أبعد من قاعة المحكمة: أثر النشاط الحقوقي القضائي على الحقوق الاجتماعية والاقتصادية في أمريكا اللاتينية

أبعد من قاعة المحكمة: أثر النشاط الحقوقي القضائي على الحقوق الاجتماعية والاقتصادية في أمريكا اللاتينية

سيزار رودريغيز-غارافيتو*

في الساعة 9:00 من صباح يوم الجمعة 12 تموز 2009، دخل نيلسون بينيلا، الذي كان آنذاك رئيس المحكمة الدستورية الكولومبية،[1] قاعة المحكمة في قلب بوغوتا. واعتلى المنصة، محاطاً باثنين آخرين من قضاة المحكمة ، أمام حوالي 300 منا نحن المحتشدون في القاعة – من محامين وناشطين وقادة شعبيين وصحافيين ومسؤولين حكوميين وأكاديميين – وافتتح جلسة لم يسبق لها مثيل في تاريخ السلطة الدستورية في كولومبيا أو في أمريكا اللاتينية.

وكان لويس ألفونسو هويوس، مدير الوكالة المكلفة شؤون نحو خمسة ملايين نازح داخلي من جراء النزاع المسلح في كولومبيا[2]، قد أمضى اليوم بأكمله معتلياً المنصة يدلي بشهادته بشكل علني حيال ما فعلته الحكومة وما فشلت في القيام به من أجل النازحين. وبينما كان هويوس يعرض الإحصاءات والشرائح على برنامج “باوربوينت” رداً على أسئلة طرحتها المحكمة والمنظمات غير الحكومية التي كانت حاضرة، كان بإمكاننا من داخل المحكمة سماع صيحات النازحين في ساحة بوليفار المجاورة ، احتجاجاً على إهمال الدولة ولا مبالاتها بقضيتهم.

كان المسار الذي قاد إلى جلسة الاستماع  بدأ قبل خمس سنوات، في كانون الثاني 2004، عندما جمعت المحكمة الدستورية الكولومبية شكاوى دستورية لـ1150 أسرة نازحة وأصدرت حكمها الأكثر طموحاً خلال مسيرتها التي بدأت قبل عقدين وهو الحكم رقم T-025 الصادر عام 2004،[3] وينص على أنّ حالة الطوارئ الإنسانية الناجمة عن النزوح القسري تشكل “وضعاً منافياً للدستور”، أي انتهاكاً واسع النطاق لحقوق الإنسان مرتبطاً بالفشل المنهجي لإجراءات الدولة.[4] وكما أظهرت الشكاوى التي وصلت إلى المحكمة من جميع أرجاء البلد، لم تكن هناك سياسة حكومية جادة ومنسقة لتقديم المساعدات الطارئة إلى النازحين داخلياً،[5] كما لم تتوفر معلومات موثوقة عن عدد النازحين أو الظروف التي يواجهونها.[6] بالإضافة إلى ذلك، بدا واضحاً أن الموازنة المخصصة لهذه القضية لم تكن  كافية.[7] ومن أجل القضاء على جذور هذا الوضع، أمرت المحكمة باتخاذ مجموعة من التدابير الهيكلية التي، كما سنرى، استغرق تنفيذها وقتاً طويلاً ولا تزال عملية متابعتها مستمرة حتى اليوم.[8]

لم يكن الحكم T-025 القرار الهيكلي الأول الصادر عن المحكمة الدستورية الكولومبية الذي يعلن وجود وضع مناف للدستور.[9] فمنذ عام 1997، أصدرت المحكمة سبعة قرارات من هذا النوع في ظروف متنوعة إلى حد كبير، بما في ذلك عدم الالتزام بإدراج العديد من الموظفين الرسميين في نظام الضمان الاجتماعي،[10] والاكتظاظ الكبير في السجون،[11] وعدم توافر الحماية للمدافعين عن حقوق الإنسان،[12] وعدم الإعلان عن دعوة مفتوحة لترشيحات علنية لكتاب العدل.[13] وفي قرارات أخرى، جمعت المحكمة شكاوى دستورية مختلفة وأمرت بتدابير هيكلية طويلة الأجل من دون الإعلان رسمياً عن وجود وضع مناف للدستور. كما قامت بالأمر عينه مؤخراً في الحكم T-76014[14] أصدرته عام 2008 أدى إلى حلّ اثنتين وعشرين شكوى بشأن حالات فشل منهجية في نظام الرعاية الصحية.[15]

تركز هذه المقالة على قرارات المحكمة الدستورية الكولومبية في هذه الحالات التي أسمّيها “قضايا هيكلية”. فبالنسبة إليّ هذه الحالات هي إجراءات قضائية (1) تؤثر على عدد كبير من الأشخاص الذين يدّعون حدوث انتهاك لحقوقهم، سواء بشكل مباشر أو من خلال منظمات تتولى التقاضي؛ (2) تطال وكالات حكومية متعددة ثبتت مسؤوليتها عن حالات فشل للسياسة العامة تساهم في انتهاك هذه الحقوق؛ و (3) تنطوي على تدابير هيكلية وإنذارات قضائية، أي أوامر إنفاذ توجّه بموجبها المحاكم مختلف الوكالات الحكومية اتخاذ إجراءات منسقة لحماية كامل الشريحة المتضررة وليس فقط أصحاب الشكوى المحددين في القضية.

للاطلاع على الدراسة باللغة العربية اضغط/ي على:  أبعد من قاعة المحكمة: أثر النشاط الحقوقي القضائي على الحقوق الاجتماعية والاقتصادية في أمريكا اللاتينية

للاطلاع على الدراسة باللغة الانجليزية اضغط/ي على: Beyond the Courtrooms The Impact of Judicial Activism on Socioeconomic Rights in Latin America

انشر المقال

متوفر من خلال:

أميركا الجنوبية ، استقلال القضاء ، حراكات اجتماعية ، دراسات



لتعليقاتكم