آلية لتأمين الغذاء للأشخاص المحتفظ بهم في المغرب


2023-02-20    |   

آلية لتأمين الغذاء للأشخاص المحتفظ بهم في المغرب

بعد طول انتظار، دخلت حيّز التنفيذ بالمغرب آلية تمويل الدولة لنفقات التغذية المقدمة إلى الأشخاص الموضوعين رهن الحراسة النظرية والأحداث المحتفظ بهم، وفقا للتعديلات الواردة على قانون المسطرة الجنائية[1]. وتأتي هذه المبادرة تفعيلا لتوصية الآلية الوطنية للوقاية من التعذيب من أجل أنسنة أماكن الاحتجاز حيث طالبتْ باتخاذ تدابير تحفظ حقّ الأشخاص المحروسين نظريّا في التغذية لتفادي وقوع أيّ حادث ينجم عن الحرمان من الأكل أو نقصه، والذي قد يشكّل مظهرا من مظاهر سوء المعاملة.

تغذية الموقوقين نظريا وفق المعايير الدوليّة وبعض القوانين المقارنة

يعتبر موضوع تغذية الأشخاص الموقوفين رهن الحراسة النظرية أو تدابير الاحتفاظ موضوعا حقوقيّا بامتياز، إذ هو يرتبط بجوهر ضمانات المحاكمة العادلة والتي تبتدئ مند اللحظة الأولى لإيقاف المتّهم، حيث يكون له الحقّ في المعاملة الإنسانية، وفي احترام الكرامة. وفي هذا السياق، تكرّس الفقرة 2 من المادة 11 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الحقّ الأساسيّ لكل فرد في التحرّر من الجوع. كما تكفل قواعد نيلسون مانديلا للمحتجزين غير المحاكمين “إذا رغبوا في ذلك، في الحدود المتَّفقة مع حفظ النظام في المؤسسة، أن يشتروا ما يريدون من الطعام من الخارج على نفقتهم، إمَّا بواسطة الإدارة أو بواسطة أسرهم أو أصدقائهم. وفيما عدا ذلك، تتكفَّل الإدارة بإطعامهم”[2] ، وتؤكد مدوّنة الأمم المتحدة لقواعد سلوك الموظفين المكلّفين بإنفاذ القانون على سهرهم  على الحماية التامة لصحة الأشخاص المحتجزين في عهدتهم[3].

وعلى مستوى بعض القوانين المقارنة، تمّ تنظيم تغذية المحروسين نظريّا من خلال مراسيم أو دوريّات تنظيمية. فقد خوّل القانون الفرنسيّ[4] لوزارة الداخلية مسألة تدبير تغذية المحروسين نظريّا، من دون أن يحدّد الإطار التنظيميّ لكيفية تدبير الشق الميزانياتي للموضوع. ويبقى أهمّ نصّ صادر عن وزارة الداخلية الفرنسية في هذا الشأن هو المنشور[5] الموجّه إلى المديرين العامين للأمن الوطني والدرك الوطني وولاة الأمن والذي تضمّن تعليمات تحثّ على الحفاظ على كرامة المحروسين نظريا. ومما جاء فيه: “فيما عدا الحالات الاستثنائية، يجب أن تتمّ تغذية المحروسين نظريا بوجبات ساخنة وفي الساعات الاعتيادية. ويجب أن يتم إعداد الوجبات حسب القناعات الدينية المفصح عنها للموضوعين رهن الحراسة النظرية”. كما أن “هذه الوجبات تتحملها ميزانية الأمن الوطني والدرك”.

في الاتّجاه نفسه، ذهب القانون البلجيكي[6] حدّ النصّ على عدّة مقتضيات تتعلّق بتنظيم تغذيّة المحروسين نظريا، وتكلفة هذه التغذية. فقد اعتبر أنّ من حقّ كلّ محروم من الحريّة الحصول على الكمية الكافية من المياه الصالحة للشرب وعلى الوجبات الغذائية طيلة فترة حرمانه من الحرية، مع جعل استخلاص المصاريف المتعلّقة بالتكلفة والتنظيم العملي لتوزيع المياه والوجبات على المحرومين من الحرية تتمّ من طرف الملك. إلا أنه لم يصدر أي مرسوم ملكي ينظّم هذا الموضوع. وتمّ إصدار منشور مشترك بين وزارة الداخلية ووزارة العدل[7] ينظّم مسألة تدبير كلفة التغذية في حالة الإيقاف القضائي بمراكز الشرطة، حيث جعل تكلفة التغذيّة تقع على عاتق المصالح التي أشرفت على الإيقاف .

واقع تغذيّة المحروسين نظريّا بالمغرب قبل صدور  آلية تمويل الدولة للتغذية

نصّت المادة 66 من قانون المسطرة الجنائية على “التغذية” المقدّمة إلى الموقوف في مخافر الشرطة أو الدرك كأحد البيانات الإلزامية  الواجب تضمينها في سجلات ومحاضر الشرطة القضائية والتي قد يترتب عن إغفالها بطلان الإجراءات[8] إلى جانب بياناتٍ أخرى تتعلّق بهوية المعني بالأمر وحالته البدنية والصحية وإشعاره بحقّه في الصمت وتاريخ بداية الحراسة النظرية وانتهائها ومدّة الاستنطاق ومدة الراحة… غير أن القانون لم يحدّد الجهة التي تتحمل نفقات هذه التغذية.

وأمام سكوت النصّ، برزتْ عدّة ممارسات داخل مخافر الشرطة أو الدرك من قبيل:

  • السماح لعائلات الموقوفين بجلب أغذية أو أدوية وتسليمها إلى موظّفي الأمن المكلفين بحراسة هذه الأماكن قصد تقديمها للموقوف نظريا؛
  • تمكين الموقوف نظريا من إمكانية طلب أغذية أو أدوية يتكلف موظفو الأمن المذكورين باقتنائها على نفقة الموقوف نظريا؛
  • تقديم بعض الأغذية ومياه الشرب التي توفّرها الإدارة على نفقتها.

ومن المعلوم أن هذا الوضع كان يولّد عدة إشكاليات عمليّة لا تخلو من مخاطر صحية وأمنية نتيجة التفاوت في إعمال سلطة تأويل النص، فضلا عما يخلّفه هذا الوضع من إخلال بمبدأ المساواة أمام القانون بخاصة بالنسبة للأشخاص في وضعية هشاشة مادية والذين لا يتمكّنون من جلب ما يرغبون فيه من حاجيات.

تغذية المحروسين نظريّا حسب توصيات الآلية الوطنية للوقاية من التعذيب

سبق للمجلس الوطني لحقوق الإنسان بالمغرب أن عبّر عن انشغاله بالصعوبات التي يعيشها بعض المحرومين من حريّتهم في الاستفادة من حقّ التغذية وضمَّن تقريره السنوي لحالة حقوق الإنسان برسم سنة 2020 توصيات حول “حماية الحقوق الأساسية للأشخاص الموضوعين في الغرف الأمنية”، صادرة عن آلية المجلس الوطنيّة للوقاية من التعذيب عقب الزيارات التي قامت بها لعدد من المراكز التابعة للأمن الوطني والدرك الملكي. وقد ورد فيها أنّ الوجبات الغذائيّة تقدّم للمحروسين نظريّا إمّا عن طريق الأسر بعد إشعارهم من طرف الشرطة بقرار الوضع رهن الحراسة النظرية، أو من خلال مبادرات تطوّعية من طرف بعض الموظّفين المسؤولين عن إدارة هذه الأماكن. كما ورد فيها أنه يُسمح فقط، ولأسباب أمنية، بتقديم الخبز والحليب والجبن والماء مع استثناء أية وجبة مطبوخة.

وبناءً على هذه الملاحظات، أوصتْ الآليّة وزارة العدل والبرلمان بالتّسريع باعتماد نص تنظيمي يكفل توفير التغذية خلال فترة الحراسة النظرية للرشداء أو الوضع تحت المراقبة للأحداث تتحمله الدولة، كما أوصت، ببذل العناية الواجبة من أجل توفير تغذية كافية وذات جودة وتحافظ على صحة الأشخاص المحرومين من حريتهم وذلك تطبيقا للمادة 114 من قواعد نيلسون مانديلا.

تغذية المحروسين نظريا بعد دخول آلية تمويل الدولة للتغذية حيز التنفيذ

تنفيذا للقانون 89.18 المتعلق بتعديل قانون المسطرة الجنائية، صدر مرسوم[9]يحدّد قواعد نظام تغذية الأشخاص الموقوفين نظريا وكيفيات تقديم الوجبات الغذائية لهم، حيث نصّ على عدة مقتضيات إجرائية جديدة يمكن إجمالها فيما يلي:

  • تحديد عدد وجبات تغذية الأشخاص الموضوعين تحت الحراسة النظرية والأحداث المحتفظ بهم في ثلاث وجبات في اليوم، مع الإحالة على قرار مشترك للسلطتين الحكوميتين المكلفتين بالعدل والمالية لتحديد تعريفة وجبات التغذية، والتنصيص على إسناد تدبير تغذية الأشخاص الموضوعين تحت الحراسة النظرية والأحداث المحتفظ بهم إلى السلطات والإدارات المخول لها ذلك قانونا، وذلك تنزيلا لأحكام القانون رقم 01-22 المتعلق بالمسطرة الجنائية في مادتيه 66 و460.
  • مراعاة الحالات المرضية المثبتة التي تستدعي نظاما غذائيا خاصا، وفي حال تعذر توفير الوجبات التي تحترم هذه الحالات المرضية يمكن السماح للمعني بالأمر الحصول على وجبات خاصة على نفقتهم في حدود المسموح به تحت مراقبة ضباط وأعوان الشرطة؛
  • في حالة رفض الشخص الموجود رهن الحراسة النظرية أو تدابير الاحتفاظ التغذية المقدمة اليه يشار إلى ذلك في سجل الحراسة النظرية ويتم إشعار النيابة العامة فورا بذلك؛
  • جعل مهمة تغذية الأشخاص الموجودين رهن الحراسة النظرية أو تدبير الاحتفاظ على عاتق السلطات، ويعهد بإنجاز عمليات النفقات المرتبطة بهذا النظام التي يباشرها الآمرون بالصرف إلى المحاسبين العموميين ويتمّ تبرير عمليات النفقات وفق الوثائق المثبتة بموجب القوانين والأنظمة الجاري بها العمل، وعند الاقتضاء بواسطة تصريح موقع من لدن ضباط الشرطة القضائية[10].
  • تحديد قيمة التغذية التي يتلقاها كل موقوف في 50 درهم يوميا[11] أي ما يعادل 5 دولارات.

في نفس السياق صدر قرار رئيس الحكومة[12] الذي حدد الشروط التي يجب أن تتوفر في الوجبات الغذائية التي تقدم للأشخاص الموضوعين تحت الحراسة النظرية والأحداث المحتفظ بهم حيث نص على تقديم وجبات التغذية وفق نظام غذائي متوازن وذي قيمة غذائية كافية مع مراعاة المعتقدات الدينية والحالات المرضية المثبتة وخصوصيات بعض الفئات، ولاسيما النساء الحوامل والمرضعات[13].

وتجدر الإشارة إلى أن عدد الأشخاص الموضوعين رهن الحراسة النظرية بالمغرب بلغ سنة 2021 ما مجموعه 395832، إلى جانب 15726 حدثا تمّ وضعه رهن تدابير الاحتفاظ. ورغم دخول آلية تمويل الدولة لتغذية هؤلاء الأشخاص إلى حيز التنفيذ لسد فراغ قانوني عمر زهاء عقدين من الزمن مند صدور قانون المسطرة الجنائية، فإن ذلك لا يمنع من أهمية اعتبار الحراسة النظرية وتدبير الاحتفاظ بالحدث إجراء استثنائيا ينبغي أن يعمل به في نطاق ضيق بوصفه استثناء من قاعدة قرينة البراءة.

مواضيع ذات الصلة

تغذية الأشخاص الموقوفين على عاتق الدولة للمرة الأولى في المغرب

تمرّد في ثكنة فخر الدين: سجناء بلا طعام وبلا محاكمة

حكم ريادي لمحكمة وجدة الإدارية: الحق بالتعويض عن الحراسة النظرية غير المبررة

قرار قضائي يتوسع في تعريف جرم التعذيب في المغرب: ما حصل جناية وليس جنجة

التوقيف الاحتياطي ليس القاعدة!

التوقيف الاحتياطي في لبنان: عقوبة مسبقة أم إجراء ضروري؟

أيّ قيمة للحرية الشخصية لدى القضاء؟ دراسة للمفكرة حول التوقيف الاحتياطي في لبنان

محكمة مغربية تبطل محضرا للشرطة انتصارا لحق المتهم في الصمت


[1]– يتعلق الأمر بالتعديلات الواردة على مقتضيات المادتين 66 و460 بموجب ظهير رقم 1.19.45 بتاريخ 11 مارس 2019، منشور بالجريدة الرسمية عدد 6763 بتاريخ 15 مارس 2019، ص 1612 و1613.

[2] القاعدة 114 من قواعد الأمم المتحدة النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء المعروفة بقواعد نيلسون مانديلا.

[3] المادة 6 من مدونة الأمم المتحدة لقواعد سلوك الموظفين المكلفين بإنفاذ القانون.

[4] يتعلق الأمر بالقانون رقم 516-2000 الصادر بتاريخ 15/06/2000.

[5] منشور مؤرخ في 11 مارس 2003.

[6] يتعلق الأمر بالقانون الأساسي للشرطة Loi Fonction de police الصادر بتاريخ 22/12/1992 تحت رقم 1992/000606 والذي دخل في حيز النفاذ بتاريخ 01/01/1993.

[7] يتعلق الأمر بالمنشور رقم 2003/00017 وتاريخ 28/01/2003 حول تغذية الأشخاص في حالة اعتقال باستثناء الأشخاص المودعين في المؤسسات السجنية.

[8]– تنص المادة 751 من قانون المسطرة الجنائية على أنك كل اجراء يأمر به هذا القانون ولم يثبت إنجازه على الوجه القانوني يعد كأنه لم ينجز.

[9]– مرسوم رقم 2.22.222 بتاريخ 06 ماي 2020، منشور بالجريدة الرسمية عدد 7092، بتاريخ 19 ماي 2022، ص 3070 و3071.

[10]– تتعلق هذه الحالة بالمناطق النائية التي يتعذر فيها على الإدارة التعاقد مع شركات لتوفير التغذية حيث يمكن في هذه الحالة لضباط الشرطة القضائية (الدرك) توفير التغذية مع اثبات هذه المعاملة بواسطة تصريح موقع من طرفهم يتضمن اسم وعنوان الدائن، طبيعة النفقة ومبلغها، تاريخ التوريد، بيان الكمية وثمن الوحدة.

[11]– قرار مشترك بين وزير العدل والوزير المنتدب لدى وزيرة الاقتصاد والمالية المكلف بالميزانية، رقم 2660.22 منشور بالجريدة الرسمية عدد 7141 بتاريخ 7 نونبر 2022.

-[12] قرار رئيس الحكومة رقم 3.99.22 بتاريخ 17 نوفمبر 2022، منشور بالجريدة الرسمية عدد 7144 بتاريخ 17 نوفمبر 2022، ص 7467.

-[13] حدد القرار توقيت تقديم الوجبات، إذ نص على تقديم وجبة الفطور من الساعة السابعة صباحا إلى التاسعة صباحا، ووجبة الغذاء من الساعة الثانية عشرة زوالا إلى الثانية بعد الزوال؛ في حين سيتم تقديم وجبة العشاء من الساعة السابعة مساء إلى التاسعة ليلا.

أما إذا تعلق الأمر بشهر رمضان فيجب تقديم الوجبة الأولى خلال الساعة الموالية لتوقيت الإفطار، والوجبة الثانية من الساعة العاشرة ليلا إلى وقت الإمساك.

انشر المقال

متوفر من خلال:

مقالات ، المغرب ، محاكمة عادلة ، أجهزة أمنية ، الحق في الحياة



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية