آليات حكومية لقمع المرأة: الشريعة، الإتفاقيات الحقوقية الإقليمية والتيارات النسوية “المعتدلة”


2015-12-16    |   

آليات حكومية لقمع المرأة: الشريعة، الإتفاقيات الحقوقية الإقليمية والتيارات النسوية “المعتدلة”

"الرجل والمرأة متساويان في الكرامة الإنسانية والحقوق والواجبات في ظل التمييز الايجابي الذي أقرته الشريعة الإسلامية والشرائع السماوية الأخرى والتشريعات والمواثيق النافذة لصالح المرأة". ما تقدم هو مضمون الفقرة الثالثة من المادة الثالثة من الميثاق العربي لحقوق الإنسان. وهو أيضاً إختصار وجيز للخلفيات التي تعالج على أساسها المسألة الحقوقية في العالم العربي، بالأخص بالنسبة للمرأة. فالخصوصية الثقافية والشريعة الإسلامية، ذريعتان تعبر من خلالهما الدول العربية لتكريس التمييز ضد المرأة على أشكاله. وهاتان الذريعتان لا تفترقان، الا بما تضيفه الخصوصية الثقافية في الناحية القبلية منها، الى الأحكام الدينية من تصلب ونكران إضافي لإنسانية المرأة.    

يطرح اللقاء النسوي الإقليمي حول "المجتمع المدني وتحديات الإخفاق في حماية النساء"، الذي نظمته جمعية "كفى عنف واستغلال" بالتعاون مع جمعية "الأمل" العراقية، "رابطة النساء السوريات"، "المركز الأصفري للمجتمع المدني والمواطنة"، "المعهد العربي لحقوق الإنسان" -فرع لبنان وبدعم من المنظمة السويدية "المرأة لأجل المرأة"، في جانب منه كيفية إستخدام هاتين الذريعتين للعمل على إقصاء المرأة وتجريدها من حقوقها. وللحكومات آالياتها المتنوعة، من إتفاقيات إقليمية مكرسة لأحكام الشريعة الإسلامية، مروراً بتخلي الدولة عن دورها لمصلحة الجهات الدينية وما ييترتب عن ذلك من "خصوصية ثقافية"، الى التيارات النسائية الإسلامية المعروفة بالتيارات المعتدلة.

 تعرض المحامية السورية دعد موسى مضمون كل من الميثاق العربي لحقوق الإنسان والقانون العربي الموحد للأحوال الشخصية المعروف بـ "وثيقة الكويت" كآليتان إقليميتان "تنسفان الحقوق الأساسية للإنسان وتكرسان التمييز ضد المرأة". ففي إطار عمل الحكومات العربية للقضاء على محاولات المجتمع المدني العلماني لبناء الدولة المدنية التي تمثل تطلعاته، تكرس هذه الدول الأديان، بشكل خاص الدين الإسلامي، كمرجعية تبنى عليها القوانين. تؤكد إحدى السيدات المشاركات من سوريا في مداخلتها بأنّ "هذه المواثيق المتخلفة جداً توضع على الرف ولكنها جاهزة للإستخدام". وهكذا تعبر عن كيفية تطويعها من قبل الحكومات للقضاء على أي محاولة تطوير. تضيف "في سوريا عملنا لأجل تعديل قانون الأحوال الشخصية، فجاءت إجابة السلطة كالتالي: قوانيننا جيدة جداً، ولو أردتم يمكنكم الإطلاع على قوانين الأحوال الشخصية لجامعة الدول العربية".

وتتطرق موسى الى ما يتضمنه القانون العربي من إجحاف بحق المرأة، بتماهيه مع أحكام الشريعة الإسلامية. فـ"الزوج رب الأسرة"، والـ"مسلمة ممنوعة أن تتزوج غير مسلم"، أما المسلم فله أن "يتزوج فقط من كتابية". يمارس هذا القانون خدعة شهيرة لناحية سن الزواج، فيحدده بـ"18 عام". غير أنه يمنح للقاضي سلطة "أن يأذن بالزواج مع إكمال الـ15 إذا كانت القابلية البدنية تسمح، شرط موافقة الولي". ويجوز أيضاً في هذا القانون تزويج القاصر "تحت سن الـ15 اذا تحققت مصلحة في إتمام الزواج". 

يسمح القانون بتعدد الزوجات، فـ"يجوز الجمع في حدود 4 نسوة، الا إذا خيف العدل". والعدل في هذا القانون حق للزوجات على الزوج. تعرض موسى باقي "حقوق الزوجة على الزوج" وهي "النفقة، السماح بزيارة أبويها ومحارمها، عدم الإضرار بها مادياً ومعنوياً". أما الزوج فله أيضاً حقوق، وقد يكون أهمها "الحفاظ على موجودات المنزل". يضاف الى هذا الحق، "طاعته بالمعروف باعتباره رب الأسرة، الإشراف على البيت وتنظيم شؤون المنزل ورعاية الأطفال وإرضاعهم".

بإختصار، يطبق القانون العربي مضمون الشريعة الإسلامية، على كل من يعيش في هذه الدول سواء كان مسلماً أم لم يكن. وهو بهذا المعنى "يبيح الطلاق الفردي من قبل الزوج"، وفي أفضل احواله "يقبل "المخالعة" أي الإنفصال الرضائي بقرار قضائي. يمنع الأم من حقها بالحضانة ما لم تكن "خالية من زوج أجنبي على المحضون". أما "الحاضنة على غير دين أب المحضون، فتسقط حضانتها على عمر الـ7 سنوات". ويتوج القانون بقاعدتين إسلاميتين ذهبيتين: "لا توارث مع مختلفي الأديان، وللذكر مثل حظ الأنثيين".

وضع القوانين المجحفة بحق المرأة ليس كافياً، فالحكومات تدرك أولوياتها في الحكم والسيطرة. أما المسائل الإجتماعية والثقافية، فتتركها للجهات الدينية لتجد الأخرى لنفسها مساحةً للسيطرة من دون أن تصطدم بالحكومة. هكذا تنشأ، ما سمته منسقة "الائتلاف الوطني الفلسطيني لقرار 1325" ريما نزال، "الصفقات" بين الحكومات والقوى الدينية. "فغياب الروئية وسياسات التنمية البشرية أدى الى إنحدار مستمر أتاح للقوى الدينية أن تأخذ موقعها فأجبرت الحكومات على عقد هذه الصفقات". أهم ما تطرحه نزال هو "الكارثة الناتجة عن تسليم هذه القوى قوانين الأحوال الشخصية والعقوبات، منحها حق التكفير وما يترتب عليه من بناء قمعي للخصوصية الثقافية. والكارثة الأكبر تسليمهم قطاع التربية والتعليم، الأمر الذي قضى على التفكير الحر الإبداعي، وصنف التمثيل والغناء والفن والرقص وكل المنتجات الثقافية التي تميّز الهوية بالحرام لتصبح من الممنوعات وتغلق آفاق التفكير". بمعنى آخر، تسلمت "القوى الدينية المجتمع"، فكرست "ثقافتها الدينية"، وأعطتها صفة الخصوصية التي تتحفظ بموجبها الحكومات على تنفيذ إلتزاماتها الحقوقية على صعيد حقوق الإنسان بشكل عام، وحقوق المرأة بشكل خاص. 

هكذا تضاعفت سيطرة "القوى الدينية" داخل المجتمع، وتشكلت في صور عديدة، منها ما يسمى بـ"التيارات النسائية المعتدلة". والأخيرة يصح ربما إعتبارها الآلية الأحدث لتكريس التمييز ضد المرأة، من خلال خطاب نسائي يتنازل عن حقوقه. ولعل أبرز مثال، وثّقته الباحثة في قضايا الإسلام، مفيدة ميساوي، هو خطاب "البرلمانيات النهضويات (حزب النهضة)" في تونس، فيما يخص مسألة "الضرب والإجهاض ورآسة الأسرة". تقول الميساوي أن "نساء النهضة حاولن طمس المطالب، فقالت إحدى البرلمانيات: وما أدراكم ربما تتلذ المرأة بالضرب".

الإشكالية بالنسبة لـميساوي" قبل أي شيء تحديد ما المقصود بالتيارات المعتدلة. هل هي هي تيارات تقابلها تيارات نسائية دينية متطرفة؟ هل التطرف المقابل هو في المجال الديني أم خارج دائرة الدين؟". في تونس، "إرتبط ظهور هذه الحركات بظهور أحزاب دينية مثل النهضة وغيرها". تلاحظ الميساوي أن الحاجة لبعث هذه التيارات هي أولاً سياسية وليست حقوقية". فالنهضة من خلال "دعمه للنساء كسب تأييداً جماهيرياً، وقام بتلميع صورته فلا يقال أنه كحزب ديني يقصي المرأة". أخيراً والأهم أنه "حقق الفائدة المرجوة، عابراً من خلال مطالب الحركة النسوية العلمانية في تونس حول مشاركة المرأة في البرلمان، لتصل 41% من النساء في المجلس الوطني نهضويات". دور نساء النهضة كصوت لحزب ديني لا يراعي حقوقها فعلاً، هو ضرب إضافي لإمكانية إلغاء التمييز ضدها.

يؤدي النقاش الدائر بين نساء علمانيات من العالم العربي الى استنتاج معاناة واحدة، لا سيما في ظل ثقافة دينية مهيمنة على التشريع وتنعكس تأثيراتها تحت إسم الخصوصية في كل محاولات التغيير. وعلى هذا الاساس حددت الجمعيات المشاركة هدفها المقبل: التشبيك لوضع استراتيجية إقليمية لمناهضة العنف والتمييز ضد النساء.
 

انشر المقال

متوفر من خلال:

جندر وحقوق المرأة والحقوق الجنسانية ، المرصد البرلماني ، لبنان



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية