أبعد من قضية الزواج المدني، المهن القانونية أمام استحقاق التغيير (2)


2013-04-29    |   

أبعد من قضية الزواج المدني، المهن القانونية أمام استحقاق التغيير (2)

في المقال السابق، وبعدما استعرض الكاتب أبرز الجوانب الحقوقية التي أثارتها قضية الزواج المدني، وبوجه خاص المواجهة الحقوقية الحاصلة بشأن العلاقة بين الحريات العامة والحقوق الأساسية وارادة المشرع. فهل يبقى تفعيل هذه الحريات والحقوق (ومنها حرية المعتقد وحرية انشاء عائلة) وقفا على تدخل المشرع متى يشاء مما يجعلها بمثابة حقوق ممنوحة كما نقرأ في رأي هيئة التشريع والاستشارات، أم أنها ملازمة للفرد مما يسمح بفتح الباب أمام تكريسها اداريا والا قضائيا رغم تقاعس المشرع أو صمته وفق رأي الهيئة العليا ويفتح الباب واسعا أمام مفهوم دولة الحق كبديل عن دولة القانون؟ وقد ألمح المقال بأن انتهاء وزير الداخلية الى الاقرار بصحة الزواج المدني يشكل بهذا المعنى انحيازا للموقف الثاني. وفي هذا المقال، يسعى الكاتب الى استشراف ما قد يتولد عن هذه القضية من تصورات متباينة بخصوص الوظيفة الاجتماعية للعاملين في المهن القانونية وما قد يتولد عنها من استحقاقات أو مواجهات بين هؤلاء. فبقدر ما ينجح مفهوم الحق الملازم للفرد في تسجيل نجاحات، بقدر ما يصبح أصحاب المهن القانونية مدعوين للتحول نحو مزيد من الاجتهاد والابداع القانوني. ومن الطبيعي أن يستتبع ذلك مواجهة حقيقية بين اصحاب هذه المهن، بين التيار التقدمي القانع بوجوب اداء وظيفة ريادية في تطوير القوانين وأقلمتها مع حاجات المجتمع وتطلعاته، والتيار المحافظ والرافض لأي تغيير لرسوخ قناعته بانحسار دوره في خدمة القانون وتاليا في تطبيق ارادة المشرع من دون أي تطلعات فكرية أو سياسية مهما كانت جديرة بالاحترام. وبالطبع، يستفيد هذا التيار من قوة التقاليد، ولكن أيضا من تواطئه الضمني مع السلطة الحاكمة التي تجد في هذه التقاليد خير دعامة لاستمرار تحكمها بالمجتمع ككل (المحرر).     

من دون الانتقاص من اصرار الزوجين على ممارسة حقهما بالزواج المدني، فان الدراسة والخطة المحكمة التي وضعها طلال الحسيني معطوفة على الصيغة الرسمية التي أسبغ بها كاتب العدل جوزف بشارة العقد هما اللذان أخرجا هذه المبادرة من طابعها المطلبي أو النضالي لتصبح جزءا من المنظومة القانونية العامة، ولتفتح النقاش واسعا ما بين مؤيد ومعارض.
فبمصادقته على العقد، أعلن كاتب العدل العقد موافقا للنظام العام وأعلن نفسه مختصا لتصديقه بناء على قراءته للقانون. ولولا هذه المصادقة، لما أمكن القول بحصول أول زواج مدني في لبنان، ولكان زواج خلود ونضال شبيها على أكثر من صعيد بالزيجات الصورية التي دأبت جمعيات أخرى (شمل مثلا) على عقدها هنا وهنالك. ومن هذه الوجهة، بدا تصرف بشارة الأول من نوعه لجهة انخراط كاتب عدل في تفسير القوانين بشكل مغاير واذا بتطويرها: فبعدما عرف لبنان قضاة ومحامين عملوا على تطوير النصوص واعطائها التفسير الأكثر ملاءمة لاقرار الحقوق الأساسية، ها هو كاتب عدل يؤدي قسطه لتملك دور ريادي. والأمر نفسه نلمحه بشأن قضية منح الأم حق نقل جنسيتها لأبنائها التي مثلها تتصل بحق أساسي يلقى موانع عدة من رموز النظام الطائفي السياسي. فهذه القضية أيضا قد بلغت أوجها في الخطاب العام تبعا للحكم الصادر في  حزيران 2009 عن المحكمة الابتدائية في جديدة المتن برئاسة القاضي الذي اشتهر به جوني قزي. وهذا القاسم المشترك لانطلاق النقاش العام حول القضيتين ليس بالطبع صدفة على ضوء ما تقدم، انما هي نتيجة طبيعية من منظور دولة الحق التي يكون لأصحاب المهن الحقوقية دور أساسي في تطويرها، ولا سيما في الدول التي تبتعد فيها الطبقة السياسية عن المبادرات الاصلاحية. فبمقدور هؤلاء في معرض تفسيرهم للقانون أن يطوروه وصولا الى اقرار حق أساسي كان يبقى في اطار المطالبة والمناشدة لولا تدخلهم.
والواقع أن التشابه بين هاتين القضيتين لا يتوقف عند ربط زخم الخطاب العام بشأنهما بتدخل أحد هؤلاء، بل يتعداه الى الطرق التي اتبعتها السلطة لاستعادة صلابة خطابها، وبكلام آخر للتخلص من الحرج الذي يبلغ مداه مع صدور عمل قانوني أو قضائي أو حتى اداري عن أحد القيمين على خدمة عامة. فيهم السلطة بالدرجة الأولى في هذه الحالات ليس تعطيل هذه القرارات وحسب، انما أيضا نسف مشروعيتها القانونية واظهارها وكأنها "فقاعات اعلامية" أو "همروجة" لا تمت بشيء الى القانون أو على الأقل كأنها مخالفات للقانون الذي هو يتطابق مع كيفية فهمها هي له. وهذا ما تجلى من خلال التهجم الشخصي ضد القاضي جوني قزي (في أعقاب قراره بشأن منح الجنسية للأم اللبنانية في قضية سويدان) واتهامه بأنه محب للظهور وبأنه يعمل على تسييس القضاء من خلال تجاوز القانون في فترة الانتخابات، تمهيدا لفسخ الحكم من قبل محكمة الاستئناف، أي من قبل قضاة أسمى مقاما منه. ومن ثم، عمد مجلس القضاء الأعلى بالاتفاق مع وزير العدل ابراهيم نجار من خلال مشروع التشكيلات القضائية الصادر في مرسوم الى نقله من منصبه كرئيس محكمة الى منصب مستشار من دون رضاه، وعلى نحو أدى فعليا الى تجريده من امكانات الاجتهاد أو على الأقل الى اضعافها. وفي الاتجاه نفسه، ذهبت هيئة التشريع والاستشارات في استشارتها بشأن عقد الزواج المدني، بحيث عدّت العقد المصدق من كاتب العدل غير صحيح ومخالفا بداهة للقانون، من دون أن يكون هنالك أي مجال للشك. والشبه يبلغ مداه هنا عند معرفة أن رئيسة محكمة الاستئناف التي فسخت حكم الجنسية (حكم قزي) هي نفسها التي تترأس حاليا هيئة الاستشارات والتشريع أي القاضية ماري دنيز معوشي. فكأنها تمثل نموذج القاضي المحافظ على طروحات السلطة في مواجهة القاضي أو كاتب العدل اللذين هما استندا على المنطق القانوني لاعلان حقوق على تعارض مع توجهات السلطة. وفيما يبقى الحكم الاستئنافي الصادر عنها عالقا أمام محكمة التمييز التي تبدو مترددة في الذهاب في اتجاه أو في آخر،  فان رأيها الاستشاري قد نسفته الهيئة العليا للاستشارات التي انحازت (هي) الى دولة الحق، في موقف يتماشى مع موقف وزير العدل شكيب قرطباوي. وهو الموقف الذي رجح في نهاية المطاف في موقف وزير الداخلية مروان شربل.
ومما تقدم، يظهر أن المجابهة الحاصلة بين التيارين التقدمي والتقليدي داخل المهن القانونية غالبا ما يترافق مع سؤال لا يقل خطورة وجدية ومفاده الوسائل التي قد تستخدمها السلطة للمحافظة على مصالحها، على نحو غالبا ما يصل الى حد التعدي على استقلالية أصحاب هذه المهن. وهذا ما حصل في قضية الجنسية، بحيث تم نقل القاضي جوني قزي من دون رضاه، وفي أجواء عقابية واضحة، فيما عينت المعوشي رئيسة لهيئة التشريع والاستشارات أي في أحد المناصب الهامة بعد أشهر من صدور حكمها في فسخ حكم الجنسية. وهكذا، بدت السلطة وكأنها استخدمت ما لها صلاحيات للتأثير على مسار القضاة لفرض مفهوم الوظيفة التقليدية الذي يناسبها من خلال ترقية من التزم بها ومعاقبة من شذ عنها. ومن هذه الزاوية، بدت السلطة وكأنها استغلت اشتهار القضية لاشهار التدابير المتخذة بمناسبتها بشكل شبه احتفالي، لتكون عبرة لمن اعتبر. وبذلك، ظهر بعد جديد لهذه القضية مفاده أن المجابهة بشأن طبيعة الوظيفة الاجتماعية للمهن القانونية غالبا ما ينتهي في ظل التواطؤ الضمني بين التيار المحافظ والسلطة الى مجابهة بشأن مدى استقلالية هؤلاء. وانطلاقا من ذلك، يفرض الصراع الاجتماعي حول هذه القضايا اذا، وفي موازاة تقوية مشروعية المطالبة بهذا الحق أو ذاك، العمل على حماية أصحاب المهن القانونية ودعم استقلاليتهم عن السلطة السياسية والمنطق القانوني في مواجهة المنطق السياسي، مع ما يستتبع ذلك من تقويض للمفاهيم السلطوية كأسر القاضي في صفة خادم القانون. فبقدر ما يكون للسلطة مصلحة في ابقاء هذه الوظيفة ضمن الأطر التي ترسمها، بقدر ما تكون القوى الاجتماعية التغييرية مصلحة في الدفاع عن استقلالية القضاة في مواجهة هذه السلطة. ومن هذه الزاوية، كان من الطبيعي أن تولد قضية الجنسية قضية أخرى، اسمها قضية جوني قزي وأن تشهد هذه القضية ما يمكن تسميته أول اعتراض من المنظمات المدنية بوجه التشكيلات القضائية.
الا أنه من الخطأ الاعتقاد بأن تصوير هذه المواجهة على هذا الوجه يصح في جميع الحالات، ولا سيما في الفترات التي تشهد فيها الطبقة السياسية انقساما حادا مما يضعف اجماعها وتماسكها في مواجهة القوى التغييرية ويفتح لهذه القوى مداخل لانجاز خروقات. فالغلبة التي تحققت في قضية الزواج المدني من خلال رأي الهيئة العليا للاستشارات لم تكن لتحصل لولا اصرار وزير العدل على احالة الملف الى هذه الهيئة، وهو نفسه الوزير الذي كان وقع على التوصيات الوزارية برفض اعطاء المرأة حق اعطاء جنسيتها خوفا من تفاقم الاختلال الديمغرافي. فكأنما هنالك وقت لدولة القانون ووقت لدولة الحق في منطق الوزير، وفق ما يتلاءم مع متطلبات فريقه السياسي. وهو موقف يمكن الاستفادة منه حينا من دون امكانية المراهنة عليه في كل حين.

انشر المقال

متوفر من خلال:

لبنان ، مقالات ، جندر وحقوق المرأة والحقوق الجنسانية ، لا مساواة وتمييز وتهميش ، حريات عامة والوصول الى المعلومات ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية