قصة لبنان مع ظاهرة التبني غير الشرعي قديمة من قدم حروبنا المتراكمة، حالنا حال العالم الذي شهد بدايات العمل الإرسالي لرعاية "الأيتام" والأطفال "المجهولي النسب" نتيجة الحروب العالمية والمجاعات والأوبئة التي اجتاحت البشرية على مدى التاريخ. علماً أن ظاهرة التخلي وقضية اليتم متأصلتان في تاريخ الأديان وحتى في سير الأنبياء.
 
التبني كشكل من أشكال الانتداب
في لبنان، شكلت الحقبة العثمانية وما تزامن معها من توافد الأرمن نتيجة الإبادات الجماعية عاملاً أساسياً في افتتاح دور الرعاية المنظمة وكان معظمها ذا تبعية طائفية وتركز عمله على أن يكون محطة انتظار قبل إيجاد عائلة بديلة تتبنى الطفل. وهكذا شهد لبنان وصول إرسالية St Vincent de Paul. وكان افتتاح حضانة أخوات المحبة في الخندق الغميق عام 1848 لاستقبال الأطفال "المتروكين". كما عملت الدولة العثمانية على تأسيس مركز لإيواء الأطفال الأيتام والمتروكين في ثكناتها العسكرية. وبعد سقوط الامبراطورية العثمانية، تداعت العائلات البيروتية لإنشاء خدمة رديفة، فنشأت دار الأيتام الإسلامية عام 1922[1].
أما العمل المؤسس في مجال التبني، فجاء خلال فترة الانتداب وما تبعه من استسهال في نقل الأطفال إلى عائلات أجنبية، لا سيما عائلات فرنسية، عبر اتفاقيات تعاون (تآخ) بين إرساليات فرنسية وأقرانها في لبنان. وهكذا جرى تشريع عمل الإرساليات في مجال استقبال الأطفال "المتروكين". وكان منح الدولة عام 1960 حضانة أخوات المحبة التي استقرت في الأشرفية تشريعاً قانونياً لعمل التبني في لبنان ومن لبنان إلى دول العالم، علماً أن فرنسا نالت الحصة الأكبر من هذا التبني نتيجة مفاعيل الانتداب المستمرة. ومع بدايات السبعينيات، تأسس العديد من دور استقبال الأطفال وكان البعض منها يسهل عملية تبني الأطفال ومنها راهبات الراعي الصالح التي اضطلعت بمهمة شبيهة.
 
فإذا كانت الدولة قد منحت سلطة التبني لمؤسسة ما، فلماذا ترانا نتحدث عن التبني غير الشرعي؟
10000 هو العدد التقديري للأشخاص الذين جرى تبنيهم خارج البلاد منذ الستينيات إلى اليوم يوازيه عدد غير معروف لأطفال جرى تبنّيهم داخل لبنان في ظل تكتم شديد حيث يعيش معظم الأشخاص المتبنين مع أسئلة من دون أجوبة وفي أكثر الأحيان مع أسئلة لا يجرؤون على طرحها. وقد شهدت السنوات العشر الماضية عودة الكثيرين ممن جرى تبنيهم عبر البلاد بغية البحث عن جذورهم. وهم يمثلون الجيل الأول الذي أدرك الحاجة الأساسية لمعرفة الحقيقة ولفهم كيفية بترهم عن بيئتهم البيولوجية. ويتزامن هذا التوجه مع حركة عالمية مناهضة للتبني كونه الملاذ الأفضل للأطفال الذين هم بحاجة لرعاية أسرية بديلة. وتكرّس هذا الوعي مع معاهدة الهاغ عام 1994 التي أكدت على شروط وأخلاقيات التبني، خاصة عبر البلاد نتيجة الجنوح الفاضح نحو ارتكابات قانونية بما يشبه الإتجار بالأطفال.
وفي ظل قوانين للأحوال الشخصية طائفية وخاضعة كلياً لسلطة رجال الدين وقضائهم، لم يعد مقبولاً التغاضي عن الإشكاليات الناجمة عن استسهال الفصل عن العائلة البيولوجية عبر التبني غير الشرعي في لبنان وعبره. وهذا ما أشارت إليه ملاحظات لجنة الأمم المتحدة حول تقرير لبنان عن وضع الأطفال في عام [2]2006:
•          قلق من عدم وجود مرجعية قانونية مدنية للتبني،
•          قلق من مسارات التبني المعتمدة في المحاكم الروحية،
•          عدم اعتماد مصلحة الطفل الفضلى كأساس لقرار التبني،
•          عدد كبير من الأطفال المتبنين بطريقة غير شرعية، خاصة عبر البلاد،
•          الدعوة إلى الانضمام إلى معاهدة Hague 1993،
•          الدعوة إلى وضع قانون مدني ليرعى عملية التبني.

وتشكل هذه الملاحظات إقراراً أممياً بأن إجراءات التبني في لبنان هي لا شرعية رغم "شرعنة" التبني عبر قرار الدولة اللبنانية وخصخصته.
ولقد أظهرت تحاليل قامت بها جمعية بدائل لعدد من إجراءات التبني استحصلت عليها من عائدين للبحث عن الجذور أشكالاً أساسية للتبني غير الشرعي:

1-    التبني عبر دور الرعاية التابعة للإرساليات خاصة بالتعاون مع المحاكم الروحية المرتبطة بها(هناك مؤشرات أن دور الرعاية الإسلامية أيضاً تسهل التبني بطرق غير شرعية رغم تعارض التبني مع أحكام الشرع). تستقبل هذه المراكز الطفل "المتخلى عنه" بموجب ورقة تقر فيها الأم البيولوجية بأنها تتنازل عن أمومتها وتتعهد بعدم السؤال عن مصير الطفل وفي معظم الأحيان تسجل هذه الرسالة عند كاتب عدل وقد تحصل الأم البيولوجية على مبلغ بسيط لتأمين حياتها لفترة قصيرة. كما أن هناك مراكز تؤمن مأوىً للأم الحامل وغير الراغبة (لظروف متعددة أقلها أنها أم منفردة في مجتمع ذكوري متسلط) خلال الشهر الأخير من الحمل وحتى الولادة ومن ثم تقوم هذه المراكز بتحويل الطفل الرضيع إلى التبني. ورغم أن تقاضي أموال مقابل التبني هو أمر يصب مباشرة في الإتجار بالأطفال، فهناك دلائل كثيرة ومنها فواتير توثق المبالغ المدفوعة من قبل العائلات التي ترغب بالتبني والجهة التي تسهل التبني. وتقوم هذه الجهات بتبرير تقاضي المبالغ لتغطية إجراءات التبني والأوراق الثبوتية، وهذا قد يكون مفهوماً إلا أن كلفة بعض الأطفال قد وصلت إلى 75000 ألف دولار.
في معظم الأحيان، لا يستوجب هذا الشكل من التبني حضور العائلة التي ترغب في التبني إلى لبنان حيث يتم قبول طلب العائلة عبر الخدمة الرديفة (التوأم لمركز لبنان) في بلدها. وعند القيام بالإجراءات الرسمية، يتم تسفير الطفل واستلامه مباشرة في بلد العائلة المتبناة.
 
2-   التبني المباشر في بعض المستشفيات
رغم قلة التوثيق لأوضاع كهذه، إلا أن هناك حالات جرى تبنيها مباشرة في المستشفى حيث تحضر العائلة الراغبة بالتبني إلى المستشفى خلال عملية الولادة ويجري تسجيل وثيقة الولادة مباشرة باسم الأم الراغبة بالتبني.
وهناك أكثر من حالة موثقة تظهر أن الأم التي ترغب بالتبني قد تسجّل نفسها في المستشفى كأم حامل تخضع لعملية الإنجاب بينما الأم الحامل الفعلية تخضع لعملية الولادة دون ورود اسمها في سجل المستشفى.
وبالتالي أيضاً تحصل الأم الوالدة على تغطية لتكلفة الولادة والقليل ثمن تأمين حياتها، بالإضافة إلى مبالغ أخرى لضمان سرية المعاملات وتعاون الموظفين المعنيين، إضافة إلى سرعة الاستحصال على الأوراق الثبوتية. حالات كهذه ما زالت تحدث إلى اليوم ومنها حالة عُرضت حديثاً خلال برنامج تلفزيوني وثق اتفاقية مشابهة حصلت في مستشفى في لبنان في صيف 2014 وكانت كلفتها 10000 دولار، علماً أن التبني جرى داخل لبنان.
وغالباً ما تكون الأم الحامل من العاملات الأجنبيات غير القادرات على الاحتفاظ بالطفل لضرورات الاستمرار بالعمل، كما يكون هناك دور لوسيط ما يقنع الأم الوالدة بالتخلي عن الطفل بموجب ورقة "التخلي" المسجلة عند كاتب عدل.
 
3-   التبني نتيجة أعمال العصابات المنظمة
نتذكر جميعاً الحديث عن حالات اختطاف لأطفال خلال الحرب اللبنانية والفترة التي تلتها في التسعينيات عندما كانت توجه إنذاراً للأهالي للتشدد في مراقبة أطفالهم خلال التجول. وفي هذا الأمر مؤشر واضح على حالات اختطاف أطفال لأغراض التبني ومنهم حالات أطفال اختُطفوا من المستشفى على أثر الولادة، وهذه حالة شاب سويدي اختُطف مباشرة إثر الولادة من عائلة لم تتمكن من سداد فاتورة عملية الولادة. أُعلمت الأم بأن الطفل قد توفي وجرى تسديد فاتورتها. هذه حكاية حقيقية ولقد عاد الشاب السويدي ليلتقي بعائلته ولاكتشاف الحقيقة.
كما شهدت الثمانينيات نشاطاً لمجموعة من المحامين المتخصصين في التبني عبر البلاد، وهم يرتبطون بشبكة خدمات موازية لاستدراج الأمهات المنفردات للتخلص من الطفل غير المرغوب به عبر إغراءات تتمثل أولاً بستر الفضيحة وتسهيل عملية الولادة ومن ثم مبلغ مادي زهيد لتنطلق بحياتها مقابل ورقة التخلي الشهيرة والتي يجري استعمالها في معظم الأحيان كورقة تهديد ضد الأم إذا رغبت في الحصول على معلومات متعلقة بطفلها. تتضمن هذه الشبكة من الخدمات تورط:
-          طبيب (أو قابلة قانونية) يقوم بعملية الولادة،
-          كاتب عدل يصادق على ورقة التخلي،
-          مختار يزوّر شهادة الميلاد،
-          محام ينظم إجراءات التبني،
-          جهات ذات صلة لاستصدار الأوراق الثبوتية ولا سيما جواز السفر.

ولقد تبين لنا أن العديد من الأطفال يتم تسجيل شهادات ميلادهم مباشرة باسم العائلة المتبناة الأجنبية وهي حال مجموعة كبيرة من الذين جرى تبنيهم إلى هولندا.
تعددت أساليب الإتجار بالأطفال عبر التبني غير الشرعي. ولكن الثابت فيها هو مخالفات مباشرة تبدأ مع تشجيع الأم على التخلي عن طفلها وتزوير الأوراق الثبوتية وتقاضي مبالغ مالية خيالية وعدم توثيق المسارات، وبالتالي إخفاء الحقيقة التي تصبح صعبة المنال عند العودة للبحث عن الجذور.

مسارات ضحاياها كثر وأولهم الطفل الذي جرى تبنيه حيث تشير الإحصاءات غير الموثقة إلى الآتي:

- 60% من الأطفال المتبنين عالمياً يختبرون أشكالاً من التخلي عند عمر المراهقة،
- من أصل 1000 حالة من التبني عبر الحدود، تبين لنا أن معظمهم يعانون من اضطرابات تعيق حياتهم مع سؤال واحد من أنا؟ ولماذا أنا؟
مسارات تترك الأم الوالدة في قلق مخيف وبحث دائم مكلل بالعار عن قطعة من الرحم وذاكرة حمل مشتركة.
مسارات تورط العائلة التي تبنت في مخالفات قانونية تعيق إخبار الحقيقة للطفل المتبني.
 
فمن هو الرابح الفعلي من عمليات التبني غير الشرعي في لبنان وإلى متى هذا التغاضي عن مسألة حيوية طالت حياة 10000 إنسان منذ الستينيات؟
 
نظرة على المعايير الدولية
 
بالإضافة إلى اتفاقية لاهاي الصادرة عام 1993 والخاصة بالمعايير الأخلاقية الخاصة بتبني الأطفال، أشارت لجنة حقوق الطفل في دورتها  39 عام 2005[3] إلى ضرورة الحد من ظاهرة التبني الدولي واحترام الصكوك الدولية الخاصة بحماية الأطفال غير المصحوبين أو المنفصلين عن أهلهم مع التأكيد على الأمور الآتية:
 
-        لا يمكن النظر في تبني الأطفال غير المصحوبين أو المنفصلين عن ذويهم إلا بعد التأكد من أن وضع الطفل يسمح بتبنيه. ويعني هذا عملياً أن تُبذل كل الجهود للبحث عن أفراد الأسرة وجمـع شمـلهم.
-        يجب أن يكون التبني بناءً على موافقة الوالدين لا نتيجة ضغوط اجتماعية وأخلاقية أو نتيجة لإغراءات مادية.
-        يجب أن يكون التبني نتيجة لقرار قضائي.
-        لا يجوز تبني الأطفال غير المصحوبين أو المنفصلين عن ذويهم بعجلة وفي حالات الطوارئ القصوى.
- يجـب أن يخـدم التبني مصالح الطفل الفضلى وأن يتم وفقاً للقوانين الوطنية والدولية.
- ينـبغي الـتماس آراء الطفـل، حسب سنه ودرجة نضجه، ومراعاة هذه الآراء في إطار جميع إجراءات التبني.
ويقتضي هذا الشرط أن يكون هذا الطفل قد حصل على المشورة وأُطلع كما ينـبغي على نتائج التبني وموافقته عليه، إذا كانت هذه الموافقة لازمة. ويجب أن يعطي الطفل موافقته بحرية ومن دون إغراء بمال أو بتعويض من أي نوع آخر.
- يجـب إعطاء أولوية التبني إلى الأقارب الموجودين في بلد إقامة الطفل. وفي حالة عدم توفر هذا الخـيار، تعطـى الأولوية إلى أفراد المجتمع المحلي الذي ينتمي إليه الطفل أو على الأقل إلى أفراد يشاركونه الثقافة نفسها.
-        في كل الأحوال يجب حفظ ملف الطفل وعدم تزوير وثائقه بما يضمن حقه بالمعرفة وإعادة التواصل مع العائلة البيولوجية.
-        يجب أن تخضع العائلة المتبناة لاختبارات نفسية لإثبات أهليتها للتبني وقبولها المسبق بحق الطفل بالمعرفة.
 

* خبيرة في الرعاية الاسرية البديلة والمديرة التنفيذية لجمعية بدائل Alternatives
 
 نشر في العدد الرابع و العشرين من مجلة المفكرة القانونية

للإطلاع على النص مترجما الى اللغة الإنكليزية يمكنك الضغط هنا


[1]دور الأسر والجمعيات في تنمية المجتمع اللبناني، د.حسان حلاق.
[2]CRC/C/LBN/CO/3 8 June 2006
 
[3]CRC/GC/2005/6 1 September 2005