في 20-11-2014، نظّمت جمعية بدائل بالتعاون مع المفكرة القانونية مؤتمراًفي بيروت تحت عنوان: "الحق بالجذور". وقد تناول المؤتمر خاصة مسألة الأشخاص المولودين في لبنان والذين تبنّاهم أشخاص في الخارج، وتحديداً مطلبهم بتمكينهم من معرفة جذورهم. وبالطبع، ليست هي المرة الأولى التي يتمّ فيها التداول في هذه المسألة، لكن الجديد هنا هو طرحها كقضية اجتماعية وتبنيها من قبل عدد من المنظمات الحقوقية. فمن خلال ذلك، يكون هذا المطلب الخاص في طور الانتقال من التداول الإعلامي الظرفي ليتحوّل الى قضية عامة.

وبالطبع، ليس هناك رقم رسمي في هذا المجال، والأرقام غير الرسمية المتداولة تتراوح بين 3000 و10000. ويُعتقد أن العدد الأكبر من عمليات التبني قد تمت خلال فترة الحرب، بما أوجدته من ظروف اجتماعية هشّة وسهّلته من تزوير وتسريع لمعاملات التبني. ومن أكثر حالات التزوير شيوعاً، الحالة التي يتمّ فيها وصف الأم الراغبة في التبني على أنها الأم البيولوجية في وثيقة الولادة نفسها، أو أيضاً الحالة التي يتم فيها تسجيل الولد على أنه غير شرعي (مولود من أم غير متزوجة)، بهدف الاستفادة من الحكم القانوني الذي يمنع ذكر اسم الأم في وثيقة الولادة ما لم تطلب صراحة وبحضور شاهدين خلاف ذلك[1]. ففي حالات عدة، يكون الطفل شرعياً لكن يتم اللجوء الى هذه الحيلة للتمكّن من إجراء عمليات التبنّي من دون أن يبقى للولد أي إمكانية لمعرفة أمه أو عائلته البيولوجيّة. وحتى في الحالات التي يكون فيها الطفل غير شرعي حقيقةً، فمن المرجّح أن يتمّ تنظيم وثائق الولادة من دون ذكر اسمها من دون اعلامها حتى بامكانية اثبات هويتها فيها. وعلاوة على ذلك، لا يستبعد أن يكون عدد من الأطفال المتبنين قد خُطفوا من أحضان عوائلهم في فترات المجازر الكبرى أو الحروب بهدف الإتجار بهم، وإن بقيت المعلومات بهذا الشأن حتى اللحظة شحيحة وغير موثّقة. وفي هذه الحالة، يعدّ هؤلاء في عداد المفقودين، أي المفقودين غير المصرّح عنهم في الغالب كما قد يحصل في حال تصفية عوائلهم. وفي ظل كل ذلك، تتبدّى الصورة النمطية التي تصوّر الأطفال المتبنّين على أنهم أطفال متروكون في سلة أو كرتونة أمام هذا الدير أو ذاك الميتم صورة مخادعة لا تصح إلا في حالات نادرة جداً.

وقبل المضي في استكشاف الأسناد القانونية لمطالب الأشخاص المُتبنّين لجهة حقهم بالمعرفة، تجدر الإشارة الى أن فصل المُتبنّين عن جذورهم على هذا الوجه يتعارض من حيث المبدأ مع التصور الرسمي لعلاقات التبني أو التكفّل في لبنان والتي تحدد شروطها وفق الانتماء الطائفي للطفل والعائلة التي تود تبنّيه. فمسألة تبنّي الأطفال المسيحيين تنظّمها قوانين الأحوال الشخصية الروحية التي تنص عموماً على استمرارية العلاقة بين الطفل وعائلته البيولوجية. أما بالنسبة الى الطوائف الإسلامية، فإن الفكرة الأساسية من منع التبني هي منع اختلاط الأنساب وتالياً الحؤول دون حجب الروابط البيولوجية مع عائلة معينة بروابط قانونية مع عائلة أخرى. ولكن هذه الفكرة الأخرى تم تجاوزها واقعياً مع انتشار آليات للالتفاف حول حظر التبنّي، قوامها التساهل في قبول الإقرار الكاذب بالبنوة من أشخاص غرباء، استحساناً، أي من باب ضمان احتضان الطفل في عائلة.
وعليه، وبفعل عمليات التزوير الحاصلة هنا وهنالك، نجد أنفسنا أمام واقع مختلف تماماً عن التصور الرسمي لعلاقات التبني والتكفل: واقع تُمحى فيه جميع الروابط مع العائلة البيولوجية بما فيها معرفة هويتها، في موازاة سعي الى تظهير العائلة المتبنّاة في حالات عدة على أنها هي العائلة البيولوجية بواسطة أشكال مختلفة من التحوير والتزوير.
وبالطبع، تطرح هذه القضية أسئلة ليس فقط حول كيفية ترميم ضرر الأشخاص المتبنين بنتيجة محو أي معلومات عن جذورهم وإمكانية حصول ذلك، ولكن أيضاً حول الأدوات القانونية الواجب تبنّيها مستقبلاً للحؤول دون نشوء واقع مماثل.

ترميم ضرر الأشخاص المتبنّين
بالطبع، الحق الأساسي هنا هو حق معرفة الجذور. وهو حق يجد في الحالة اللبنانية أسناداً قانونية عدة: 

الأول، هو السند المتمثل في اتفاقية حقوق الطفل التي أقرها لبنان في بداية التسعينيات وخصوصاً في المادتين 7 و8 منها[2]. وقد ميزت هذه الاتفاقية بين حالتين:

(1)   الحالة التي يجري فيها التبني وفق الأصول ويتعين فيها أن تتخذ الدول الإجراءات اللازمة لضمان حق الأشخاص المتبنين بمعرفة والديهم "قدر الإمكان" (العبارة وردت في المادة 7 من نص الاتفاقية). ومن الواضح في هذا الإطار أن القانون اللبناني الحالي هو في تعارض كامل مع الاتفاقية. فهو يسمح للأم غير الشرعية بعدم الإعلان عن اسمها في وثيقة الولادة من دون إيلاء أي اعتبار لحق المولود بمعرفة جذوره. فلا توجد أي آلية تسمح للمولود بالتعرف اليها لاحقاً ولو بعد وفاتها أو حتى بمطالبتها أو بتوسلها الرجوع عن قرارها في التستر على اسمها أو باللجوء الى وسطاء لإقناعها بذلك. وتجدر الإشارة الى أن فرنسا وبلجيكا وإيطاليا هي الدول الأوروبية الوحيدة التي تقر بحق الأم بإخفاء اسمها accouchement sous x، فيما أدخلت ألمانيا وسويسرا حق معرفة الشخص بأصوله في متن دستوريْها، على نحو يؤدي دائماً الى تغليب حق الشخص في معرفة جذوره. وحتى على صعيد الدول التي أقرّت بإمكانية الولادة السرية، فهي تُعدّل بانتظام القواعد الناظمة لها، ودوماً في اتجاه تعزيز حق الشخص في معرفة جذوره، في الموازنة الحاصلة بينه وبين حق الأم بالمحافظة على سرية وضْعها. وعليه، انتهى المشرّع الفرنسي الى مجموعة من التعديلات أبرزها انشاء "المجلس الوطني لمعرفة الجذور الشخصية" الذي يؤدي دور الوسيط بين أبناء يبحثون عن أمهاتهم وأمهات يبحثن عن أبنائهن. وحين عرض أمام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان مدى توافق القانون الفرنسي مع المعاهدة الأوروبية لحقوق الإنسان، فإنها عمدت الى التحري عما إذا كانت الموازنة الحاصلة بموجب هذا القانون بين الحرية الشخصية للأم وحقها بالخصوصية، وحق المولود بمعرفة جذوره، متناسبة وعادلة. وقد خلصت في 13-2-2003 بعد التدقيق في التعديلات الجديدة على أنها كذلك. وبالطبع، النتيجة تكون مختلفة تماماً في حال عرض القانون اللبناني أمام القضاء، حيث يفترض أن ينتهي أي تقييم له الى استبعاده لتعارضه مع اتفاقية حقوق الطفل وفق ما أشرنا اليه أعلاه، وذلك عملاً بأولوية المعاهدات الدولية على النصوص الداخلية.  

(2)   أما الحالة الثانية، فهي الحالة التي يتم فيها التبني بصورة غير شرعيّة كما هي الحال في معظم حالات التبني في لبنان كما سبق بيانه، وهي تضع على الدولة بموجب المادة 8 من اتفاقية حقوق الطفل واجباً ب"المساعدة والحماية المناسبتين من أجل الإسراع بإعادة إثبات هوية" الأشخاص المُتبنّين. ومن الواضح في هذا السياق أن أجهزة الدولة ملزمة تجاه هؤلاء بوضع أصول خاصة للتحقيق في عمليات التبني، على أن يشمل هذا التحقيق مختلف المؤسسات التي شاركت بطريقة أو بأخرى في هذه العمليات وأن يؤدي الى جمع مجمل المعلومات والوثائق المتوفرة لدى هذه المؤسسات في مكان واحد.

السند الثاني، هو القرار الصادر عن مجلس شورى الدولة في 4-3-2014 بإقرار حق المعرفة لذوي المفقودين، بعدما عدّه حقاً طبيعياً بالنظر الى آثار عدم المعرفة على الصحة النفسية لهؤلاء الأشخاص. وانسحاب هذا الحكم على الأشخاص المتبنّين مبرّر، ليس فقط في الحيثيات المؤدية الى إعلان هذا الحق (أي الحؤول دون تعرضهم للمعاناة النفسية والحق بالعائلة أو أيضاً كونه حقاً طبيعياً)، بل أيضاً باحتمال أن يكون هؤلاء كما سبق بيانه في عداد المفقودين. ففي هذه الحالة، يتبدى بحثهم عن ذويهم بمثابة وجه آخر، الوجه المكمل لبحث ذوي المفقودين عن هؤلاء، ما يفرض تمتعهم بنفس الحقوق.

والسند الثالث، واجب التذكّر عملاً بمبادئ العدالة الانتقالية. فحالات التبني لا تقتصر طبعاً على أولاد الحرب، وليست عمليات التبني الحاصلة خلال الحرب كلها مرتبطة بالضرورة بظروفها. ولكن، يبقى أن الحرب سهّلت بدرجة كبيرة هذه العمليات فباتت أحد مظاهرها، وباتت معها الإجابة عن هذه التساؤلات مقدمة ضرورية لتكوين رسمٍ للحرب في مراحلها كافة.
 
أي دروس للمستقبل؟
بالطبع، الدرس الأساسي الذي بإمكاننا تعلمه من قضية المُتبنّين هو الكفّ عن مقاربة عمليّات التبنّي مقاربة طوباوية أو على أنها مجرد أعمال إنسانيّة (تأمين عائلة لطفل متروك بائس)، من أجل اعتماد مقاربة أكثر واقعية تشمل مجمل اللاعبين المشاركين في عمليات التبني ومختلف المصالح المتصلة بها والنتائج المتأتية عنها. واستيعاب هذا الدرس ضروري لتظهير الجوانب الخطرة للتبني والذي قد يأخذ في بعض مناحيه طابعاً جرمياً يصل الى حد الإتجار بالبشر (بالأطفال)، وتالياً لاستشراف مسؤولية الدولة في وضع أصول من شأنها أن تحمي الأطفال موضوع التبنّي إزاء المخاطر أو النتائج المتأتيّة عنه. وطبعاً، هذا الدرس يوجب اعتراف الدولة بمسؤوليتها الأساسية في هذا المضمار، فلا تُترك إدارته لهيئات دينية تعمل غالباً من دون أي رقابة، على اعتبار أنه قضية إنسانية charity، إنما على العكس من ذلك، تحيطه الدولة بترسانة من النصوص الرادعة لما قد يرافقه من جرائم محتملة والحامية إزاء ما قد يستتبعه من مخاطر.

نشر في العدد الرابع و العشرين من مجلة المفكرة القانونية


[1]المادة 15 من قانون قيد وثائق الأحوال الشخصية، الصادر في 7 كانون الأول 1951 وهي تنص: "لا يجوز لمن ينظم وثيقة الولادة ان يذكر اسم والدة الطفل (غير الشرعي) وكذلك لا يجوز لموظف الأحوال الشخصية ان يذكر اسمها الا بناء على تصريح منها بكونها أم الطفل أو بناء على حكم قضائي".   
[2]المادة 7: 1- يسجل الطفل بعد ولادته فوراً ويكون له الحق منذ ولادته في اسم والحق في اكتساب جنسية، ويكون له قدر الإمكان، الحق في معرفة والديه وتلقي رعايتهما. 2- تكفل الدول الأطراف إعمال هذه الحقوق وفقاً لقانونها الوطني والتزاماتها بموجب الصكوك الدولية المتصلة بهذا الميدان، ولا سيما حيثما يعتبر الطفل عديم الجنسية في حال عدم القيام بذلك. والمادة 8:2- إذا حُرم أي طفل بطريقة غير شرعية من بعض أو كل عناصر هويته، تقدم الدول الأطراف المساعدة والحماية المناسبتين من أجل الإسراع بإعادة إثبات هويته.