة في البيت. جميعهنّ اخترن التعليم المهني أما إسراء فاختارت أن تدرس الأدب الإنكليزي. لكن بعد 20 يوماً من التعليم عن بعد، قررت أن تغيّر اختصاصها، وتدرس التاريخ. قصدت كلية الآداب والعلوم الإنسانية في الجامعة اللبنانية – الفرع الرابع لتشتري الكتب. نزلت من الفان. وما إن وطأت قدماها أوتوستراد زحلة حتى دهسها فان أبيض اللون يُقاد بسرعة جنونية. “فطارت ابنة الـ17 ربيعاً حوالي الـ30 متراً”، بحسب شهود. لم يتوقّف سائق الفان. تابع سيره فيما إسراء تلفظ أنفاسها الأخيرة مقابل الجامعة التي تمنّت أن تدرس على مقاعدها. 

“كان عليّ أن أمسك بيدها وهي تقطع الطريق”. عبارة يكرّرها إبراهيم أيّوب، والد الضحية أمام المعزّين. يلوم نفسه باستمرار لأنّه سمح لها، وللمرّة الأولى، أن تذهب إلى جامعتها بمفردها. “كنت دائماً أصطحبها أينما كانت وجهتها. لكنّها في ذلك اليوم أصرّت عليّ ألّا أرافقها، بحجّة أنّها صارت صبيّة بتعرف الطريق جيداً”، يقول بحرقة.

رفع أيّوب شكوى ضد مجهول. فهو لا يعرف عن سائق الفان الذي دهس ابنته “الحنونة” غير أنّه “رجل متهوّر وبلا ضمير”. لكن الأكثر إجراماً بالنسبة لأيّوب هم “رجال السّلطة الذين يسرقون أموال الناس بتخطيط وإتقان، ولا يستطيعون أن يخططوا لبناء جسر للمشاة أو مطبّ لتخفيف السرعة”. وبما أنّ الأقساط في الجامعات الخاصّة “ستكلّفه عملاً لسنة كاملة”، سجّل أيّوب صغيرته في “جامعة الفقراء”. لكن، “هل نحن مضطرّون لأن ندفع أرواح أولادنا ثمناً للعبور إلى الجامعة اللبنانية؟”. يتساءل والد الضحية.

24 ضحية في خمس سنوات

ليست إسراء الضحية الأولى التي تسقط على أوتوستراد زحلة السريع، “طريق الموت” كما بات يعرف. فهذا الأوتوستراد الذي يفتقد إلى أبسط شروط السلامة المرورية يقع بمحاذاة العديد من المؤسّسات العامّة والخاصّة. وقد وجد في كليات الجامعة اللبنانية – الفرع الرابع المكان الدسم ليتصيّد الطلاب في طريقهم إلى الجامعة وإلى المنزل. وهكذا صارت حوادث الصدم التي يتعرّض لها الطلاب على “طريق الموت” خبراً صحافياً جاهزاً تتغيّر فيه أسماء الضحايا فقط. 

على “طريق الموت” نفسه، فارقت الطالبة جيهان مرتضى الحياة بحادث صدم عام 2006. كان اليوم الأوّل لها في سنتها الجامعية الأولى في كلية الآداب. وكانت متحمّسة جداً لتذهب إلى الجامعة، لدرجة “أنّي لحقت بها في الصباح لأعطيها الطعام”. يتذكّر والدها عجاج مرتضى. فأجابته جيهان “أنا سعيدة جداً اليوم. أظنّ أنني لن أشعر بالجوع طوال النهار”. حققت ابنة الـ18 عاماً حلمها، ودرست علم النفس لساعتين فقط. ثم غادرت كلية الآداب متوجّهة إلى الفان الذي سيقلّها إلى الهرمل. وبينما كانت تقطع أوتوستراد زحلة، دهستها سيارة مسرعة. فماتت على الفور.

“الجمعية اللبنانية للتعايش والإنماء” استطاعت أن تحصي 24 ضحية سقطت في السنوات الخمس الأخيرة على نقطة كلية الآداب من أوتوستراد زحلة. “ويبقى العدد أكبر من 24 لأنّه لا يشمل ضحايا من جنسيات غير لبنانية عادة ما يَصعب إحصاؤهم”، حسب ما يوضح رئيس الجمعية حسين حسن. ومن بين الضحايا الـ24، 10 طلّاب على الأقلّ في الجامعة اللبنانية – الفرع الرابع لقوا حتفهم بحوادث صدم على هذا الأوتوستراد، بحسب حسن. وتأذّى طلّاب آخرون في هذه الحوادث كالطالبة نور الهدى عبدو التي تعرّضت لشُعر في حوضها، وعفراء دندش، وساجدة بلّوط وكثر غيرهنّ. فعدم وجود جسر للمشاة عند مداخل كليات الجامعة الخمس يحتّم على الطلاب اجتياز “طريق الموت” مرّتين للوصول إلى الجامعة وللخروج منها. 

في العام 2007، اجتازت نسمة يزبك (32 عاماً) المسلك الأوّل بسلام، لكنّها تعرّضت لحادث صدم على المسلك الثاني. وذلك. يومها كانت نسمة في سنتها الجامعية الأولى تغادر كلية الآداب متّجهة إلى منزلها في بعلبك. “تعرّضتُ لارتجاج في المخ، ولم أستطع المشي لشهرين. أمّا نفسياً، فأصبت بعقدة الخوف من قطع الطريق بمفردي. كنت أستعين بأصدقائي أو أحد الأساتذة لأجتاز الطريق. وأحياناً كنت أمشي نصف ساعة داخل زحلة لأتجنّب اجتيازه”. 

تظاهرات ومطالبات وما من مجيب

فيما تتكرّر مطالبات الطلاب والأساتذة من أجل بناء جسور للمشاة عند مداخل كليات الجامعة اللبنانية لا سيما كليات الصحة، والحقوق، والآداب، تستمرّ الجهات الرسمية في التقاعس “التطنيش”. وآخر هذه المطالبات جاءت بعدما ارتفع عدّاد الضحايا بمقتل إسراء حيث نظّمت مجالس فرع الطلاب في الجامعة اللبنانية – الفرع الرابع “وقفة حداد واستنكار” في مبنى كلية الآداب والعلوم الإنسانية صباح الاثنين 14 كانون الأول 2020. وشارك في هذه الوقفة مجموعة من الطلاب الذين رفعوا صوراً لإسراء، “شهيدة الإهمال وفقيدة العلم”، كما سمّوها. كما شاركت أسرة كلية الآداب ممّثلة بمديرها إيلي الحداد وعدد من أساتذتها وموظفيها في هذه الوقفة الرمزية.

“كم روح يجب أن تزهق حتى تتحرّك ضمائركم؟ سأل الطلاب المعنيين. فيأتي الجواب الأستاذة في كلية الآداب مريم دندش في كلمة ألقتها خلال الوقفة الاحتجاجية: “عبارات الاستنكار والشجب والتذكير بالمسؤولية لم تعد صالحة لمواجهة الموقف”. ووعدت دندش الطلّاب أن يكون هناك “تحرّك دوري وتصاعدي ومدروس للمرحلة القادمة القريبة”. 

تؤيّد الصحافية عزّة الحاج حسن كلام دندش. فهي شاركت في التظاهرات عندما كانت طالبة في كلية الحقوق والعلوم السياسية والإدارية. وطالبت بحقها في الوصول الآمن إلى مبنى الكلية. لكن، وبعد مضي 17 عاماً على تخرّجها، تسأل الطلّاب المتأمّلين: “ما الذي غيّرته التظاهرات؟”. وتحمّل عزّة إدارة جامعتها مسؤولية القلق الذي عاشته في كلّ مرة كانت تعبر فيها أوتوستراد زحلة. فهم “يملكون القدرة على الضغط على المسؤولين لإيجاد حلّ لمعاناة الطلاب”. أمّا النوّاب والوزراء، فقد “تعوّدنا على فسادهم وإهمالهم للقضايا الملحّة وافتقادهم إلى حسّ المسؤولية”، تتأسّف عزّة.

إسراء أيّوب حين كانت تبتسم وعلى قيد الحياة

إدارة الجامعة: المبنى الموحّد لن يكون الخلاص

لا يتقبّل عميد كلية الآداب في الجامعة اللبنانية أحمد رباح توجيه أصابع الاتهام إلى إدارة الجامعة. “فنحن حاولنا كثيراً تأمين مستلزمات السلامة المرورية للطلاب. وطرقنا أبواب الجهات المعنية وصرخنا عالياً، لكن آذانهم صمّاء”. يدافع رباح في حديث إلى “المفكرة”. ومن بين التحرّكات التي نفّذتها أسرة إدارة كلية الآداب – الفرع الرابع الوقفة الاحتجاجية التي كان على رأسها مدير الكلية نديم مراد، والتظاهرة التي دعت إليها مديرة الكلية غادة شريم في آذار 2016، واللقاء الذي نظمته مديرة الكلية ميريام يارد مع نوّاب محافظتي البقاع وبعلبك-الهرمل في آذار 2019، والذي جرى خلاله التباحث في كيفية إقامة الجسر وآليات الدعم والتنفيذ. 

ويدعو رباح الطلاب ألّا يستبشروا خيراً بالمبنى الجامعي الموحّد الذي “ستباشر وكالة التنمية الفرنسية بتنفيذه في الربيع المقبل”. فهذا المبنى الذي سيجمع كليّات الجامعة اللبنانية الخمس في البقاع “خُصّصت لبنائه قطعة أرض بجوار كلية الآداب”. وهكذا سيبقى شبح الموت على أوتوستراد زحلة يلاحق طلاب الآداب، ويضاف إليهم طلاب الكليات الأربع: العلوم، الحقوق، الصحة، والعلوم الاجتماعية.

تقاذف المسؤوليات 

رئيس بلدية زحلة أسعد زغيب مرتاح الضمير أيضاً. لا يحمّل نفسه ذنب سقوط الطلاب ضحايا “الإهمال”. فهو تقدّم قبل عامين بمشروع دراسة عبر لجنة السلامة المرورية “لتحسين وتطوير الأوتوستراد”، وتأمين شروط سلامة عبور السيارات والمشاة عليه. لكن وزارة الأشغال رفضت تنفيذه. وسلّمته إلى مجلس الإنماء والإعمار الذي تلقّى في 26 نيسان من العام 2018 الموافقة على تنفيذه من مجلس الوزراء. ومنذ ذلك الوقت ترقد هذه الدراسة في أدراج مجلس الإنماء والإعمار.

يحمّل زغيب وزارة الأشغال العامة والنقل مسؤولية الحوادث التي تقع على “طريق الموت”. “لو أنّ وزير الأشغال ينتمي إلى منطقتنا لكان وجد حلّاً سريعاً لهذه المشكلة. لكن الوزراء لا يخدمون إلّا أبناء منطقتهم لأنّ هدفهم كسب الأصوات الانتخابية فقط”، يقول لـ”المفكرة”. هذا مع العلم أنّ طلّاب الجامعة من كافّة مناطق البقاع وليس من زحلة فقط.  

أمّا عن الحلول السريعة التي تخفّف من خطر وقوع الحوادث، يشير زغيب إلى أنّه عرض على وزارة الأشغال عام 2016 وضع مطبّات لتخفيف السرعة، وإشارات مرور ضوئية على أوتوستراد زحلة لتأمين المرور الآمن للمشاة. لكن عرضه رُفص بحجة  أنّ “الطريق دوليّة”. 

مبادرتان لبناء جسر مشاة: واحدة خاصّة وأخرى دولية 

في ظلّ غياب أي مبادرة رسمية لوقف مجّانية الموت على أوتوستراد زحلة، لاحت مبادرتان لتمويل بناء جسر للمشاة. الأولى خاصّة وجاءت من رئيس مجلس إدارة “الموسوي لمواد البناء” أحمد الموسوي.  

“كنت في سيّارتي متّجهاً إلى منزلي عندما سمعت بمقتل إسراء أيّوب في برنامج حديث الناس على إذاعة النور. وهالني عدد الضحايا من طلاب الجامعة اللبنانية الذين يلقون حتفهم في طريق الوصول إلى الجامعة أو العودة إلى المنزل”. يروي الموسوي كيف اندفع ليتبرّع ببناء جسر للمشاة على أوتوستراد زحلة مقابل كلية الآداب. 

حتى الآن، ما من عراقيل تواجه الموسوي في مبادرته. “فوزير الأشغال منحني رخصة بناء الجسر الثلاثاء 15 كانون الأول 2020، أي في اليوم ذاته الذي طلبت الرخصة منه”. يحكي الموسوي عن حماسة وزير الأشغال في حكومة تصريف الأعمال ميشال نجّار لتنفيذ المشروع في أقرب وقت ممكن. وإذا سارت الأمور بالسهولة ذاتها “سنباشر في التنفيذ في الأسبوع المقبل، وسيستغرق بناء الجسر حوالي الشهر”، يتوقع الشاب البقاعي.

ينتظر الموسوي معرفة النقطة التي سيبنى عليها الجسر، والتي “يفضّل أن تكون في منتصف الطريق بين كلية الآداب وكلية الحقوق” برأي الأستاذ في كلية الآداب علي حسن. وذلك ليستفيد طلاب الكليتين من هذا الجسر. 

والجدير بالذكر أنّ الجمعية اللبنانية للتعايش والإنماء كانت قد أنجزت دراستين في هذا الصدد في مطلع شهر تشرين الأول من العام الحالي. وذلك بالتعاون مع المديرية العامة للطرق والمباني في وزارة الأشغال العامة والنقل. الدراسة الأولى تخطط لبناء جسر “عادي” للمشاة على “طريق الموت” تقدّر تكلفته بـ40 ألف دولار. أما الدراسة الثانية فتخطط لبناء جسر “نموذجي” تقدّر تكلفته بـ80 ألف دولار. والمقصود بـ”النموذجي” تأمين منحدر لذوي الاحتياجات الخاصّة، وإنارة، وسقف فوق الجسر.

 الجمعية متمثلة برئيسها حسين حسن، وأعضائها محمد صلح وميشال غصين نالت موافقة وزارة الأشغال على دراستيها. لم يكن ينقص لبناء الجسر غير توفير ممول للمشروع، إلى أن بادر الموسوي بتمويله. “سلّمنا الموسوي الخرائط التي أعددناها. وسيتكفل هو ببناء الجسر”. يوضح  حسن.

المبادرة الثانية جاءت من هولندا التي بادرت لمساعدة “البقاعيين” بعدما تخلّت الأجهزة الرسمية عنهم. فبعد مقتل إسراء أيوب بيوم واحد، “زارني الجيش اللبناني. وعرضوا عليّ تخصيص المساعدة الإنسانية التي ستأتي من الدولة الهولندية لبناء جسر للطلاب يكون لكلّ الناس”، يكشف رئيس بلدية زحلة أسعد زغيب. فالأخير “يفكّر كثيراً” في ذوي الاحتياجات الخاصّة. ويصرّ أن يخصّص لهم منحدراً بجانب الجسر. ويعلن زغيب عن تعاونه المباشر مع “الجيش اللبناني” الذي سيتلقّى الدعم المادي من الهولنديين ومن الموسوي لبناء جسر “كما يخطط له زغيب” والذي تُقدّر تكلفته بـ70 ألف دولار. وهذا من شأنه أن يعطي بصيص أمل لطلاب الجامعة اللبنانية – الفرع الرابع. يكفي أن تستمرّ “الحماسة” الموجود هذه المرّة إلى حين إنجاز الجسر “المنتظر”. عندها، سيعبر الطلاب بأمان إلى جامعتهم، وسيتأكّدون أنّ “الدولة قد تخلّت عنهم منذ زمن بعيد”.

انشر المقال

متوفر من خلال:

الحق في التعليم ، الحق في الصحة ، الحق في الصحة والتعليم ، بيئة وتنظيم مدني وسكن ، بيئة ومدينة ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، لا مساواة وتمييز وتهميش ، لبنان ، مؤسسات عامة ، مقالات ، نقل عام



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *