“أبعد من الإسمنت”: الكورة كنموذج للعيش


2020-06-24    |   

“أبعد من الإسمنت”: الكورة كنموذج للعيش

بعد تسعة أشهر على انطلاق المسابقة الدولية المفتوحة “أبعد من الإسمنت: نحو رؤية تنموية وبديلة لشكا وبلدات الطوق” التي أطلقها “استديو أشغال عامة” (بالتعاون مع نقابتي الهندسة في بيروت وطرابلس، وبرعاية اتحاد بلديات الكورة)، أعلنت لجنة التحكيم  خلال مؤتمر خاص عن أسماء الفرق الفائزة في المركزين الثاني والثالث، بدون جائزة المركز الأول “بسبب عدم مطابقة المشاريع المشاركة جميع المعايير” وفق ما أعلنت جالة مخزومي رئيسة لجنة التحكيم.

 مشاريع غير شاملة

انطلقت المسابقة في أيلول 2019 بهدف “حصد حلول بديلة ودامجة لمشكلة البئة والاقتصاد المحليّ والعمراني في شكّا وبلدات الطوق في قضاء الكورة”. فتلك المنطقة تعاني من تحدّيات بيئية وصحية خطيرة بسبب استفحال أزمة المقالع ومعامل الإسمنت (جميعها تابعة لشركتين: السبع وهولسيم) الناشطة منذ الثلاثينيات بشكل عشوائي وبدون أي تنظيم يخفف من تأثيرها على الحياة الصحية والاقتصادية للأهالي.

افتتح المؤتمر النقيب جاد تابت بالحديث عن التغيرات الكبيرة التي حصلت في لبنان خلال زمن المسابقة من “الانتفاضة التي عّبرت عن رفض الاستمرار في السياسات والخيارات التي أوصلت البلاد إلى حالة متدهورة معيشياً، واقتصادياً، وبيئياً، إلى جائحة “كورونا” التي طرحت أسئلة جوهرية حول نظام العولمة الذي جعل العالم ساحة مفتوحة تنتقل فيها الجراثيم كما الرساميل والخدمات والسلع دبون أية قيود”.

هكذا، أثرت التحولات في السياسة والإقتصاد على السياق العام الذي تحصل فيه المسابقة خاصة أن الإشكاليات التي طرحتها مرتبطة بالتحديات التي طرحتها الانتفاضة على المجتمع اللبناني والأسئلة التي أثارها انتشار جائحة “كورونا”: “النهج الذي كان البلد يمشي فيه ينظر إلى المجال الوطني (national territory) كمجرد ساحة لحركة الأسواق المتحررة من كافة القيود بفعل سيطرة رأس المال المعولم وهيمنة شبكات التبادل الاقتصادية على المستوى الكوني. لذلك تشكل تجربة شكا وبلدات الطوق مع معامل الإسمنت مثالاً صارخاً لنتائج هذا النهج وآثاره على الحياة الاقتصادية المحلية وعلى الواقع الاجتماعي والصحي لسكان المنطقة” وفق تابت.

استهدفت المسابقة ثلاثة مواقع هي: 1 – سهل الكورة الأوسط االذي تعرّض لحفر شركات الإسمنت منذ الستينيات حتى الثمانينيات بغرض استخراج مادة الأرجيل (الطين) ما أوقع أضراراً جسيمة بالتربة وأشجار الزيتون، وفراغات ضخمة لا تزال بدون ردم، 2- شاطئ شكا والهري الذي أصيب بآثارٍ سلبیةٍ نتيجة النشاط الصناعي والتعديات على الأملاك البحرية لمعمل ترابة السبع (الذي يأخذ المواد الأولية من المقالع القريبة)، 3-  المقالع الممتدة على نطاق بلدات شكا وبدبهون وكفرحزیر التي توسّعت على مدى سنوات بشكل غیر قانونی وبدون أي اكتراث للاعتبارات البیئية والصحية.

الأسباب الأخرى لعدم ملاءمة المشاريع للمنطقة، وفق مخزومي هو أنّ “ما تمّ تقديمه لم يتّسم بحد ذاته بالشمول والتكامل، كما أنّ الأغلبية تجاهلت العلاقة بالمناطق الداخلية، ولم تتمكن من طرح نماذج للتنمية الإقتصادية تستغلّ السّمات التنافسية للمواقع وتفيد المجتمعات المحلية”. أما المعايير التي أخفق المشاركون بالالتزام بها فهي: “خلق نموذج يمكن أن يتكرر في مناطق تمتلك ظروفاً مشابهة في لبنان، والجدوى التقنية، وقبول أصحاب المصلحة، والمعقولية البيئية، بالإضافة إلى إهمال الشق التخطيطي والترويجي، والمناصرة، وتقديم نماذج صالحة وشامة ومبتكرة للتنمية إقتصادياً، ومساءلة الأنماط المهيمنة في التنمية واستخدام الأراضي”.

كيف نتجاوز الأنماط المهيمنة في التنمية الاقتصادية

من أدوات هيمنة شركات الإسمنت، النفوذ السياسي الذي تمتلكه بالإضافة إلى ترويجها لنفسها في الخطاب السائد على أنها ضرورة إقتصادية تؤمّن وظائف لأبناء المنطقة. خلال الفترة الأولى من عملها، ربما غضّ السّكان الطرف فعلاً عن هذه الشركات بسبب تأمينها الوظائف بالإضافة لإعطائها مبالغ مالية للسكان كبدل لشرائها الأراضي، لكن هذا الواقع لم يلبث أن تغيّر بسرعة، خاصة مع مجيء المكننة التي خفضت عدد الموظفين، ما أجبر الشركات على تحويل الدعم إلى تبرعات تذهب للأندية والبلديات والجمعيات (علماً ان السكان لجأوا أحياناً إلى مقاطعة الأمكنة التي تتلقّى تبرّعات).

لذلك، تؤكّد عبير سقسوق (باحثة معمارية في استوديو أشغال عامة) أنّ المهمّ اليوم لمواجهة هذا الخطاب، مساءلة الأنماط المهيمنة في التنمية الإقتصادية في لبنان وتحديداً علاقتها بتنظيم الأراضي واستخدامها وأطر التنظيم المدني: “القطاع العقاري يسيطر على 77% من الاقتصاد اللبناني المديني وذي الامتيازات. هذا الاقتصاد من تعريفاته أنه منحاز لفئة صغيرة ومحدودة تستفيد من الارباح وأنه يهمّش المناطق الأخرى وإمكانياتها واقتصاديّاتها المنتجة”.

أحد الحلول لتجاوز هذا النمط الإقتصادي، يكمن في امتلاك لبنان استراتيجية للتنمية الوطنية وهي الخطة الشاملة لترتيب الأراضي اللبنانية الصادرة عام 2009 والتي تتجاهلها الدولة كلياً رغم أنها تعتبر وثيقة شاملة للتنمية والتخطيط وترشيد الموارد والأراضي. لكن من شروط المسابقة أن “تتماشى المقاربات المحلية مع أهداف ومبادئ هذه الخطة” وفق سقسوق التي تؤكّد على أهمية إيجاد البدائل وإعطاء طابع وطني لقضية الكورة التي كانت غارقة في المحليّة، “يمكن للمشاريع أن تكسر هيمنة النظام على مخيّلتنا وقدرتنا على تصوّر آفاق مستقبلية بديلة عن واقعنا الحالي”.

ما الأقرب إلى الواقع: القانون؟ أم القوى المهيمنة؟

في هذا السياق تحدّث نزار صاغية، المدير التنفيذي لـ”المفكرة القانونية”، عن مفهوم “المشاريع الواقعية” وعن السؤالين اللذين تكرّر طرحهما خلال جلسات نقاش المشاريع: “هل المشاريع اقعية، ومربحة اقتصادياً؟”. مقابل هذين السؤالين، طرح صاغية مجموعة أسئلة اخرى: “إن كانت هذه المشاريع غير واقعية، فهل من الواقعي إذاً إغلاق الكسّارات التي من غير المسموح قانونياً أن تكون موجودة في المنطقة؟ هل من الواقعي أن يصبح شاطئ الهري وشكا ملكاً للناس؟ هل من الواقعي الطلب من شركات الإسمنت الخضوع لشروط بيئية قاسية؟ علماً أنّ الأهالي يتحدّثون باستمرار عن عدم وجود فيلترات ورفض الوزارة تقديم نتائج اختبارات التلوث التي قامت بها وإحصائيات إصابات السرطان التي يبدو أنها مرتفعة جداً!؟ أيّهما أقرب إلى الواقع: القانون؟ أم القوى المهيمنة؟ وأي واقع يفترض على المتسابقين أخذه بعين الاعتبار؟”

من ناحية ربحية المشاريع إقتصادياً، يرى صاغية أنّ هذا الموضوع أيضاً لا يمكن فصله عن قوى الأمر الواقع التي تفرض نموذجاً مبنيّاً على الاحتكارات: “هناك من يحتكر الإسمنت ويحتكر الكسارات ويحتكر الشاطئ. لكن حين نتكلم اليوم عن اقتصاد منتج وبديل بعد حصول الإفلاس والأزمة الإقتصادية، مثل العودة إلى صناعة الزيتون في حالة الكورة، يعني أننا نتحدث عن قطاعات أكثر ديمقراطية وغير قائمة على الاحتكارات، أما في حال بقي النظام كما هو، بالطبع لن تكون هذه القطاعات مربحة”.

غضب محلّي على المقالع

تحدثت في المؤتمر أيضاً الناشطة سمر نجار، وهي من سكان القرى المجاورة للمقالع، عن الخطوات التي يقوم بها السكان اليوم للحصول على بيئة نظيفة، منها توقيع العرائض الشعبية، والاعتصامات. من هذه النشاطات، اعتصام دعا إلأيه الإئتلاف الشعبي ضد المقالع والكسارات يوم السبت 27 حزيران، الساعة الخامسة من بعد الضهر، بالقرب من مقلع كفرحزير، وهو اكبر مقلع في المنطقة.

من ناحية اخرى، يتعرض سكان المنطقة للتلاعب من قبل الحكومات المتعاقبة منذ عقود، ووفق نجار:”عند مجيء كل حكومة، تقوم الشركات بمفاوضتها من أجل الإستحصال على مهل إدارية استثنائية، خارج القانون، تسمح لها بتشغيل المقالع في اراضيها التي تصنف سكنية وغير صالحة للقلع”.

تشارك البلديات في مواجهة هذه المقالع، ويمكننا اليوم في حال زيارة قرى الكورة، أن نرى اليافطات المعارضة لوجودها في الشوارع، علماً أن بلدية كفرحزير كانت قد حرّرت ضبطاً بحق واحدة من الشركات في السابق. لكن الشركات لا تزال غير متجاوبة، وهي ترفض استصلاح الأراضي التي خرّبتها سابقاً، وتمارس الإبتزاز عبر التهديد بطرد العمال في حال زادت خطوات الأهالي ضدها.

نتائج المسابقة

الجائزة الثانية: 6 ملايين ليرة لبنانية
عنوان المشروع  Re-:
الموقع ب: مقلع بدبهون.

 أعضاء الفريق: مها عيسى؛ ليا رمضان؛ سهى بو مطر (أتولييه حمرا)؛ مروان زوين (casaleganitos architects)؛ حسين نخال، دافيد حبشي، كريستينا سكاف (استوديو كواكب)؛ خالد سليم.
البلد: لبنان.

الجائزة الثانية: 6 ملايين ليرة لبنانية
عنوان المشروع: التألّم والشفاء (الموقع ب: مقلع بدبهون).
أعضاء الفريق: سلمى مرغيش؛ مروة دغوغي؛ حسناء حنصل؛ حاتم لهلو؛ ندى السلاك.
البلد: المغرب.

الجائزة الثالثة – 3 ملايين ليرة لبنانية
عنوان المشروع: تصميم الموقع “أ” وفق مقاربة صناعية وإيكولوجية (الموقع أ: شاطئ شكا – الهري).
أعضاء المشروع: لادان مصطفى زاده؛ محدثه صادقي صفات؛ مهسا أميري؛ فايزه طورابي نجاد.
البلد: إيران.

ونوّهت لجنة التحكيم بمشروعين حصلا على جوائز تقديرية:
عنوان المشروع الأول: تحول 2030 (الموقع أ: شاطئ شكا – الهري).
أعضاء الفريق: إليش س.د؛ ماري جو مالك؛ سيسيل كرم؛ ربى عازار افرام.
البلد: لبنان.

عنوان المشروع الثاني: تصوّر الاستدامة في لبنان: الكورة الخضراء (الموقع ت: سهل الكورة الأوسط الزراعي).
أعضاء الفريق: سوراف شرستا؛ آراتي داكال؛ براكريتي بانداري.
البلد: نيبال.

انشر المقال

متوفر من خلال:

بيئة وتنظيم مدني وسكن ، تحقيقات ، حراكات اجتماعية ، لبنان



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *