أحكام القضاء ضد الأحزاب المنحاة عن السلطة في مصر وتونس: أسئلة مشروعة حول “شعبوية” القضاء وحياديته


2013-10-07    |   

أحكام القضاء ضد الأحزاب المنحاة عن السلطة في مصر وتونس: أسئلة مشروعة حول “شعبوية” القضاء وحياديته

تولى القضاء المصري بتاريخ 23 سبتمبر 2013 اصدار حكمه في الدعوى الاستعجالية التي رفعت أمامه في طلب حظر جماعة الاخوان المسلمين كما كان متوقعا. وورد الحكم كأثر مباشر للإطاحة بالرئيس المصري محمد مرسي غداة احداث 30 جويلية 2013.

وهذا الحكم انما يشبه في جوانب عدة الحكم الذي كان أصدره القضاء التونسي بتاريخ 09/03/2011 بحل حزب التجمع الدستوري الديموقراطي تبعا للثورة التونسية. والحكمان يتشابهان ليس فقط في اشتراكهما في وقف أعمال أحزاب كانت تحكم فيما قبل، انما أيضا بالتغطية الاعلامية والترحيب الواسعين اللذين حظيا به على أساس أنهما يحققان انتظارات شعبية مما أحاطهما بقدسية منعت عند صدورهما أي تدقيق أو نقد. وهكذا، في خضم الزخم الثوري، عدّ أي انتقاد لحكم حل التجمع الدستوري الديموقراطي محاولة للدفاع عن حزب كان واجهة سياسية للفساد والاستبداد. فيما اعتبر الانتقاد لحكم حظر جماعة الاخوان المسلمين دفاعا عن خرق الجماعة لقانون الجمعيات الاهلية وقانون الاحزاب واستعمالها لجمعية في نشاط سياسي حزبي وصنف منتقدو الحكم سياسيا على اعتبارهم من الاسلاميين دون التفات لمضامين مآخذهم.

وما يريده هذا المقال هو إعادة قراءة الحكمين من زاوية مغايرة: فإزاء الشعبية التي أحيطت بهما، يجدر التدقيق من وجهة نظر قضائية في مدى تقيد الهيئتين اللتين أصدرتهما بمستلزمات الوظيفة القضائية وأصولها. وبكلمة أخرى الى أي مدى لزمت هاتان الهيئتان رصانة معينة في الالتزام بالأصول والضمانات القضائية في حمأة الحماس الشعبي للانقضاض ضد الحزبين اللذين تم تنحيتهما عن الحكم؟ وهذه المقاربة انما تسمح لنا بمدى حصانة هاتين الهيئتين القضائيتين إزاء المزاج العام السياسي. 
 
حكم حل التجمع الدستوري الديمقراطي
تسلطت دعوى الحل التونسية على هيكل نشط في الساحة السياسية المحلية لمدة زمنية قاربت ثلاثة أرباع القرن، الا أن هذا لم يمنع القضاء التونسي من حله بسرعة قياسية خلال اسبوعين فقط من تاريخ نشر القضية.
وفي هذا الإطار، تجدر الإشارة الى الأمور الآتية:
-أنه تم رفع قضية حل التجمع بتونس من قبل محام انتدبه وزير الداخلية فقدمها بوصفه نائبا للمكلف العام بنزاعات الدولة في حق وزير الداخلية. ورغم ان ممثل المكلف العام بنزاعات الدولة الذي اعتبر طرفا مدعيا في القضية تمسك بعدم قيامه بالدعوى ورفض قبول تبادل التقارير اثناءها بواسطته، فان المحكمة تغاضت عن صحة اجراءات القيام ولم تجد حرجا في التمسك بصفة المكلف العام بنزاعات الدولة كمدع رغم جدية منازعته في ذلك وكان ان ضمنت في طالع حكمها ان المكلف العام بنزاعات الدولة في حق وزير الداخلية هو المدعي فيما ذكرت في ردها على الدفع الشكلي "ان المكلف العام بنزاعات الدولة يأخذ حكم الوكيل الذي لا يرفع يد صاحب الحق عن ممارسة حقه وبالتالي فان القول بان المكلف العام بنزاعات الدولة لم يرفع الدعوى لا يؤثر في صحة القيام بعد أن حضر من ينوب عن وزير الداخلية صاحب الدعوى وتمسك بالسير فيها" .
-أن المحكمة الابتدائية بتونس حرصت على المزايدة على ما أثاره المدعي من اسانيد لدعواه، فأكدت "أن المحكمة في سعيها لتحديد وجه الفصل في النزاع عليها أن تحصر الوقائع عن طريق الخصوم لتنزل إثرها حكم القانون عليها، أما إثبات تلك الوقائع فلا يكتفى فيه بما أدلى به الخصوم من أدلة لتعلق الأمر بوقائع بعضها شائع عام يعلم به العام قبل الخاص فأصبح من الوقائع المشهورة التي تشترك المحكمة في العلم بها مع جمهور الناس ومن ثم جاز للمحكمة أن تستند إلى علمها الخاص في حدود تلك الوقائع لتقرير وجه الفصل في النزاع هذا إضافة إلى ما يقتضيه الأمر من تذكير بأن القاضي كما يفترض فيه الإلمام بالنصوص القانونية على درجاتها فانه يفترض فيه العلم أيضا بصلاحيات السلط وتقسيماتها وحدود عملها فضلا عن إلمامه بالشأن العام في بلاده" لتصل المحكمة بعد ان اسست لفكرة قوامها علم الجمهور لتأكيد علمها الشخصي بمسؤولية الحزب المدعى عليه عن كل تجاوزات النظام الاستبدادي بما يفيد انها بعلمها الخاص ودون حاجة منها لما اثبته المدعي مقتنعة بصدق الدعوى ووجاهتها .
 
دعوى حظر الأخوان
الملاحظات نفسها تكاد تتكرر عند النظر في دعوى حظر الاخوان ولو بأشكال وتحت عناوين مختلفة.
فالحكم هنا صدر بالطريقة الاستعجالية لحظر أعمال حركة عمرت عقودا ومن دون حتى الاستماع الى أي من ممثليها. فقد تقدم بالدعوى ناشط سياسي ينتمي لحزب معارض لجماعة الاخوان ضد رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء ووزير الداخلية والنائب العام ليطلب حظر أعمال جمعية الاخوان المسلمين ومن دون استحضار هذه الجمعية المطلوب حظر أعمالها. ولم تجد الهيئة القضائية حرجا في حظر أعمال هذه الجمعية التي غيبها المدعي عمدا من دون أن يكون لممثليها حق الطعن في الحكم طالما لم تكن طرفا في الدعوى.

كما حرصت المحكمة المصرية هنا أيضا على المزايدة على المدعي في اظهار التزامها بدعواه. فصرحت بكون جماعة الاخوان اتخذت من الإسلام ستاراً لها، وأهدرت دماء المواطنين عندما وصلت إلى الحكم، وافتقد المواطن أبسط حقوقه وساءت أحواله، ولم ينل إلا التنكيل والاستعلاء، وحاولت السيطرة على مفاصل الدولة، وزادت أحوال المواطنين سوءاً، ما جعلهم يخرجون في ثورة 30 يونيه بسلمية لمواجهة هذا النظام الظالم الذي أعمى عيون الجميع عن مواجهة النظام الظالم.كما ذهبت الى حد توجيه عبارات مدح للمؤسسة العسكرية التي بات قائدها الرجل القوي في النظام، تتضمن شكر الجيش على مساندته للثورة ضد حكم الاخوان.

كان ينتظر ان يؤدي تطور الوعي السياسي في المنطقة والذي ادى الى الاقرار بولاية القضاء بوصفه الحامي للحريات العامة على النزاعات التي تتعلق بتنظيم الحياة السياسية الى اعادة الاعتبار لقيم الحقيقة القضائية، بحيث ينشأ فقه قضاء في مادة الحياة السياسية من شأنه أن يفرض الالتزام بالقانون على الاحزاب السياسية في ممارستها لنشاطها. ولكن على العكس من ذلك تماما، بدا القضاة الناظرون في القضيتين موضوع هذا المقال أكثر تأثرا بالمزاج العام وبالتحولات السياسية مما هم ملتزمون بمبدأ الحيادية والأصول القضائية.

انشر المقال

متوفر من خلال:

المرصد القضائي ، استقلال القضاء ، تونس



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية