شهدت سنة 2014 اشتدادا لأزمة اللاجئين السوريين في لبنان. وازاء ذلك، عمدت السلطات العامة اللبنانية الى تطوير أدواتها لضبط دخول المواطنين السوريين الى هذا البلد أو على الأقل الى الايحاء بالقيام بذلك[1]. كما اتخذت تعليمات جديدة بشأن منح اقامات مؤقتة أو تجديدها بالنسبة للسوريين المقيمين أو المتواجدين على أراضيه. وقد بلغت هذه السياسات ذروتها في آخر يوم في سنة 2014 حين أعلن الأمن العام لائحة بالحالات التي يُسمح فيها للمواطنين السوريين الدخول الى لبنان. وبذلك، تمّ للمرة الأولى تقييد امكانية دخول السوريين رسميا الى هذا البلد، مع العلم أن هذه الاجراءات لا تسمح بدخول أي سوري بصفة "نازح" إلا في حالات استثنائية من دون تعريف المقصود بهذه الحالات. وقد بدا تاليا الأمن العام وكأنه يترك المجال مفتوحا للاستنسابية والانتقائية في حالات اللجوء الاضطراري. وفي موازاة ذلك، عاودت القوى الأمنية والنيابات العامة في الفصل الأخير من سنة 2014 ملاحقة السوريين المتواجدين في وضع غير نظامي في لبنان وتوقيفهم، وذلك خلافا لتوجهاتها السابقة. ودرج في الوقت نفسه مفهوم: "التعهد بالمسؤولية" الى جانب الكفالة التقليدية لأصحاب العمل، على نحو يؤدي الى ربط شرعية وجود مواطن سوري في لبنان في حالات عدة بارادة شخص لبناني يكفله أو يتعهد بتحمل المسؤولية عنه. وتبعا لذلك، تعدّى مفهوم "الكفالة" علاقات العمل لينسحب على علاقات الاستضافة والعلاقات الاجتماعية على أنواعها.

وبالطبع، من شأن هذه الاجراءات أن تخفّف من أعداد الوافدين الى لبنان من معابر الحدود النظامية، لكن يصعب الاعتقاد بالمقابل أنها ستؤدي الى تخفيف أعداد المقيمين فيه في المدى المنظور أو الى منع الدخول اليه من المعابر غير الشرعية. ولعل النتيجة المتوقعة لها هي زيادة أعداد المقيمين في لبنان بصورة غير نظامية. فبفعل هذه السياسات، سيضطرّ كثير من المواطنين السوريّين الى دخول هذا البلد دخولاً غير نظاميّ أو سيفقدون إقاماتهم الرسمية على أراضيه، فتتزايد أعداد غير المسجّلين وغير المرئيّين من سلطاته العامة. ولا يغيّر شيئا من ذلك لجوء لبنان الى السياسة العقابية في مواجهة اللاجئين، طالما أنه يبقى ملتزما مبدئيا بعدم ترحيل أيّ منهم نظرا لما قد يرتّبه عليه ذلك من التزامات دولية جسيمة.
واذا، وبمعزل عن مدى قانونية هذه الاجراءات، فاننا نصبح أمام فئات ثلاث من السوريين المتواجدين على الأراضي اللبنانية:

فئة أولى، سوريون ميسورون ماليا، بامكانهم تلبية شروط الاقامة من خلال رساميلهم أو أملاكهم العقارية في لبنان،

وفئة ثانية، سوريون ينجحون في تشريع أوضاعهم بفضل كفلاء لبنانيين يصبح لديهم حقّ التحكم في شرعية هذه الأوضاع في لبنان مع ما يتيحه ذلك من استغلال،

وفئة ثالثة، وهي تعجز تماما عن دخول لبنان أو المكوث فيه نظاميا، وتبقى تاليا غير مسجلة وغير مرئية من قبل السلطات العامة. ويرجح أن تؤدّي المقررات الأخيرة الى زيادة مطّردة في أعداد هؤلاء. ومن النافل القول إن أوضاعهم تكون في منتهى الهشاشة، فيصبحون عاجزين عن ممارسة أدنى الحقوق خشية الملاحقة، وتاليا عرضة لأبشع حالات الاستغلال الاقتصادي والسياسي. كما أنه من المرتقب أن تؤدي هشاشتهم الى اضعاف المناعة لديهم ازاء الاغراءات التي قد تعرض عليهم من قبل منظمات أصبح العديد منها يشكل خطرا كبيرا على أمن لبنان.
وما يريده هذا المقال تاليا هو طرح الفرضيّة الآتيّة ومفادها أنه مهما تكن نوايا السلطات العامة من خلال المقررات تلك، فان مؤدّاها قبل كل شيء هو تجريد عدد كبير من السوريين من حقوق ملازمة لأشخاصهم. وبذلك، نكون أمام شاهد جديد على سياسة يصحّ تسميتها ب"سياسة صناعة الهشاشة"، وهي سياسة تتعمد تجريد فئات من الناس من حقوق أساسية رفضا لوجودها أو رغبة باستغلالها. وبالطبع، تؤدي هذه السياسة الى أوضاع تتفاوت من حيث درجة هشاشتها (هشاشات). ففيما تؤدي بعض أشكال الهشاشة الى استباحة الحرية الشخصية للأشخاص بالكامل وفق ما أشّرت اليه ممارسة التوقيف التعسفي لعدد كبير من الأجانب بما فيهم العمال المهاجرين أو اللاجئين، تقتصر هشاشات أخرى على استباحة حق معين أو حرية معينة. كما تجدر الاشارة الى أن هذه السياسة قد تؤدي ليس فقط الى تعزيز هوامش التدخل والتسلط والاستنساب لدى السلطات العامة، انما في أحيان كثيرة الى وضع ضحايا الهشاشة تحت رحمة فئات أو أشخاص آخرين، بدرجة أو بأخرى، بحيث تجد هذه الفئات نفسها بفعل هشاشتها أمام حلّ من حلين: اما مغادرة لبنان، واما ارتضاء الاستغلال الذي يقارب في حالات معينة العمل القسري وتاليا الاتجار بالبشر.
بل لا نخطئ اذا قلنا أن السلطات العامة بدت من خلال مقرراتها الأخيرة في شأن اللاجئين السوريين وكأنها تراكم تجاربها في صناعة الهشاشة، جامعة بين رفضها لحقّ اللجوء بما يتيحه من استباحة وتمسكها بحق الكفالة بما يتيحه من استغلال. وهذا ما سنحاول عرضه من خلال الاضاءة على ثلاثة مختبرات لصناعة الهشاشة: مختبر اللاجئين الفلسطينيين، مختبر اللاجئين العراقيين، وأخيرا مختبر العمال المهاجرين.

مختبر اللاجئين الفلسطينيين: اللاجئ ليس شخصا يستحقّ التضامن الدولي، انما خطر يقتضي درؤه ومعاقبته عند الاقتضاء
رغم انقضاء 67 سنة على بدء أزمة اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، ما تزال السمة الأساسية للتعامل معهم هي الانتقاص من حقوقهم المدنية بحجة قطع الطريق أمام توطينهم. وخلفية هذه السياسة أن أي اعتراف بحقوق هؤلاء يسهم بالنتيجة في تعزيز روابطهم مع لبنان وتاليا في توطينهم. وعليه، وبدل أن يُنظر الى اللاجئ على أنه انسان يستحقّ التضامن، يُنظر اليه على أنه خطر يقتضي درؤه ومنع تفاقمه. وانطلاقا من ذلك، لم تكتف السلطات العامة في رفض منحهم أي معاملة خاصة بالنسبة الى سائر الأجانب، بل ذهبت الى حد اعتماد اجراءات تمييزية ضدهم، لامست في بعضها مرتبة العقاب الجماعي. وقد أخذت هذه السيّاسة أشكالا عدة، أخطرها واقعي يتمثل في الاجراءات المتخذة على هامش القوانين في محيط المخيمات وبشأنها مع ما يستتبعها من هشاشة(ات). وبعضها الآخر قانوني بلغ أوجه مع الخطاب التمييزي ضد اللاجئين الفسلطينيين في اطار قانون تملك الأجانب للعقارات في لبنان أو أيضا في اطار التخاطب العام حول حق اللبنانية بمنح الجنسية الى أبنائها. فقد طور المختبر التشريعيّ اللبنانيّ في هاتين الحالتين آلية قانونية للتمييز ضد اللاجئين الفلسطينين مفادها استثناء الذين لا يتمتعون بجنسية دولة معترف بها من التمتع بحق معين (حق الملكية والارث في الحالة الأولى، وحق أولاد الأم اللبنانية من أب فلسطيني بالجنسية في الحالة الثانية). وبذلك، سمح هذا المختبر بمقاربة وضعية اللاجئ أو الحرمان من الجنسية على أنه جرم مدني يستحقّ عقوبة تمييزية. والتوجه نفسه نستشفه من كيفية تفسير شرط التعامل بالمثل أي البند الذي يشترط تمتع الأجنبي بحق ما في لبنان بتمتع اللبناني به في بلده وكيفية تطبيقه. فقد تمسكت الادارات العامة والقضاء (فيما خلا استثناءات قليلة) بوجوب تطبيق هذا الشرط على اللاجئين الفلسطينيين بالرغم من استحالة تحققه في ظل غياب دولة ينتمون اليها. وقد أدى ذلك عمليا الى حرمانهم من كمّ هائل من الحقوق الاجتماعية والاقتصادية كحق ممارسة مهن معينة أو الاستفادة من تعويضات نهاية الخدمة، على نحو يميزهم سلبا عن سائر الأجانب.

ولعل أسوأ ما أنتجه هذا المختبر هو اضفاء غطاء دستوري على هذه الاجراءات التمييزية. ففي سياق نظره في مدى دستورية قانون تملك الأجانب في 2001، لم يجد المجلس الدستوري حرجا في التوسع في مفهوم "منع التوطين" الوارد في مقدمة الدستور، وصولا الى اعتبار التمييز ضد الفلسطينيين الحاصل في قانون ملكية الأجانب دستوريا لتوافقه مع المصلحة العليا ومع مبدأ عدم التوطين الوارد في مقدمة الدستور كجزء لا يتجزأ منه. وبهذا المعنى، بامكان المجلس أن يعتبر أي اجراء حقوقي ايجابي تجاه الفلسطينيين غير دستوري فيما يصبح أيّ اجراء تمييزي ضدهم دستوريا وملائما لتوافقه مع الهدف الوطنيّ بمنع التوطين.

وبالطبع، هذا المختبر يمهد لاتخاذ تدابير ضد السوريين، من شأنها أن تقود لبنان من سياسة المعاملة المميزة لصالحهم الى سياسة المعاملة التمييزية ضدّهم. وهذا ما عكسته بأية حال شروط دخول السوريين الى لبنان في 2014 والتي أصبحت أكثر صرامة من الشروط المفروضة على مواطني دول أخرى في حالات عدة. 
  
مختبر اللاجئين العراقيين: خيار اللاخيار بين العودة الطوعية والاحتجاز التعسفي
مع تدفق عشرات الآلاف من اللاجئين العراقيين اليه بعيد غزو العراق، كان لبنان على موعد مع مختبر جديد، انتهى هو أيضا الى تطوير صناعة الهشاشة فيه. في البداية، لجأت السلطات العامة الى التدابير العقابية الصرفة فحُكم على أعداد كبيرة من اللاجئين العراقيين بأحكام حبسية لدخولهم خلسة الى لبنان أو لتجاوزهم مدة الاقامة المسموح بها. لكن سرعان ما تبينت هذه السلطات محدودية هذه التدابير في ظل عدم جواز ترحيل اللاجئين بعد انتهاء محكومياتهم. اذ ذاك، وتبعا لتمسكها برفض "حق اللجوء"، عمدت هذه السلطات الى اعتماد طريقين لتأطير هؤلاء ضمن منظومتها: الطريق الأول، فتح مجال لتسوية أوضاعهم من خلال نظام الكفيل المطبق على جميع العمال غير اللبنانيين، على أن يثبت الكفيل في هذه الحالة وجود عقد عمل وأن يسدد الرسوم واشتراكات الضمان الاجتماعي المتوجبة، والطريق الثاني، ابقاء كل من يعجز عن ايجاد كفيل قيد الاحتجاز لدى الأمن العام لفترة غير محدودة، بانتظار حصول تسوية لوضعه أو موافقته على الرحيل طوعا. وتجدر الاشارة الى أن الأمن العام وضع تعليمات تمنع في حالات معينة تسوية أوضاع لاجئين معينين كحالات ارتكابهم جنحة شائنة.. الخ، الأمر الذي جرد هؤلاء من أي امكانية لتسوية أوضاعهم وجعلهم أمام خيار مطلق بين العودة الطوعية الى العراق أو البقاء قيد الاحتجاز. وقد سجلت حالات بقي فيها بعض اللاجئين رهن التوقيف تعسفا لسنوات عدة وصلت في احداها الى أربع سنوات. وعلى ضوء هذه الممارسة التي ندد القضاء اللبناني بها في أحكام كثيرة[2] في فترة 2009-2014، بدت السلطات العامة وكأنها تسعى الى تطوير أساليب عمل وأدوات معينة في سبيل دفعهم الى الرحيل طوعا طالما أنها تعجز عن ترحيلهم قسرا، وذلك تحايلا على الأعراف والالتزامات الدولية في هذا المجال. وهذا ما أسهبنا في شرحه في مكان آخر تحت تسمية "السلطة الناعمة" أي السلطة التي تسعى بطريقة أو بأخرى الى دفع الأشخاص الذين تستهدفهم الى الرضوخ لرغباتها طوعا[3]. وبالطبع، واذ امتنعت السلطات العامة عموما عن ممارسة هذا النوع من التوقيف التعسفي بحقّ اللاجئين السوريين، فانها بالمقابل لم تجد حرجا في اصدار أوامر لهم بالمغادرة لسبب أو لآخر. واذ بيّنت الباحثة الحقوقية غيدة فرنجية تفاصيل هذه الممارسة، فانها انتهت الى وصفها ب"الترحيل القانوني" الذي يتميز عن "الترحيل الجسدي" الذي تمتنع السلطات، أقله حتى تاريخ كتابة هذه الأسطر، عن ممارسته[4]. وبالطبع، من شأن هذه الممارسات أن تؤدي الى حرمان اللاجئ من حق الاقامة النظامية في لبنان على نحو يجعل وضعه في منتهى الهشاشةويحثه على البحث عن موطن آخر.

مختبر العمال المهاجرين: نظام الكفالة
بما لا يقل أهمية عما تقدم هو مختبر العمال المهاجرين، وفي مقدمتهم عاملات المنازل،والذي يتمحور حول نظام الكفالة. فلا يحتاج الباحث الى كثير من الجهد للتعرف على مدى هشاشة أوضاع هؤلاء والمرتبطة بشكل خاص بنظام الكفالة. فعدا عن أن المادة 7 من قانون العمل تستثني عاملات المنازل من حمايته، فان نظام الكفالة يمنح أصحاب العمل عموما امتيازا يمكنهم من مراكمة عناصر القوة، في مواجهة عمّال تتراكم فيهم عناصر الضعف (أجانب، فقراء، لا يجيدون اللغة ولا يتمتعون بروابط اجتماعية ويقيم العديد منهم في منازل صاحب العمل). فتصبح شرعية اقامة العامل في لبنان وقفا على استمرار عقد العمل مع كفيله أو على موافقته على التنازل عن كفالته له لشخص آخر. وعلى هذا الأساس، قد يضطر العامل في حالات كثيرة لتحمل شروط عمل جد قاسية للبقاء في عمله لدى صاحب العمل خشية ترحيله، أو ربما لتسديد أموال طائلة نسبيا أو التنازل عن حقوقه ضد صاحب العمل (بما فيها حق الادعاء عليه بالاغتصاب أو الاعتداء الجسدي أو بدلات العمل لأشهر عدة) بهدف الحصول على تنازله عن كفالته له لشخص آخر. وبالطبع، مكّنت هذه السياسة شرائح واسعة من اللبنانيين من استغلال عاملات المنازل واخضاع الكثيرات منهن لشروط عمل تقارب العمل القسري.

ومن المعبّر جدّا في هذا المضمار، الغضب الشديد لوزير العمل سجعان قزي ازاء الاعلان عن تأسيس نقابة لعاملات المنازل في شهر كانون الثاني 2015، لما تمثّله نقابة مماثلة من تهديد لصناعة الهشاشة. وتجدر الملاحظة في السياق نفسه الى أن نظام الكفالة أسهم أيضا في تعزيز قدرات الأجهزة الأمنية على فرض رقابتها على العمال المهاجرين، وذلك من خلال جعل الكفيل مرغما على التعاون مع السلطات والتبليغ عن حالات الترك وربما مباشرة اجراءات الملاحقة، للحفاظ على مصالحه أو تجنبا للمسؤولية.

وبنتيجة ذلك، ومن خلال جمع خبرات لبنان في صناعة الهشاشة، بات من الواضح أن السلطات العامة تتجه من خلال اجراءاتها الى تحقيق منافع خمس في مجال اللاجئين السوريين:

الأولى، تعميم خطاب رافض للجوء السوري، على نحو من شأنه أن يطمئن الهواجس والمخاوف اللبنانية ازاء آثاره الاجتماعية والسياسية، وأن يوحي بوجود دولة قوية تمارس سيادتها في صون مصالح مواطنيها ضد "الغرباء"،

الثانية، حثّ السوريين بفعل هذه السياسة على البحث عن شروط حياة أفضل في دول أخرى أو على العودة طوعا الى سورية،

الثالثة، ارضاء جشع الجهات النافذة اقتصاديا من خلال تمكينها من استغلال الوافدين وتحسين شروط استغلالهم، مع استرضاء المواطنين الذين تخف نقمتهم ازاء تدفق الأجانب بقدر ما تزداد المنفعة المحققة منهم،

والرابعة، تحويل اللبنانيين الى معاوني أمن بحيث ترتب عليهم روابط الكفالة مسؤولية مراقبة السوريين المستفيدين من كفالتهم والتبليغ عن أي خلل وربما مباشرة اجراءات الملاحقة كما يحصل حاليا في حال انهاء علاقة العمال الأجانب بأي من كفلائهم،

أما المنفعة الخامسة، فمفادها ابقاء السيف مصلّتا على الوافدين السوريين، الأمر الذي يمنح السلطات العامة امكانية اعتبار أي حقّ مهما كان اساسيا موضع تفاوض ومساومة، وخصوصا في مساعيها للحصول على مساعدات دولية.

وبالطبع، يخطئ من يعتقد أن صناعة الهشاشة هذه تقتصر على غير اللبنانيين، بل هي تكاد تصبح احدى أبرز سمات النظام السياسي اللبناني. ففي الداخل اللبناني، تكاد تكون هشاشة المواطن مكوّنا أساسيا لنظام الاستقطاب (نظام الزعماء). فبقدر ما تكون حقوق المواطنين، في مبدئها أو في مدى نفاذها، هشّة ورهْن ارادة الطبقة الحاكمة، بقدر ما تزيد قدرة الزعماء على استقطابهم والتحكّم بهم. ولا نبالغ اذا قلنا أن صناعة الهشاشة تشكل جزءا مكملا لصناعة الزعامة. ولعل المثال الأبرز عن هذه الصناعة هي حال الأشخاص المجنّسين في منتصف التسعينيات والذين ما تزال مواطنيتهم موضع طعن قضائي وتشكيك رغم انقضاء ما يزيد على عقدين من حصولهم عليها. وبنتيجة هذا الواقع، يصبح الأشخاص المجنسون مجموعة يسهل استغلالها في مجمل الاستحقاقات الانتخابية على نحو من شأنه أن يرجح كفّة مرشّح على كفّة آخر في مناطق عدّة. ويضاف الى هؤلاء طبعا مجموعات وفئات عدة تجعلها التشريعات بطبيعتها كالمثليين أو بعاداتها كمستخدمي المخدرات أو بعملها كأصحاب المطاعم التي يستحيل توفر شروط ترخيصها في حال خصام مع القانون، فتبقى حريتها أو حرية عملها وقفا على تسامح من السلطات الحاكمة والأجهزة المرتبطة بها. هذا فضلا عن ربط التمتع بتقديمات اجتماعية واقتصادية معينة بارادة القيمين على هذا النظام، كما هي حال الاستفادة من دعم وزارة الصحة العامة في نفقات الاستشفاء لغير المضمونين، أو الاستفادة من التقدمات الرعائية لوزارة الشؤون الاجتماعية. والى ما هنالك من أمثلة بشأن حق العمل أو الولوج الى الوظيفة العامة أو تقدمات الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، ليس هنا المكان المناسب للتوسع بشأنها. وطبعا، يشكّل ضعف القضاء واستتباعه أحد أهم معالم صناعة الهشاشة، بحيث تصبح جميع الحقوق، بما فيها الحقوق المكتسبة الخالصة، رهن الأشخاص القادرين على التدخل في شؤونه. وبالطبع، تهدف صناعة الهشاشة هنا الى تدعيم النظام السائد وتمتين قواعده وأساساته من خلال تعزيز روابط التبعية بين المواطنين (الرعايا) والطبقة الحاكمة (الزعماء).  

ولعل أهم أدوات النظام الحاكم في صناعة هشاشة اللبنانيين هو اشراكهم في منافع هذه الصناعة نفسها، وتحديدا اشراكهم في استغلال من هم أكثر هشاشة منهم. فبقدر ما ينغمسون في هذا الاستغلال، بقدر ما يفقدون مشروعية التذرع بالمنظومة الحقوقية وتحديدا بمفهوم الحق الملازم للانسان، أي انسان من دون تمييز والثقافة المنبثقة عنه. ومن هذه الزاوية، يصبح اقتبالهم لهشاشة الغير بمثابة اذعان أكيد لما يُصنع لهم من هشاشة.   

 

نشر في العدد الخامس و العشرين من مجلة المفكرة القانونية

للإطلاع على النص مترجما الى اللغة الإنكليزية يمكنك الضغط هنا

 


[1] نزار صاغية وغيدة فرنجية، أهم ملامح السياسة اللبنانية في قضية اللجوء السوري: من سياسة النعامة إلى "السلطة الناعمة"، المفكرة القانونية-لبنان، العدد 23، كانون الأول 2014. 
[2] نزار صاغية، PING PONG  مع الأمن العام: نحو إنهاء الاحتجاز التعسّفي في لبنان، الأخبار، 19-4-2010.
[3] يراجع الهامش 1 أعلاه.
[4] غيدة فرنجية، الإلزام بالرحيل بدلاً من الترحيل: التفاف حول العرف الدولي بمنع ترحيل اللاجئين، المفكرة القانونية-لبنان، العدد 23، كانون الأول 2014.