أبعد من براءة زياد عيتاني، أي مهنية في الإعلام والقضاء والسياسة والأمن؟


2018-03-03    |   

أبعد من براءة زياد عيتاني، أي مهنية في الإعلام والقضاء والسياسة والأمن؟

لم يشهد لبنان، أقلّه في السنوات الأخيرة، هذا التسريب الفاضح لمحاضر تحقيق، كما حصل في قضية توقيف الممثل زياد عيتاني بتهمة التعامل مع العدو الإسرائيلي. في 23 تشرين الثاني 2017، أوقف الممثل المسرحي والناشط السياسي المعروف في بيروت وسرّب الخبر إلى وسائل الإعلام في اليوم التالي. وسرعان ما بدأت المعلومات بالتدفق على الرأي العام. عيتاني في قبضة المديرية العامة لأمن الدولة في عملية وضعت سريعاً في خانة “الإنجاز”. وقد جندته سيّدة شقراء جميلة تدعى كوليت فيانفي وهي ضابطة في جهاز الإستخبارات الإسرائيلي. بتنا أمام فيلم مشوّق: هل تعامل عيتاني مع العدو لأنه كان بحاجة للمال؟ أم لأن الضابطة ابتزته بفيديوهات جنسية له؟ هل هي جميلة؟ هل كانت فعلاً ستزور لبنان؟ هل التقاها في تركيا؟ هل كان يخطط لتنفيذ اغتيالات؟ هل هناك أسماء أخرى متورطة في الملف؟ وعد الصحافيون المشاهدين بتطورات شيّقة “في الحلقات القادمة” ولم يخيّبوا الآمال. بعد أكثر من ثلاثة أشهر من هذه الحادثة ومن توقيف زياد عيتاني، شهد الملف تطورا رهيبا، بعدما استناب قاضي التحقيق جهاز أمن آخر هو شعبة المعلومات. الرواية الجديدة تقول أن ضابطة رفيعة المستوى (الرئيسة السابقة لمكتب مكافحة جرائم المعلوماتية) هي التي فبركت، بالتنسيق مع خبير قرصنة، ملفا لإدانة عيتاني بالعمالة، بدافع انتقام شخصي. تم توقيف الضابطة ويجري التحقيق معها حاليا. الملف شكل هزة كبيرة للمواطن اللبناني الذي اكتشف فجأة انهيار القيم المهنية في الإعلام والسياسة والقضاء والأمن، وهو انهيار ما كان ليحدث لولا انهيار سابق لآليات المحاسبة وفي مقدمتها ضمانات استقلال القضاء. تعليقا على ذلك، نشرت المفكرة الملاحظات الواردة في هذا النص.  (المحرر).  

 

بمعزل عما ستسفر عنه التحقيقات في قضية زياد عيتاني، بالإمكان المسارعة إلى استخلاص عدد من الدروس حول الانزلاقات المهنية الحاصلة في الإعلام والقضاء والسياسة والأمن والتي من شأنها تعريض المواطنين كافة للخطر. ومن أهمّ هذه الانزلاقات، الآتية:

أوّلا، أن بعض وسائل الإعلام ارتكبت خطأ مريعا حين سارعت إلى نشر تفاصيل التحقيقات الأولية مع زياد عيتاني، من دون إبداء أي تحفظ لجهة كونها تحقيقات أولية قد تكون بعيدة كل البعد عن الحقيقة، وفي انتهاك جسيم لقرينة البراءة إلى حين إثبات الإدانة. وما يزيد الأمر جسامة هو غياب أي مصلحة عامة من شأنها أن تبرر هذا النشر بما رافقه من تشهير وفضح للخصوصيات. ولتبيان ذلك، تُحيل المفكرة إلى المقال المنشور في عددها 53 حيث وثّقت الباحثة جويل بطرس أبرز هذه الانتهاكات تحت عنوان: “المهنية الضائعة بين الإعلام والأمن”. ويؤمل أن يكون لهذه الوسائل اليوم التواضع الكافي لإجراء نقد ذاتي حول الحماسة التي اعتمدتها للتشهير بمواطن استنادا إلى معطيات مستمدة من تحقيقات أمنية انتزعت منه وهو قيد الاحتجاز ومن دون أن يتسنى له التعليق عليها علنا. فعسى هذه الوسائل تدرك اليوم أهمية الأصول المهنية التي من الضروري العمل بها في حال أرادت المحافظة على مصداقيتها. فألا يجدر بالوسائل المعنية أمام خطأ كهذا أن تعترف بأخطائها علنا، أن تعتذر من عيتاني ولكن أيضا من مشاهديها وقرائها، أن تتعهد بعدم تكرار أخطاء مماثلة مستقبلا؟ أكثر من ذلك، ألا يجدر بالجسم الإعلامي كله أن يتلاقى لإعادة التفكير بآدابه وأصوله المهنية، فيستفيد من هذه الأزمة لتطوير وتنقية ذاته؟

ثانيا، أن بعض الجهات السياسية ارتكبت خطأ مريعا حين تبنت هذه التحقيقات الأولية وعملت على أساسها وكأنها الحقيقة المنزلة من دون انتظار حكم القضاء. ومن أبرز هؤلاء، وزير الداخلية نهاد المشنوق الذي انتشرت أخبار حول تورّط عيتاني في الإعداد لاغتياله، وتاليا حول تلقيه تهاني بإفشال هذه المحاولة بعد القبض على عيتاني. ويبدو أن المشنوق يحاول اليوم إصلاح خطئه بخطأ آخر لا يقلّ فداحة، قوامه المسارعة إلى إعلان براءة عيتاني قبل صدور قرار قضائي بهذا الشأن. وبالطبع، في حال ثبوت أخطاء من هذا الحجم، من واجب الهيئات السياسية إجراء نقد ذاتي وتقديم المتورطين منهم اعتذارا متناسبا مع خطورة الفعل من المواطن عيتاني،

ثالثا، أن مفوض الحكومة العسكري بيتر جرمانوس ارتكب بدوره، وفي أول استحقاق هام أمامه بعد تعيينه في هذا المنصب، خطأ مريعا حين لزم الصمت إزاء تسريب التحقيقات الأولية، فلم يتحرك لا لمحاسبة الفاعلين ولا حتى لوقفها، علما أن هذه التسريبات تشكل جرائم واضحة، وأن العديد منها لم يمر عليه الزمن. وبالطبع، تتحمل النيابة العامة التمييزية من موقعها الهرمي، جزءا من المسؤولية في هذا الإطار. فضلا عن ذلك، ثمة أسئلة ما تحتاج إلى أجوبة دقيقة حول كيفية إدارة الملف من قبل قاضي التحقيق العسكري رياض أبو غيدا، لجهة كيفية تعامله مع ادعاء عيتاني بتعرضه للتعذيب أو مع عزل عيتاني لفترة طويلة مع منع زيارته، سواء من قبل ذويه أو محاميه. هذا فضلا عن تحفظنا الكامل لجهة صلاحية المحكمة العسكرية في محاكمة المدنيين.  

رابعا، أن الخوف، كل الخوف إزاء انحدار عمل مسؤولين في الأجهزة الأمنية. ففي حال انتهت التحقيقات إلى تثبيت صحة ادّعاءات الدفاع عن عيتاني، فإن ذلك يلقي ظلالا كثيفة حول تورط أمنيين أو أجهزة أمنية بارتكابات ثلاثة بالغة الخطورة:

  • الارتكاب الأول يتمثل في تورط ضابطة رفيعة الدرجة في قوى الأمن الداخلي سوزان الحاج في فبركة ملف عمالة مع اسرائيل، لغايات انتقامية شخصية. وأخطر ما في هذا الأمر هو أن الضابطة المعنية هي رئيسة سابقة لمكتب مكافحة جرائم المعلوماتية، الذي كان له اليد الطولى للتلصص على خصوصيات اللبنانيين كافة، بمعزل عن أي ضمانات قانونية. وهذا الأمر إنما يعزز كل ما كانت المنظمات الحقوقية تطالب به لجهة وجوب حماية المواطنين إزاء الممارسات التعسفية لهذا المكتب،
  • الارتكاب الثاني، هو سعي القيمين على جهاز أمن الدولة إلى توريط أحد المواطنين بجرم العمالة، أساليب تحقيق ملتوية، قد يكون من بينها انتهاج أساليب التعذيب،
  • الارتكاب الثالث، هو سعي جهاز أمن الدولة إلى الترويج لدوره من خلال تسريب التحقيقات الأولية، على نحو يتنافى تماما مع قرينة البراءة ومع مسؤولياته الأساسية في هذا المضمار.

أخيرا، من البين أنه يتعين على الدولة أن تتحمّل المسؤولية في تعويض المواطن زياد عيتاني الذي قد يكون تكبد من جراء النقص في مهنية أجهزتها وسلطاتها ضررا فادحا، لا يمكن السكوت عنه. 

 

انشر المقال

متوفر من خلال:

أجهزة أمنية ، محاكم عسكرية ، استقلال القضاء ، محاكمة عادلة وتعذيب ، لبنان ، لا مساواة وتمييز وتهميش ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، قضاء ، المرصد القضائي



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية